المنبّه بوصفه استعارة للزمن المعطَّل في تجربة أحمد البحراني

د.شوقي الموسوي
بمثابة مقدمة:
يُعَدّ الزمن من أكثر المفاهيم الفلسفية إشكالًا وتعقيدا ً.. فقد تناول هيراقليطس فكرة التغيّر والتحوّل بقوله: (إننا لا ننزل النهر مرتين)، ليؤكد ان الزمن في حركة وجودية مستمرة.. ثم جاء أفلاطون بأفكاره المثالية ليصف الزمن بالظّل الابدي، فيصبح صورة متحرّكة للأبدية، تسير وفق نظام كوني. بينما الزمن عند أرسطو أصبح مقياسا للحركة والتغيّر.. وفيما بعد اتخذ الزمن أبعاداً معرفية أُخرى في الفكر الحديث،؛ إذ يرى إيمانويل كانت أن الزمن إطار قبلي ينظّم التجربة الحسية، وليس واقعاً موضوعياً مستقلاً. في حين قدّم برغسون مفهوم (المدّة) بوصفها زمناً داخلياً سايكولوجياً متصلاً بالوعي. وقد أسهم هذا التحول من الزمن الفيزيائي إلى الزمن الوجداني في فتح آفاق جديدة أمام الفنانين للتعبير عن التجربة الإنسانية. وصولاً الى الفكر المعاصر، عند هايدغر و ريكور، أصبح الزمن محوراً لفهم الوجود..؛ اذ لا يمكن أن تُفهم الذات إلا من خلال حكايتها عبر الزمن.
بالتالي انعكس هذا التحوّل في الفكر والثقافة على الفن التشكيلي المعاصر، حيث لم يعد الزمن صورة أو لحظة ثابتة، بل تجربة مركّبة تتشابك فيها الذاكرة والحركة وفعل التحوّل من خلال قوانين التكرار والتراكم البصري والوسائط المتعددة الجديدة و استدعاء الماضي بوصفه بنية دلالية حاضرة.
التشكيل بين الاستدعاء وإعادة الإنتاج:
نلاحظ في حدود التجربة التشكيلية العراقية المعاصرة، حضور صور الزمن(الوقت والمنبه) والهوية (الثقافة) والذاكرة (التاريخ) فلا يعود الزمن شيئاً يُقاس، بل شيئا يُعاش، يُفقد، يُنسى ويُستدعى.. فمثلاً لا تُوصف صورة الساعة عنصراً شكلياً، لكنها تحضر بوصفها استعارة زمنية تتجسد عبر صور الجسد و الأثر الحضاري و صور الحروب والخراب.. ففي تجارب جيل الرواد وما بعده لم نجد صورة الساعة كموضوع مباشر، لكن نجد الزمن متجسداً عبر الطبقات اللونية المتراكمة التي تُبيّن آثار الزمن، وعبر الرموز الرافدينية التي تستدعي الماضي من خلال الذاكرة الجمعية، وليس عبر أداة قياس.. مروراً بتجارب الثمانيات والتسعينيات (زمن الحروب والاحتلال) التي أظهرت الزمن بوصفه جراحات وإنكسارات وصدمات ومروراً بتجارب العصر الكوروني وفوبيا الموت وعذابات الروح، عصر عزلة الانسان وتوقف الوقت والزمن و الحياة، فأصبح الزمن والوقت مجرد أوهام معلقة على جدران الذاكرة.. وصولاً الى تجارب اليوم التي ربطت الزمن بالذاكرة البكرية الفرويدية بما تحويه من حالات القلق والخوف والضياع، المتجسدة في مفردة الساعة كرمز ضمني وتارة كرمز شكلي مباشر.
فقد اشتغلت التجارب العراقية المعاصرة بشكل عام وتجربة الفنان النحات أحمد البحراني في معرضه المثير بعنوانه (المنبّه)، الذي عُرض على قاعة (THE GALLERY) للفنون المعاصرة، في عام 2025 بشكل خاص، على مفهوم الزمن بصيغة رمزية ومفاهيمية.. والذي عد أول معرض شخصي للفنان البحراني في بغداد بعد غياب ثلاثون سنة وأكثر.
البينية بين البياض والسواد:
المنبّه في الفن التشكيلي، لا أقصده كأداة قياس زمنية فحسب، بل أجده قد تحوّل الى علامة وجودية تستدعي الاستيقاظ والانتباه، سواء على المستوى الشخصي أو الجمعي..؛ اذ يستحضر البحراني الزمن بوصفه بنية ضاغطة، يتشابك فيها الماضي مع الحاضر فتتشظى تكوينات مشاهده الفنية بوصفها كيانات متحوّلة على مستوى النحت والرسم، فتتمظهر سطوح تكويناته النحتية المتكسّرة، وتموجات أجساده المُعذبة بفعل الزمن، للإشارة الى الزمن المُحمّل بالفقد والحرمان.. فضلاً عن المساحات اللونية الحيادية (الأسود والأبيض) في الرسم وتكويناته المفتوحة المحتفية بالتجريد والتعبير والترميز في تشكيل صور الساعة الخالية من العقارب، تستحضر الامتداد الزمني للذاكرة.. مما يمنح المشهد البصري طابعاً رمزياً حكائياً..
فقد استعان الفنان البحراني بجماليات اللون الأسود للدلالة على مفهوم الغياب او الحزن والحداد، إذ يُمثل ذاكرة فالأسود هنا هو زمن النسيان… بينما الأبيض يأتي للكشف عن الفراغ وما نحاول نسيانه ضمن سياق قوانين الاغتراب، فيصبح الزمن في مشاهد الفنان بمثابة ذاكرة حزينة مهددة باستمرار الإنمحاء بالرغم من محاولته للظهور وسط العتمة السائدة، والمنبّه محاولة فاشلة لإعادة الاتصال بالماضي الجميل الذي لا يمكن استرجاعه. فالمسافة بين الأسود والأبيض هي منطقة الغربة والضياع، بين ما يتذكره الفنان وما يفقده، بين ما يحضره وما يغيب عنه.. هنا تحديداً نسكن جميعاً في منطقة بينية حائرة.
ايقاظ الذاكرة في زمن لايستيقظ:
نلاحظ في المشاهد التصويرية للنحات البحراني، صور الساعة، تستدعي بنية المنبّه التقليدي (جرسان على الجانبين)، لكنها تأتي مشوهة وعاطلة.. هنا يتحول المنبّه من جهاز إيقاظ إلى شاهد على العجز عن الاستيقاظ، بعد أن أُسقطت من بعضها العقارب وأخرى متوقفة. هذا السقوط يمثل دلالة وجودية واحتجاج عن توقف الزمن أو انفصاله عن الزمن الاجتماعي والتوشح بآثار الثقوب والفجوات الدائرية هذه التجاويف ليست مجرد فراغات تشكيلية، بل هي تمثيل للفقدان والنسيان…؛ مما يؤكد اشتغال النحات في تجربته المعاصرة (المنبّه) على استحالة استعادة الماضي (الزمن) بعد ان كان الفن العراقي سابقاً يشتغل على استعادة الماضي واحيائه.. فتصبح الساعة هنا صدمة لا استذكاراً، تجعل الفنان يحاول تصيير المنبّه الى مفهوم لايقاظ الذاكرة لا ايقاظ الجسد، لكنه ينصدم بفكرة ان الزمن لايستيقظ..
الزمن بوصفه اغتراباً:
الزمن في تجربة المعرض هو زمن مغترب كما هو واضح في تشكيلات الساعات المثقوبة والعقارب الواقفة و الساقطة والمختفية، بجانب الاجزاء المتآكلة التي تشير إلى النهايات التي تجعل الانسان بعد فقد ماضيه، يعيش في زمن ليس بزمنه، بل زمن الآخر، فيصبح زمناً افتراضياً ومفروضاً وقسرياً.. حاول البحراني أن يجسّد الاغتراب مرئياً، يجعلنا نراه و نلمسه، ونعيشه ونتعثر به.
فالفنان يركّز على الفكرة لا الشكل، من خلال تحويل صور الساعة بفعل عمليات التشويه والاختزال والتفريغ والتختيم إلى وسيط شفاف للفكرة، للكشف عن انكسار الزمن.
بمثابة خاتمة:
أصبح الزمن في التشكيل العراقي والعربي المعاصر بشكل عام وفي تجربة الفنان البحراني بشكل خاص، بمثابة البنية الأنطولوجية التي يتكوّن داخلها الوجود، بينما الوقت يبقى مجرد نظام قياس ينظّم هذه البنية.. وما بينهما يتمظهر المنبّه بوصفه أداة تقنية رمزية تُحوّل الزمن إلى وقت.. واستذكر مقولة لبيكاسو ربما تختزل تجربة البحراني: (سرّ الفن يكمن في أن تجد بدلاً من أن تبحث) تؤكد ضرورة الابتعاد عن تمثيل الزمن والاقتراب من دهشة اكتشاف الزمن داخل العمل الفني في عالمنا الرقمي الافتراضي. هذا المعرض أجدهُ ليس احتفاءً بالنحت، أو بالرسم، بل تجربة مفاهيمية حول رغبة الفن والفنان في تثبيت ما يفلت، استطاعت أن تجعل من التشكيل ساحةً للجدل والحوار، وفضاءً للجمال وشاهداً على الزمن المنهار.



