ثقافة وفن

أهذا الذي ترتجف أمامه كلُّ روما؟

صلاح نيازي
“قرعتُ الطبل لأغنّي، فاندلعت الحرب”
عبدالرحيم الخصَّار
شاعر مغربي
كان هذا الذي ترتجف أمامه كل المدينة، هو سكاربيا رئيس شرطة روما.
سكاربيا يجمع في شخصيته، مزيجاً من الدكتاتورية، والشهوة البهيمية والكذب الأبلق. وهو في الغدر ثالثة الاثافي.
في قبضة هذا المخلوق الشرّير، تقع المغنية توسكا، وحبيبها الرسام كافارادوسي.
يريد جسد توسكا ليطفئ حمى شهوته. وفي الوقت نفسه يريد ان يتخلص من جسد كافارادوسي بقتله، يشكل هؤلاء الثلاثة هيكال اوبرا توسكا، لجيوكومو بوتشيني. تدور حوادث هذه الأوبرا عام 1800 بروما، وكانت مهددّة باجتياح نابليون. استقاها بوتشيني ، من مسرحية فرنسية لساردو Sardou ، رآها على خشبة المسرح. استغرقت عملية تحويل المسرحية، إلى اوبرا أربع سنوات.
وصف أحد النقاد هذه الاوبرا بأنها:»Through composed work أي أنها قطعة واحدة من أوّلها إلى آخرها. نسيج واحد Seamless.
خلاصة توسكا، رغم أن الأوبرا كالشعر لا يلخص، ولكن ” وما حيلة المضطر إلا ركوبها” هي أنّ سكاربيا زجّ الرسام في السجن لأسباب سياسية، ناوياً قتله. توسلت إليه توسكا، وتضرعتْ، إلاّ أنّ قلب سكاربيا قُدّ من صخر. في هذه الأثناء تسمع توسكا صراخ حبيبها الرسام يئن تحت وطأة التعذيب.
ما من صوت موجِع كصوت إنسان يتلوّى بين يديْ جلاّد.
توسلت وتوسلت ولم يرفّ له جفن. الأدهى راح يقايضها على جسدها:
إمّا حبيبها، و إما عفة جسدها. الصراخ يزداد وجعاً. إنقاذ حبيبها أوّلاً. رضخت. وفي مسكنه بدأت مجسات استشعاراته تلدغ جسدها. كان يحتضنها حينما رأت توسكا سكينة على الطاولة خلفه. تناولتها وطعنته حتى الموت. وهنا تقول توسكا جملتها الشهيرة:” أهذا الذي ترتجف
أمامه كلّ روما!”
تهرع توسكا إلى حبيبها، فإذا به مسجى قتيلاً، بأوامر من سكاربيا نفسه. لقد كذب عليها. لم تكنْ عملية قتله صورية، كما وعدها. على أية حال، من رماد هذه الفجيعة، تومض أغنيتان موسيقيتان هما – في رأي النقاد- من أفضل الآريات الأوبرالية إطلاقاً.
الأولى: “آريا” Aria بعنوان: “وما تزال النجوم تتلألأ” يترنّم بها الرسام كافارادوسا، وهي مشهورة لعمقها العاطفي، ولكلماتها الجميلة. وتعدّ من كلاسيكيات الموسيقى الغربية.
كان الرسام ينتظر إعدامه في القلعة. راح يفكر بحبه وحياته، أما كلمات الأغنية فتعكس ذكريات حميمة عن الحب. كذلك إنها أغنية يأس من الحياة، فموته وشيك.
” ما تزال النجوم تتلألأ
والأرض عطرة
بوابة البستان ذات صرير

دخلتْ عطرة
احتضنتني بتلهف
آه قبلات جميلة، عناق خادر

حلمي بالحب تلاشى إلى الأبد
لقد مرّت الساعة، وأنا أموت يائساً
ما أحببت الحياة أبداً كما أحبها الآن”
الآريا الثانية، تترنّم بها توسكا، بعد أن قتلت سكاربيا رئيس شرطة روما، قائلة له “هذه قبلة توسكا»!
عنوان الأغنية ” عشت من أجل الفنّ”: Vissi d art
“عشت للفن، عشت للحب
لم أؤذِ أحداً في يوم ما
بيدٍ خلسةً
خففتُ عن كلّ بؤس عرفته
بإيمان صادق دائماً
صعدتْ صلواتي إلى المعابد المقدسة
بإيمان صادق دائماً
قدّمت الأزهار للصوامع
في ساعة الألم
لماذا لماذا يا ربّ
تجازيني هكذا؟
أهديت الجواهر لوشاح العذراء
وأهديت الغناء للنجوم والسماء
فأضاءت بجمال أكبر
في ساعة الشدّة
لماذا، لماذا، يا ربّ
آه، لماذا تجازيني هكذا”.
… ما دمنا في ضيافة بوتشيني، فالأفضل الحديث قليلاً عن الآريا الشهيرة الثالثة، ، Nessun Dorme من أوبرا تيراندوت التي استقاها بوتشيني مما قرأ في أعمال الشاعر الألماني شيلر، وهي بالأصل إحدى قصص ملحمة “الجميلات السبع» للشاعر الفارسي نظام الدين في القرن الثاني عشر عشر، وفيها تيراندوت ( ومعناها بالفارسية، ابنة تيران، وتيران اسم مدينة ) وهي فتاة عذراء وباردة لا تريد أن تقترن بأحد إلا إذا تمكن من حلّ ثلاثة ألغاز وإلا خسر حياته. وهنا يتقدم الأمير خلف متنكراً. (هو ابن الإمبراطور المخلوع تيمور).
ومع أنّ الأمير خلف تمكّن من حلّ الألغاز، إلا أن الأميرة رفضته. تحدّاها الأمير خلف إنْ هي عرفت اسمه قبل الفجر فإنه سيموت. ثمّ يغني هذه الآريا:
« ما من أحد ينام»
“ما من أحد ينام
ما من أحد ينام
أنت أيضاً أيتها الأميرة
في غرفتك الباردة
أنظري إلى النجوم
التي ترتجف بالحب والأمل
لكن سري مغلق بداخلي
ما من أحد يعرف آسمي، لا، لا
سأقوله في فمك
حينما يبزغ الفجر
وقبلاتي ستذيب ذلك الصمت
الذي يجعلك لي
اختفي أيتها النجوم
اختفي أيتها النجوم
سأنتصر
في الفجر سأنتصر
سأنتصر»
عند الفجر، قالت الأميرة لأبيها: إنها تعرف آسم الأمير: إنّ آسمه الحبّ. أشاع هذه الآريا عالميّا، المغني الأوبرالي الشهير بافورتي، حينما شدا بها في المباريات العالمية لكرة القدم عام 1990. مما يذكر أن بوتشيني وافته المنية قبل إنجاز تيراندوت، فأكملها فرانكو الفانو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى