بحصان مملكتي

صلاح نيازي
وبعد، فتمام الجملة: “حصان، حصان، بحصان مملكتي”. أخطر جملة نطقت بها حنجرة بشرية في الجزر البريطانية. صرخها وعيناه مشبوحتان، الملك ريتشارد الثالث، (الفصل الخامس- المشهد الرابع) حينا قُتِل حصانه في المعركة وها هم أعداؤه يحاصرونه من كل الجهات.
حصان أيّاً كان بمملكة كاملة؟ أية حماقة، بل أيّ جنون!
الملك راجل، مجرد من العقل والقوّة، والسلطة، الموت “أقرب إليه من حبل الوريد”.
مع ذلك يختلف النقاد في تفسير مدلولها. هل ما قصده الملك،حصاناً للقتال، أمْ حصاناً للهروب وهو التأويل المتداول، أي :” أنا ومن بعدي الطوفان» وهي العبارة التي قالتها مدام بومبادور لزوجها لويس الخامس، مواساة له بعد أنْ مُنِيَ بهزيمة عسكرية.
يبدو أن الملك أراد النجاة بأيّ ثمن. لقد حلّت عليه دائرة الدوائر المتربصة عادة، بالبغاة والطغاة والجناة. المعروف ان ريتشارد الثالث لم يرث الحكم، إنما بعد وفات شقيقه أنتقل الحكم إلى ابنه وكان قاصراً، عمره اثنا عشر عاماً. هكذا وجدها ريتشارد فرصة فاستأثر بالحكم.
على أية حال، بصرخة «بحصان مملكتي»، دالت دول. فبها انتهت
حرب الوردتيْن البيضاء والحمراء(The war of the roses) التي دامت ثلاثين عاماّ بين أسرتيْن ملكيتين، وكانت الغلبة للوردة الحمراء.
المشهد الثاني:
المشهد الأخير في مسرحية :”مأساة الدكتور فوستس” لكريستوفر مارلو (1551 – 1593) من أنبغ التآليف الشعرية، وأعمق المآسي المسرحية. لم تعُدْ حياة الإنسان تُحسب بالسنين، ولا بالشهور، ولا بالأيام. إنما بالدقائق. الحياة مجرد دقائق ثمّ تخمد وتهمد. لتبينِ ماهية هذ المشهد، لا بدّ لنا من الإجابة، لماذا أخذت اسطورة ” الدكتور فوستس وهي ألمانية في الأصل، بتلابيب كريستوفر مارلو.المعروف أن مارلو الذي يصغر شيكسبير بشهرين،منحدر من عائلة متواضعة، فقد كان والده حذّاء، أضف إلى ذلك انّ المدينة التي وُلِد بها، كانتربري، كانت في زمانه مرعى للأمراض، والجرائم واللصوصية. لا بدّ أن هذه البيئة قد أثّرت ولو جزئياّ، في شخصية مارلو والأهم في أسلوبه وفي الحوار الحاد في مسرحياته.
ربما لهذه الأسباب مجتمعة، انهمك مارلو روحاً وجسداً، في كتاب “الأمير” للفيلسوف الإيطالي ميكافيللي، وهو كتاب قائم، دون لبس، على مبدأ :”الغاية تبرر الوسيلة”». الميكافيللية وحدها في نظر مارلو، ستأتيه بالسلطة و”كل ما تشتهي الأنفس”
وما همّ إن كانت غير شرعية.
وجد مارلو ضالته في تطبيق الميكافيلية في كتابة :”مأساة الدكتور فوستس” بأسطورة ألمانية عن حياة عالم فلكي ألماني، ومحضر أرواح حقيقي، باع فيها روحه لقوى غيبية.، مقابل المعرفة والسلطة.تعتبر هذه الأسطورة من الموروثات الشعبية الألمانية.
إيْ يا فوستس
لم يبقَ لديك إلّا ساعة واحدة للعيش
الوقت وبعد ذلك ستنزل عليك اللعنة إلى أبد الآبدين!
كُفّي أيتها الأفلاك الدائرة أبداً في السماء
حتى يتوقف الزمن ولا يأتي منتصف الليل أبداً
أيّتها الشمس الجميلة ارتفعي ارتفعي ثانية،
واجعلي اليوم في نهار دائم
أو إجعلي هذه الساعة سنة
أو شهراً، ، أسبوعاً، يوماً عاديّاًً
حتى يندم فوستس، ويُنقذ روحه
على مهلك يا جياد الليل
النجوم ما تزال تتحرّك، الساعة ستدقّ
سيأتي الشيطان ولا بدّ له أن يلعن فوستس
…
…
أيتها الجبال والتلال، تعالي واسقطي عليّ
خبّئيني من غضب الله العسير
آه النصف ساعة قد مضى، وسيمضي النصف الآخر حالاً
…
…
(تدقّ الساعة الثانية عشرة)



