الاغتراب والهوية في رواية “ليالي ابن زوال” لـ كريم كطافة

جورج منصور
تُعدّ الرواية من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على التعبير عن قضايا الإنسان وتحولات المجتمع، لما تتيحه من مساحة واسعة لتصوير الواقع واستكشاف أعماق النفس البشرية ورصد التغيرات الفكرية والاجتماعية التي تصاحب الأفراد والجماعات. وقد شهدت الرواية العراقية المعاصرة تطوراً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، متأثرةً بما مرّ به العراق من حروب وأزمات وتحولات سياسية واجتماعية عميقة تركت آثارها الواضحة في الوعي الجمعي. ومن بين الموضوعات التي شغلت الروائيين العراقيين تبرز قضايا المنفى والهوية والاغتراب بوصفها تجارب إنسانية عاشها عدد كبير من العراقيين داخل الوطن وخارجه. وفي هذا السياق تبرز رواية «ليلي ابن زوال» للروائي العراقي كريم كطافة بوصفها عملاً سردياً يتناول نجربة الاغتراب والهجرة وما يرتبط بها من أسئلة الهوية والانتماء والبحث عن الذات.
تستمد الرواية أهميتها من قدرتها على الجمع بين البعد الواقعي والبعد الإنساني العميق، فهي لا تكتفي بسرد أحداث تتعلق بالهجرة والعمل والتنقل بين البلدان، بل تتجاوز ذلك إلى الكشف عن الآثار النفسية التي يخلّفها المنفى في روح الإنسان. وتقدم الرواية صورة مؤثرة عن الفرد الذي يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة وطنه تحت ضغط الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فيدخل في رحلة طويلة من البحث عن الأمان والاستقرار، لكنه يكتشف أن المسافة الجغرافية ليست سوى جانب واحد من معاناة الاغتراب، بينما تكمن المعاناة الأشد في الشعور المستمر بالاقتلاع من الجذور وفقدان الإحساس الكامل بالانتماء.
ويُعد كريم كطافة من الأصوات السردية العراقية التي اهتمت بتصوير التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة، مع التركيز على الإنسان العادي بوصفه محور الحكاية ومركزها. وتمتاز كتاباته بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة فنية غنية بالدلالات، كما يولي اهتماماً خاصاً للعالم النفسي للشخصيات وللتحولات التي تطرأ على وعيها نتيجة الصدمات والتجارب الحياتية. ومن خلال هذا التوجه استطاع أن يقدم في رواية «ليالي ابن زوال» عملاً يجمع بين الواقعية الاجتماعية والتأمل الوجودي، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
تدور أحداث الرواية حول شخصية خالد زوال، الشاب الذي تدفعه الظروف الصعبة إلى مغادرة وطنه والعمل بحاراً على متن سفينة يونانية تجوب البحار والموانئ. ومنذ اللحظة الأولى لمغادرته تبدأ رحلة الاغتراب التي تشكل المحور الأساسي للأحداث. فالبحر الذي يقطع المسافات بين البلدان لا ينجح في تقليص المسافة النفسية بين خالد ووطنه، بل يزيد إحساسه بالبعد والحنين. ومن خلال تنقلاته المستمرة بين المدن والموانئ الأجنبية يتعرف إلى أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويخوض تجارب متنوعة تكشف له جوانب متعددة من الحياة، لكنه يظل يحمل داخله شعوراً دائماً بأنه غريب مهما طال بقاؤه في الأمكنة الجديدة.
ويعتمد السرد في الرواية على تقنية الاسترجاع الزمني، حيث تتداخل أحداث الحاضر مع ذكريات الماضي، فتتشكل صورة متكاملة عن حياة البطل. وبينما يعيش خالد واقعاً جديداً في البحر والموانئ البعيدة، تظل ذاكرته مشدودة إلى الوطن وأهله وأصدقائه وأماكن طفولته. وتؤدي هذه التقنية دوراً مهماً في تعميق البعد النفسي للرواية، إذ تجعل القارئ يعيش التوتر الدائم بين زمنين: زمن الذكريات الذي يمنح الشخصية شعوراً بالأمان والانتماء، وزمن الحاضر الذي يفرض عليها مواجهة واقع جديد مليء بالتحديات.
تمثل شخصية خالد زوال محور الرواية وشخصيتها الرئيسة، وهي شخصية تتميز بالحساسية والتأمل والقدرة على مراقبة العالم من حولها. ولا يظهر خالد بطلاً خارقاً أو نموذجاً مثالياً، بل إنساناً عادياً يحمل نقاط القوة والضعف معاً، وهو ما يمنحه صدقية فنية ويجعله قريباً من القارئ. وتتجلى معاناته في الصراع المستمر بين رغبته في بناء حياة جديدة وبين تمسكه بذكرياته وجذوره الأولى. وهذا الصراع لا يقتصر على المستوى الشخصي، بل يتحول إلى تعبير عن معاناة شريحة واسعة من المهاجرين الذين يعيشون بين ثقافتين وعالمين مختلفين.
أما الشخصيات الثانوية فتسهم في توسيع أفق الرواية وإغناء دلالاتها الإنسانية. فكل شخصية تقدم نموذجاً مختلفاً من نماذج الاغتراب أو البحث عن الاستقرار، سواء كانت شخصيات مهاجرة مثل خالد أو شخصيات تنتمي إلى البيئات التي يمر بها خلال رحلته. ومن خلال هذه الشخصيات يبرز الكاتب تنوع التجارب الإنسانية واختلاف طرق التعامل مع الغربة، كما يكشف أن الشعور بالوحدة والبحث عن المعنى ليسا مرتبطين بجنسية أو ثقافة معينة، بل يمثلان تجربة إنسانية مشتركة.
ويؤدي المكان دوراً أساسياً في بناء الرواية ودلالاتها الفكرية. فالوطن يظهر بوصفه فضاءً للذاكرة والحنين والانتماء، حتى عندما يكون غائباً عن الأحداث المباشرة. إنه حاضر في وجدان الشخصية وفي أحاديثها واسترجاعاتها المستمرة. أما المدن الأجنبية والموانئ البعيدة فتبدو فضاءات للعبور المؤقت، حيث يقيم البطل دون أن يشعر بأنه ينتمي إليها حقاً. وتتحول السفينة إلى مكان رمزي يجسد حالة اللااستقرار الدائمة، فهي لا تستقر في مكان واحد، تماماً كما أن خالد لا يجد موطناً نهائياً يحتضنه.
ومن أبرز القضايا التي تعالجها الرواية قضية الهوية. فخالد لا يفقد ارتباطه بوطنه وثقافته، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات الاندماج في بيئات جديدة تختلف عن البيئة التي نشأ فيها. ومن هنا ينشأ سؤال الهوية: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على انتمائه الأول وهو يعيش في مجتمع مختلف؟ وكيف يستطيع التوفيق بين ماضيه وحاضره؟ لا تقدم الرواية إجابات جاهزة لهذه الأسئلة، بل تتركها مفتوحة أمام القارئ للتأمل، وهو ما يمنحها عمقاً فكرياً ويجعلها تتجاوز حدود الحكاية الفردية.
كما تتناول الرواية قضية الاغتراب بوصفها حالة نفسية تتجاوز البعد الجغرافي. فالغربة ليست مجرد الابتعاد عن الوطن، بل شعور داخلي بالانفصال عن المكان والناس وحتى عن الذات أحياناً. ويعاني خالد هذا النوع من الاغتراب حين يجد نفسه عاجزاً عن الانتماء الكامل إلى الواقع الجديد، وفي الوقت نفسه غير قادر على العودة إلى الماضي كما كان. ومن خلال هذا التصوير تكشف الرواية عن الأثر العميق الذي تتركه الهجرة في تكوين الفرد النفسي والاجتماعي.
وعلى المستوى الفني، اعتمد الكاتب السرد الذاتي والحوار الداخلي والمنولوج النفسي، وهي تقنيات أتاحت للقارئ الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية الرئيسة وفهم دوافعها ومشاعرها المتغيرة. كما اتسم الحوار بالواقعية والقدرة على التعبير عن اختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية للشخصيات. أما الوصف فجاء دقيقاً ومعبراً، سواء في تصوير البحر والموانئ والمدن أو في تصوير المشاعر الإنسانية المعقدة كالحنين والخوف والوحدة والأمل.
وتتميز لغة الرواية بالوضوح والسلاسة مع احتفاظها بقدر من الشعرية التي تضفي على النص بعداً جمالياً. وقد نجح الكاتب في توظيف الرموز بطريقة طبيعية وغير متكلفة، فالسفينة ترمز إلى الرحلة المستمرة وإلى المصير الإنساني المتقلب، بينما يرمز البحر إلى المجهول والتحديات التي تواجه الإنسان في حياته. أما الوطن فيمثل الجذر الذي يمنح الشخصية هويتها، في حين يكتسب الليل دلالات التأمل والوحدة واستعادة الذكريات، وهو ما ينسجم مع عنوان الرواية وما يحمله من إيحاءات نفسية وزمنية.
وتكمن قيمة الرواية في قدرتها على تحويل تجربة فردية إلى تجربة إنسانية عامة. فخالد زوال ليس مجرد شخصية روائية، بل يمثل نموذجاً لإنسان العصر الذي يجد نفسه مضطراً إلى التنقل بين الأمكنة والثقافات بحثاً عن حياة أكثر أمناً وكرامة. ومن خلال قصته تعكس الرواية واقع آلاف المهاجرين والمنفيين الذين يعيشون التمزق بين الحنين إلى الماضي ومحاولة التأقلم مع الحاضر.
وفي الختام، تمثل رواية «ليلي ابن زوال» عملاً مهماً في مسار الرواية العراقية المعاصرة، لما تطرحه من قضايا إنسانية وفكرية تتصل بالهوية والانتماء والمنفى والبحث عن الذات. وقد نجح كريم كطافة في تقديم نص يجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري، ويمنح القارئ فرصة للتأمل في مصير الإنسان المعاصر وتحدياته. وبذلك تغدو الرواية شهادة أدبية مؤثرة على تجربة الاغتراب، ووثيقة فنية تسجل جانباً من معاناة جيل كامل عاش التحولات الكبرى التي شهدها العراق والعالم العربي في العقود الأخيرة.

