بروايته “إمبراطور الفرح”، يُقدّم أوشن فونغ نشيدًا حيويًا لجيلٍ تائهٍ في أمريكا المنسية

ترجمة: عدوية الهلالي
من خلال مغامرات مجتمعٍ صغيرٍ من عمال مطاعم الوجبات السريعة في الأقاليم، تربطهم رابطة تضامنٍ لا تنفصم، يستكشف الروائي والشاعر الأمريكي من أصلٍ فيتنامي، مفهوم الفرص الثانية وأوهام الحلم الأمريكي.
فمن خلال أربعة كتبٍ نُشرت مع مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، رسّخ الروائي أوشن فونغ مكانته سريعًا في المشهد الأدبي الأمريكي كأحد أبرز المواهب الجديدة في أدب المهمشين إذ تُلامس لمسته الرقيقة حياة المهمشين المُدمّرة في منطقة حزام الصدأ بشمال شرق الولايات المتحدة.
وتحظى كتبه بإشادةٍ من جمهورٍ متزايدٍ باستمرار، وهي الآن من بين الكتب الأكثر مبيعًا وجرى ترجمتها في جميع أنحاء العالم. ففي سن السابعة والثلاثين، نشر مؤخرًا روايته الثانية، “إمبراطور الفرح”، التي صدرت في آذار عن دار غاليمار، وترجمتها من الإنجليزية هيلين كوهين، وهي رواية آسرة، تُبدد، بفضل دفء إنساني مُشع، يأس الطبقة الوسطى المنسية.
بعد هجرته من فيتنام في ثمانينيات القرن الماضي مع بعض أفراد عائلته، يعيش هاي، البالغ من العمر 19 عامًا، مع والدته في إيست غلادنس، وهي منطقة نائية في كونيتيكت ليست ببعيدة عن مدينة هارتفورد الصناعية. الشاب الهش، المدمن على المواد الأفيونية منذ مراهقته، رسب لتوه في سنته الأولى في كلية الطب بجامعة نيويورك وعاد إلى إيست غلادنس بعد إقامة قصيرة في مركز إعادة تأهيل، لكنه عاجز عن العودة إلى المنزل ليُصارح والدته بفشله. وفي إحدى أمسيات الصيف، بينما كان يستعد للقفز من جسر إلى الماء المتجمد، ظهرت غرازينا، لتراقبه من شرفة منزلها الصغير المُتهالك.
ثم استقبلته المرأة البالغة من العمر 82 عامًا، وهي لاجئة ليتوانية سابقة من الحرب العالمية الثانية،تحاول استعادة توازنها، وتنشأ بينهما علاقة دعم متبادل، حيث يبذل الشاب قصارى جهده لرعاية مضيفته التي بدأت تفقد إدراكها للواقع، بينما يكافح هو نفسه إدمانه. وفي أحد الأيام، يجد هاي وظيفة نادل في أحد مطاعم الوجبات السريعة بالمدينة بفضل ابن عمه سوني. وهناك، يُكوّن تدريجيًا عائلة لنفسه وسط تلك المجموعة الصغيرة الرائعة من المنبوذين الذين يعملون مثله في هذا المطعم الشعبي القديم على جانب الطريق. إلى أن يتدهور وضع غرازينا بشكل خطير… فهل سيتمكن هاي من التأقلم؟
يقول فونغ “لا شيء يتوقف هنا أبدًا، إلا نحن. نعيش على الهامش، لكننا نموت في قلب الدولة. ندفع الضرائب مع كل شيك نصرفه لنقف على ضفاف نهر متداعية حيث تكمن أحلامنا.»
وبينما ركّز في روايته السابقة “لحظة وجيزة من الروعة” على تجاربه الشخصية كمهاجر أمريكي من أصل فيتنامي، يُوسّع أوشن فونغ نطاق روايته “إمبراطور الفرح”. بأسلوب نثري رثائي، فيصف المعاناة الهائلة التي عاشتها الطبقة العاملة الأمريكية في السنوات التي أعقبت أزمة الرهن العقاري، راسماً صورةً مؤثرةً وغامرةً وعميقة التعاطف.
وبعيداً عن الصور النمطية المبتذلة التي تُهيمن على الأفلام الوثائقية عن هؤلاء الأمريكيين المُنهكين، الذين تُنهكهم المصاعب الاقتصادية وأزمة المواد الأفيونية، يُقلب فونغ الصورة النمطية. هنا، تبدو أمريكا نفسها مريضةً تحت قلمه، عاجزةً عن كبح جماح صناعة الأدوية التي تُسيطر على شبابها، مُبقيةً عمالها في فقر مدقع بأجر زهيد لا يتجاوز 7.25 دولاراً في الساعة، ومُلوِّثةً أحياءً بأكملها في هذه البلدات التعدينية الصغيرة لعقودٍ طويلةٍ بالنفايات السامة.
ووسط هذا المستنقع المُصوَّر ببراعة، تومض أضواء المطعم حيث يهرول هاي ورفاقه التعساء كمنارة أخيرة لبشرية لا تزال نابضة بالحياة. في هذا المسرح الصغير حيث يؤدي كل فرد دوره، لم تُباد أحلام سكانه بعد، رغم عيوب كل فرد ومآسيه. وهذه الأحلام، مهما بدت بعيدة المنال أو ضئيلة، تُشكِّل أساس تضامن لا يُقهر يُبقيهم صامدين، متحدين في وجه عنف الاستغلال الرأسمالي
نتابع هاي بإعجاب وهو يُدلل غرازينا، التي تتدهور حالتها تدريجيًا بسبب الخرف، ويبتكر لها استراتيجيات هروب طريفة عندما تعود ذكريات الحرب التي هربت منها في شبابها لتطاردها. نتألم مع ابن عمه سوني، المهووس بالحرب الأهلية الأمريكية، والذي يعمل بلا كلل لإخراج والدته من السجن؛ ونشعر بالشفقة على بي جيه، مديرة مطعم الوجبات السريعة، وهي من عشاق مصارعة النساء، وتسافر إلى المسابقات المحلية برفقة صديقاتها؛ وعلى مورين، أمينة الصندوق التي تؤمن بنظريات المؤامرة، والتي تكافح بشدة بعد وفاة ابنها المفاجئة. “كانت مورين من أولئك المدمنين على الكحول الذين يتحولون إلى بودكاست بعد الإفراط في الشرب”. وجميعهم يشتركون في شعلة صغيرة غامضة ترفض الانطفاء.
لكن الكتاب يقدم أيضًا تأملًا في عبء المنفى الذي تتحمله جميع هذه العائلات المهاجرة، وغالبًا ما تكون أسرًا ذات عائل واحد، والذين فر أفرادها من بلدانهم ليمنحوا أطفالهم مستقبلًا أفضل. ويتحدث عن التوقعاتٌ التي تثقل كاهل هاي النحيل، العالق في دوامة أكاذيب والدته والمُحطّمٌ بعار عدم بلوغه حلمه المستحيل بالترقي الاجتماعي. ولعلّ هذا هو الجانب الأكثر تأثيراً في منظور الكاتب الأمريكي.فبينما يكسب فونغ رزقه اليوم ككاتبٍ مرموق، لم يكن هدفه من الكتابة عن ظروفه تحويله إلى متسلقٍ اجتماعي. لم يكن هذا موضوعه. يقول:”لطالما رويتُ قصص هؤلاء الناس لأنهم ما زالوا، حتى يومنا هذا، محور حياتي، كما كان جيمس بالدوين مع هارلم”، وكما صرّح لمجلة فوغ في مقابلة نُشرت في آذار. إنها طريقةٌ لاستعادة كرامة هؤلاء المنبوذين بحياتهم المحطمة، الذين يكنّ لهم وفاءً عميقاً.



