العلماء يقتربون من حل لغز النقاط الحمراء الصغيرة الكونية | علوم

Published On 21/9/2026
|
آخر تحديث: 16:14 (توقيت مكة)
منذ أن بدأ تلسكوب جيمس ويب الفضائي إرسال أولى أرصاده العلمية في عام 2022، ظهرت في الكون المبكر أجسام صغيرة شديدة الاحمرار أطلق عليها الفلكيون “النقاط الحمراء الصغيرة” (Little Red Dots)، وسرعان ما أصبحت من أكثر ألغاز الكون المبكر إثارة.
لكن فريقا من الباحثين قرر ألا يحدق في هذه الأجسام نفسها، بل يبحث عما يحيط بها. وباستخدام صور جيمس ويب لـ217 نقطة حمراء صغيرة، نجح العلماء في تجميع إشارات خافتة للغاية من محيطها، وكشفوا للمرة الأولى دليلا مباشرا على وجود مجرات مضيفة حولها في الضوء البصري.

وتشير النتائج إلى أن هذه المجرات صغيرة ومضغوطة على نحو غير معتاد، وأنها ربما تقدم مفتاحا لفهم الظروف التي ظهرت فيها النقاط الحمراء الصغيرة خلال المليار سنة الأولى من عمر الكون.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
لغز ظهر مع جيمس ويب
النقاط الحمراء الصغيرة هي مجموعة من الأجسام البعيدة والمضغوطة التي ظهرت في أرصاد تلسكوب جيمس ويب للكون المبكر. وتتميز بلونها الأحمر وشكلها الصغير، كما تظهر لديها خصائص ضوئية وطيفية لا تنسجم تماما مع الصورة التقليدية للمجرات أو النوى المجرية النشطة.

وتشير دراسات عدة إلى ارتباط النقاط الحمراء الصغيرة بثقوب سوداء فائقة الكتلة في مراكزها، لكن طبيعتها الدقيقة وكيف تشكلت ما زالت موضع نقاش.
وتزداد الحيرة لأن هذه الأجسام تبدو شائعة نسبيا في الكون المبكر، ثم تكاد تختفي عند الأزمنة الكونية اللاحقة. لذلك ركزت معظم الدراسات السابقة على مصدر الضوء الشديد في مركز كل نقطة، لكن ذلك جعل اكتشاف المجرة المضيفة أمرا بالغ الصعوبة، لأن بريق المركز يطغى على الضوء الخافت المحيط به.
مجرات أصغر من المتوقع
بدلا من دراسة كل نقطة منفردة، استخدم الفريق تقنية تعتمد على تكديس صور 217 نقطة حمراء صغيرة مأخوذة بواسطة كاميرا الأشعة تحت الحمراء القريبة في جيمس ويب، ما سمح بتجميع الضوء الضعيف المشترك بينها وإبرازه.
وبسبب تلك التقنية ظهرت حول النقاط مكونات ممتدة خافتة في نطاق معين من الأشعة تحت الحمراء، يبلغ حجمها النموذجي نحو 200 فرسخ فلكي، أي قرابة 650 سنة ضوئية، عند انزياح أحمر يقارب 6.5.

وبتحليل الضوء بأربعة نطاقات، قدر الباحثون متوسط الكتلة النجمية للمجرات المضيفة بنحو مليار كتلة شمسية. والمفاجأة أنها أصغر بنحو 2.5 مرة من المجرات التي تتكون فيها النجوم عادة وتملك كتلة نجمية مماثلة وفي الحقبة الكونية نفسها.
وهذا يعني أن المادة النجمية في هذه المجرات محشورة في حيز أصغر بكثير، ما قد يجعل بيئتها أكثر كثافة من المعتاد.
ويضم الفريق الباحث جورج زافالا من جامعة ماساتشوستس أمهرست، الذي أشار إلى أن تجاهل المجرات المضيفة ربما كان سببا في بقاء جزء من اللغز دون حل.
وتفتح النتائج سؤالا جديدا: هل ترتبط النقاط الحمراء الصغيرة ببيئات مجرية شديدة الكثافة تشهد معدلات مرتفعة من تشكل النجوم، أم أن خصائصها ناتجة أساسا عما يحدث حول الثقوب السوداء في مراكزها؟
من أين جاءت هذه الأجسام؟
لا تقدم الدراسة إجابة نهائية عن أصل النقاط الحمراء الصغيرة، لكنها تغير طريقة النظر إلى المشكلة. فإذا كانت المجرات المضيفة صغيرة وكثيفة بالفعل، فقد تساعد هذه البيئة في تفسير بعض خصائص الأجسام المركزية، وربما في فهم العلاقة المبكرة بين نمو المجرات ونمو الثقوب السوداء الموجودة في مراكزها.
وتشير الدراسة إلى أن هذه النتائج تمنح الباحثين نافذة على بناء المكونات النجمية للمجرات خلال أول مليار سنة بعد الانفجار العظيم.
أما الخطوة التالية فستتجاوز مجرد قياس الضوء إلى دراسة طيفه، إذ يمكن للتحليل الطيفي أن يفصل بصورة أفضل بين ضوء المجرة المضيفة وضوء المصدر المركزي، وأن يكشف خصائص الغاز الموجود حول هذه الأجسام.

كما يقترح الباحثون البحث عن نظائر قريبة لهذه النقاط الحمراء في الكون الحالي، حيث تسمح المسافات الأقصر بدراسة خصائصها بتفصيل أكبر، مع الاستعانة برصد متعدد الأطوال الموجية ومن عدة تلسكوبات.
ورغم أن أصل النقاط الحمراء الصغيرة لم يحسم بعد، فإن هذا الاكتشاف يوضح قيمة تغيير زاوية النظر في البحث العلمي.
فقد لا يكون مفتاح اللغز داخل الجسم الذي يلفت الانتباه أولا، بل في البيئة المحيطة به؛ ومع كل رصد جديد يعيد جيمس ويب بناءه للكون المبكر، يتضح كيف يمكن للعلم أن يحول سؤالا غامضا إلى سلسلة من الأسئلة القابلة للاختبار.



