ثقافة وفن

النساء في لوحات المستشرقين.. الجسد الأنثوي بوصفه محورًا أساسيًا في اللوحة

علاء المفرجي
يُعد كتاب (النساء في لوحات المستشرقين) للمؤلفته لين ثورنتون بترجمة مروان سعد الدين والصادر عن المدى، من الدراسات الفنية التي تناولت صورة المرأة في الفن الاستشراقي الأوروبي خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. والمؤلفة لين ثورنتون مهتمة بدراسة الفن الاستشراقي وتحليل علاقته بالفكر الاستعماري الأوروبي. يقدّم الكتاب قراءة نقدية معمقة للكيفية التي صوّر بها الفنانون الغربيون المرأة الشرقية، ليس باعتبارها إنسانًا يعيش ضمن واقع اجتماعي وثقافي حقيقي، وإنما بوصفها رمزًا للغموض والإثارة والجمال exoticism الذي جذب خيال الأوروبيين في تلك الفترة.
ظهر الفن الاستشراقي في سياق تاريخي ارتبط بتوسع النفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، حيث ازداد اهتمام الأوروبيين بالشرق بعد الحملات العسكرية والبعثات العلمية وحركة الرحلات. وقد ساهم الفنانون والكتّاب في تشكيل صورة ذهنية عن الشرق باعتباره فضاءً ساحرًا ومختلفًا عن الغرب. ومن هنا جاءت صورة المرأة الشرقية في اللوحات الاستشراقية باعتبارها جزءًا من هذا العالم الغريب والمثير. فالمرأة لم تُقدَّم كشخصية مستقلة ذات دور اجتماعي وثقافي، بل غالبًا كعنصر جمالي داخل مشهد مليء بالترف والزينة والهدوء.
يركّز الكتاب على تحليل عدد كبير من اللوحات الاستشراقية التي رسمها فنانون أوروبيون مشهورون، وقد تناول هؤلاء الفنانون موضوعات متعددة مثل الحريم والحمّامات الشرقية والأسواق والراقصات والجواري. وتشير لين ثورنتون إلى أن هذه الموضوعات لم تكن تعكس الواقع الحقيقي لحياة النساء في الشرق، بل كانت تعبيرًا عن خيال غربي صاغ صورة المرأة بطريقة تخدم تصورات المجتمع الأوروبي عن الشرق.
ومن أكثر الموضوعات حضورًا في الفن الاستشراقي صورة “الحريم”، حيث ظهرت النساء داخل أماكن مغلقة تحيط بها الزخارف الفاخرة والأقمشة الغنية والأجواء الحالمة. وقد ارتبط الحريم في المخيلة الأوروبية بفكرة المتعة والسرية والغموض. إلا أن الكاتبة توضّح أن معظم الرسامين لم يكن بإمكانهم دخول هذه الأماكن فعلًا بسبب العادات الاجتماعية، مما يعني أن الكثير من اللوحات كان قائمًا على الخيال أو على روايات الرحّالة والقصص الشعبية. وبهذا أصبحت اللوحات انعكاسًا لرغبات الفنان الغربي أكثر من كونها توثيقًا للحياة الشرقية.
كما يبيّن الكتاب كيف ركّز الفنانون على الجسد الأنثوي بوصفه محورًا أساسيًا في اللوحة. فقد صُوّرت النساء بملابس شفافة أو أوضاع استعراضية، وغالبًا في حالة من السكون والانتظار. هذا التقديم جعل المرأة تبدو كموضوع للمشاهدة والمتعة البصرية، وليس كشخص يمتلك إرادة أو فكرًا مستقلًا. وترى ثورنتون أن هذه الصورة ارتبطت بالنظرة الذكورية الغربية التي تعاملت مع المرأة الشرقية بوصفها “الآخر” المختلف الذي يمكن امتلاكه أو السيطرة عليه رمزيًا.
ويتناول الكتاب أيضًا الجانب الفني والجمالي لهذه الأعمال، حيث أبدع الفنانون في رسم التفاصيل الدقيقة للأقمشة والمجوهرات والسجاد والزخارف المعمارية. وقد ساعد هذا الإتقان الفني على منح اللوحات مصداقية بصرية قوية، حتى بدت للمشاهد الأوروبي وكأنها صور حقيقية للحياة الشرقية. كما أن استخدام الألوان الدافئة والإضاءة الناعمة أضفى على المشاهد طابعًا رومانسيًا وحالمًا، مما زاد من جاذبية الفن الاستشراقي في أوروبا.
لا تكتفي لين ثورنتون بالتحليل الجمالي، بل تربط هذه الأعمال بالسياق السياسي والثقافي للاستعمار الأوروبي. فالفن الاستشراقي، من وجهة نظرها، لم يكن منفصلًا عن الهيمنة الغربية على الشرق، بل ساهم في تكريس صورة نمطية عن المجتمعات الشرقية باعتبارها متأخرة وساكنة وتحتاج إلى تدخل الغرب “المتحضر”. وقد لعب تصوير المرأة دورًا مهمًا في هذه الفكرة، إذ استُخدمت صورة المرأة الشرقية المحجوبة أو الخاضعة لتأكيد فكرة تفوق الغرب ثقافيًا وحضاريًا.
ويبرز الكتاب كذلك التناقض بين الصورة الفنية والواقع التاريخي للنساء في الشرق. فالمرأة الشرقية لم تكن دائمًا محصورة في عالم الحريم أو الترف، بل شاركت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بدرجات مختلفة حسب المجتمع والطبقة الاجتماعية. لكن الفن الاستشراقي تجاهل هذه الجوانب وركّز على الصور التي تحقق الإثارة البصرية للمشاهد الأوروبي.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها الكتاب تأثير هذه اللوحات على تشكيل الوعي الغربي تجاه الشرق. فقد ساهمت المعارض الفنية والكتب المصورة في نشر هذه الصور على نطاق واسع، وأصبحت مرجعًا بصريًا للأوروبيين الذين لم يزوروا الشرق قط. وهكذا ترسخت صورة المرأة الشرقية بوصفها غامضة ومغرية وخاضعة، وهي صورة استمرت آثارها في السينما والأدب والإعلام حتى العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى