الوثائق وسجلات ممتدة الى العصر العثماني

متابعة المدى
«تشكّيل العراق المعاصر» الصادر عن المدى تأليف بيير جون لويزار، قام بترجمته أحمد الهاشم، حميد ياسين ناصر ، نبيل العزاوي، من الأعمال التي حاولت أن تعيد قراءة ولادة الدولة العراقية الحديثة، ليس بوصفها نتيجة طبيعية لتطور سياسي داخلي، وإنما باعتبارها حصيلة صراعات وتقاطعات بين الإرث العثماني، والمشروع البريطاني، والقوى الاجتماعية والدينية العراقية.
ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن فهم العراق الحديث لا يمكن أن يتم من دون العودة إلى السنوات الأخيرة من الحكم العثماني وإلى المرحلة التي سبقت تأسيس الدولة العراقية تحت الانتداب البريطاني. ولذلك يضع في مركز دراسته علماء الدين الشيعة ودورهم السياسي، وهو جانب يرى عدد من النقاد أن الدراسات الغربية والعراقية لم تمنحه ما يستحق من الاهتمام في ذلك الوقت.
والكتاب، بهذا المعنى، لا يقدم تاريخاً سياسياً للعراق فحسب، بل يحاول أن يقرأ المجتمع العراقي من داخله: تركيب المدن، العلاقات الاجتماعية، مسألة الأرض، البنية الإدارية العثمانية، وموقع الجماعات الدينية والسياسية، وصولاً إلى التحولات التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني. ومن أهم ما يلفت في هذا الكتاب أنه لا يتعامل مع المجتمع الشيعي بوصفه كتلة دينية منعزلة عن السياسة. بل يتتبع تشكل وعي سياسي لدى علماء النجف وكربلاء وسامراء، وعلاقتهم بالسلطة العثمانية، ثم انتقال موقفهم إلى مواجهة الاحتلال البريطاني. وهنا تصبح المؤسسة الدينية جزءاً من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، لا مجرد مؤسسة دينية على هامش الأحداث.
ويحتل الاحتلال البريطاني وثورة 1920 مساحة أساسية في الكتاب. فالثورة، في قراءة لويزار، ليست مجرد انتفاضة مسلحة ضد قوة أجنبية، وإنما لحظة كاشفة عن طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والقبائل والمجتمع من جهة، والمشروع البريطاني لبناء دولة عراقية جديدة من جهة أخرى. وقد أبرزت مراجعات الكتاب المبكرة اهتمامه تحديداً بدور علماء الدين الشيعة في قيادة الثورة ومواقفهم من إقامة الدولة العراقية تحت الانتداب.
الحدود السياسية للدولة الجديدة لم تكن، في نظر لويزار، مجرد امتداد طبيعي لكيان اجتماعي متجانس، بل جاءت في سياق انهيار الإمبراطورية العثمانية وإعادة رسم المنطقة، وفي ظل حضور بريطاني قوي. ولذلك فإن الصراعات اللاحقة بين الدولة وبعض القوى الاجتماعية والدينية لا يمكن فهمها، وفق أطروحة الكتاب، بمعزل عن لحظة التأسيس الأولى. يعتمد الؤلف على مادة وثائقية واسعة، تمتد من سجلات وملفات الإدارة العثمانية إلى المصادر العربية والفرنسية والإنكليزية والدراسات الحديثة عن العراق. وقد أشادت مراجعات أكاديمية مبكرة باتساع الوثائق التي استخدمها المؤلف. لكن أهمية الكتاب لا تنحصر في أطروحته حول الشيعة أو في تفسيره لثورة 1920. فالأهم أنه يلفت النظر إلى ضرورة قراءة العراق بوصفه مجتمعاً مركباً متعدد القوى والهويات والمصالح، لا باعتباره دولة تشكلت دفعة واحدة مع تأسيس المملكة العراقية. ولذلك فإن التاريخ الذي يقترحه لويزار هو تاريخ طويل لتشكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
ولعل أكثر ما يجعل قراءة «تشكّل العراق المعاصر» مهمة اليوم هو أن الكتاب لا ينظر إلى التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً. فالمؤلف يحاول أن يربط بين لحظة تأسيس الدولة وبين أزمات سياسية واجتماعية ظهرت لاحقاً. وقد أشارت التعريفات اللاحقة للكتاب إلى أن هدفه يتجاوز إعادة بناء الماضي إلى البحث في جذور «المسألة العراقية» وفهم بعض الصراعات التي استمرت في العقود اللاحقة.

