ثقافة وفن

الشيطان يزور موسكو

رنيم العامري
ماذا يمكن أن يحدث حين يزور الشيطان مدينة؟ والأهم: ماذا لو كانت هذه المدينة لا تحتاج أصلاً إلى الشيطان كي تعرف الشرّ؟
هذا ما يتناوله ميخائيل بولغاكوف (1891-1940) في رواية (المعلّم ومارغريتا) الصادرة عن دار المدى:
حين يصل فولاند إلى موسكو برفقة حاشيته الغريبة، لا يبدو أنه جاء ليعلّم أهلها الفساد، فهم يعرفونه جيداً قبل مجيئه. فالمدينة التي سيدخلها غارقة أصلاً في الخوف والطمع والنفاق والبيروقراطية. أدباؤها مساومون، ومؤسساتها تستطيع أن تُغيّب البشر بين ليلة وضحاها، فيما يعيش الناس داخل شبكة من المحظورات، ويتقنون العيش وسط الخوف، يعرفون ما يجب السكوت عنه، ومَن لا يجوز حتى الإشارة إليه. لذلك يبدو فولاند -على الرغم من كونه الشيطان- أقل شرّاً في أحيان كثيرة من العالم الذي نزل إليه. فالشيطان لا يأتي هنا ليُفسد مدينة بريئة، بل ليرفع الغطاء عما كان موجوداً فيها. هو وأتباعه يصنعون فوضى هائلة، لكن الفوضى تكشف في طريقها جشع الناس ونفاقهم وغرورهم واستعدادهم للكذب والخيانة حين تتاح لهم الفرصة. وكأنّ بولغاكوف يقول إن الشرّ لا يحتاج دائماً إلى شيطان؛ أحياناً يكفيه مكتب، أو منصب. الشر الحقيقي هنا عادي جداً، وهذا ما يجعله مخيفاً.
عمل بولغاكوف على الرواية سنوات طويلة، منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين وحتى وفاته، ولم يرها منشورة في حياته. وهو قد أحرق بالفعل نسخة مبكرة منها، ثم عاد وكتبها من جديد، وظل يعدّل فيها حتى السنوات الأخيرة من حياته. لذلك حين نقرأ عبارتها الأشهر، «المخطوطات لا تحترق»، يصعب أن نتعامل معها بوصفها مجرد جملة روائية.
ولم يكن بولغاكوف يكتب عن القمع من مسافة آمنة. لقد عاشه بنفسه. مُنعت أعمال من النشر، وأُلغيت عروض مسرحياته، وضاقت أمامه مساحة العمل حتى كتب إلى الحكومة السوفيتية طالباً إما أن يسمحوا له بالمغادرة أو أن يتركوا له طريقة يستطيع بها أن يعمل ويعيش. ووصل الأمر إلى مكالمة شهيرة بينه وبين ستالين نفسه. وحين نعرف هذا، يصبح الخوف الذي يملأ الرواية مفهوماً بطريقة مختلفة. الخوف موجود في كل مكان تقريباً، لكنه لا يعلن عن نفسه. الشخصيات تعرف أن إنساناً قد يختفي فجأة. وتعرف أن هناك جهات يجب إبلاغها، وأشياء يجب السكوت عنها، وأبواباً قد تُطرق في الليل.
تتحرك الرواية بين ثلاثة محاور تتقاطع طوال الوقت: الشر، والحب والفن، والجُبن؛ الشر نراه في موسكو، لكن ليس بالضرورة في فولاند وحده. والحب والفن يجتمعان في قصة المعلّم ومارغريتا. أما الجبن، فيظهر بأوضح صورة في حكاية بيلاطس البنطي. أما المعلّم فليس بطلاً بالمعنى المعتاد. إنه كاتب أنهكته الهجمات على روايته إلى درجة أنه فقد ثقته بنفسه وبعمله، وأحرق مخطوطته وانسحب من الحياة. وفي مقابل بيلاطس الذي يخاف من السلطة، نجد المعلّم الذي يخاف من العالم الذي حاصر كتابه. كلاهما يعرف شيئاً ثم يتراجع أمام الخوف. أما مارغريتا، فهي النقيض تقريباً. هي عشيقة المعلم، لكن حبها ليس للمعلّم وحده. فهي تؤمن بعمله أيضاً عندما يفقد هو نفسه الإيمان به. تحمي المخطوطة كما تحمي صاحبها.
إن هذا جعلني أفكر تلقائياً في زوجة بولغاكوف، التي حافظت على أعمال زوجها بعد وفاته وسعت إلى نشر (المعلّم ومارغريتا).
كانت الترجمة من الأشياء التي زادت متعتي في قراءة هذه الطبعة العربية الصادرة عن (دار المدى) بترجمة إبراهيم شكر عن الروسية. فلغة المترجم غنية، وقاموسه واسع وجزل. فالمقدمة التي تشرح حياة بولغاكوف وظروف كتابة الرواية، والشروح الواردة في نهايتها، كانت مهمة جداً في كتاب مليء بإشارات تاريخية ودينية وأدبية قد تمرّ على القارئ من دون أن ينتبه إليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى