بعض المبدعين يخشى أن ينتفي الفرق بين الموهوب وغير الموهوب

علاء المفرجي
هل يقتل الذكاء الاصطناعي ملكة الإبداع؟، سؤال يثير القلق والجدل في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق. في الحقيقة، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي كيانًا مستقلاً يمتلك نية أو إرادة، بل هو أداة من صنع الإنسان، تُستخدم بطرق متعددة قد تكون نافعة أو خطيرة. وبينما يسهم في إنقاذ الأرواح عبر تطبيقات طبية متقدمة، يمكن أن يُستغل أيضًا في مجالات عسكرية أو رقابية تثير مخاوف أخلاقية. من هنا، لا يكمن الخطر في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في كيفية توجيهه واستخدامه. نحاول الغوص في آراء الأدباء والقراء العراقيين حول هذا التحول، ونستكشف تأثير الذكاء الاصطناعي على الإبداع الأدبي المحلي.
الروائي غازي الاخرس: نعم، متخوف بل مرعوب من هذا الذكاء الاصطناعي
نعم، متخوف بل مرعوب من هذا الذكاء الاصطناعي، السبب أنه يشبه اكتشاف المسدس، حين اكتشف السلاح الناري انتهى الفرق بين الشجاع والجبان. مع الذكاء الاصطناعي، أخشى أن ينتفي الفرق بين الموهوب وغير الموهوب. يصح هذا في جميع الحقول، في الأدب، الفن، الإعلام، البحث الأكاديمي. الذكاء الاصطناعي سينهي الفرق بين من وهب الملكة التي تميزه عن الآخرين، وبين من كان يحلم بامتلاك تلك الملكة. هل سيصمد الذكاء البشري أمام هذا الغزو المخيف؟ لا أدري.
الشاعر حبيب السامر: حقيقة، لقد سهّلت البرامج الحديثة الكثير من الجهد المعرفي
بين جيلين متقاربين، دخلت التقنيات الحديثة المتسارعة لترسم آفاق حياة جديدة، بعد أن تشبعت الأجيال الماضية برائحة الحبر والكتابة بقلم الرصاص على الورق، و الأجيال اللاحقة التي تعشق الميديا والمهتمة كثيرا بالصورة التقنية ومناغمة أصابع الكيبورد، والانشغال الدائم بهوس الموبايل الذي شغل الناس، هنا لا خلاف على مواكبة التطورات الحديثة والتقنيات المتجددة، لكن حين تتحول إلى أداة موجهة ومنفذة في آن واحد، في هذه الحالة غادر الشغف والموهبة والسهر من أجل الكتابة، ودخول الذكاء الاصطناعي عزز موطئ الخدر والتراخي والاعتماد على ما ترشحه الصفحة الزرقاء من سيل كتابات مخزونة وفق خوارزميات منضبطة، هذا من جانب يصب في مصلحة المؤلف المتعكز على ثقافة غيره، في حين نجعل من ” العم كوكل” والذكاء الاصطناعي وسيلة معززة بالمعلومة التي تساعدنا في تعزيز المادة المكتوبة من خلال ضغطة زر على الكيبورد لتظهر لنا قوائم عدة نستثمرها في تنضيج نماذج الكتابة وبالأخص في المعلومات التأريخية، الجغرافية، العلمية، وبعض أبواب نطرقها لنسمع رأيا أو معلومة تفيدنا في المادة التي نكتبها، وحين برز نجم الذكاء المصطنع ليمد لنا شعاع التجربة الجديدة في العوالم التقنية.
حقيقة، لقد سهّلت البرامج الحديثة الكثير من الجهد المعرفي، واختصرت زمن البحث والعناء والغور في بطون الكتب في أعالي المكتبات، وتقدم لك المعلومة المطلوبة على طبق أزرق، لكني هنا بصدد تساؤل مهم وهو: أين تذهب عائدية الملكية الفكرية للمبدعين الذين يستل منها ” الذكاء المصطنع” للنص الهجين واللوحة والفكرة المنزوعة وتظهر على شاشة الحاسوب والموبايل والأجهزة الأخرى بمسمياتها وتنوعاتها، ومن هو المسؤول عنها؟ ثمة خطر كبير وخوف على الأديب والفنان والمبدع بشكل عام من اختراق الأنظمة الحديثة التي تعتمد في تغذيتها على معطيات المبدعين، وهنا تظهر الفوضى الكبيرة لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على الأشياء المعدّة سابقا عبر تغذيات لبرامج عدة، لكنها لا ترتقي إلى فهم المشاعر والأحاسيس والشغف والمخيال، وهنا يقع الخط الفاصل بين الكتابة البشرية والالكترونية المسلوبة من جهد المبدع.
الموسيقار طه رهك: مما لا يقبل الشك أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في المنتج الموسيقي
سأتناول موضوع تأثير الذكاء الاصطناعي في فن الموسيقى، وارتباطه بالتطور التكنولوجي وتأثيره في المنتج الموسيقي، كان للتجديد والتحديث في المجال الأدبي والفني عبر التاريخ موقف سلبي كما هو في رأي الفيلسوف افلاطون وتحذيره من قيمة التجديد الموسيقي والنظر إليه بعين الحذر، إذ قد يؤدي إلى اضطرابات في النفوس، وبالتالي إلى اختلال نظم الدولة. هذا الرأي وما تلاه من آراء قد تجاوزه العصر الحديث، وذلك للتطور المذهل في التكنولوجيا الحديثة وصناعة الموسيقى، إذ أصبحت الأجهزة الإلكترونية في المجال الموسيقي في السنوات الأخيرة تعتمد على برامج التسجيل المتطورة، حيث تُخزَّن بيانات رقمية عبر شاشات الحاسوب، مما وفر للموسيقيين فرصة إنتاج أعمالهم بأقل التكاليف وأسهلها، فبرامج الموسيقى اختزلت كلفة الأجهزة التقنية الضخمة وكذلك محسنات الصوت، والعدد الكبير من خطوط التسجيل Multitracks، والتحكم بموازينها ومزجها، وشملت هذه البرامج أصوات الآلات الموسيقية التي اقتربت كثيراً من الأصوات الطبيعية للآلات النفخية والوترية والإيقاعية وغيرها من الآلات، كما وفرت كمية هائلة من المؤثرات والمحسنات الصوتية. Effekt، وتناقضت آراء بين من يرى فيه آفاقاً سهلة في عملية الإنتاج الفني، ومن يرى فيه إبعاداً للقدرات البشرية من عازفين وتقنيين ومنشدين في الجانب الإيجابي، يمنح الذكاء الاصطناعي النوعية العالية من التقنية عبر الخوارزميات، حيث يقدم أفكاراً موسيقية مختلفة وسهولة في مزج الأصوات وتنظيمها في الـ Mastering، وبتوزيع موسيقي توافقي ومتقن Harmonic، كما يوفر الأثمان الباهظة في الاستوديوهات التقليدية. وفي الجانب السلبي، يرى البعض أن المنتج الموسيقي عبر الذكاء الاصطناعي يفتقر للعمق العاطفي والحس البشري في العزف على الآلات، ومع تزايد استخدامه واعتماد نفس الخوارزميات وأدوات الإنتاج قد يؤدي إلى تشابه الأعمال الموسيقية والغنائية، مما يُضعف التميز والتنوع، وكذلك يهدد مستقبل وظائف العازفين ومهندسي الصوت والملحنين والمغنين. من رأيي أن الذكاء الاصطناعي بلا شك يمثل صيغة ثورية تحمل إمكانات كبيرة في الإنتاج الفني، وعلى الموسيقي أن يعتبره مساعداً لإبداعه، فقدرة التكنولوجية زائداً مخيلة وروح الموسيقي بإمكانها أن تصل إلى نتائج فنية مميزة.
المنتج والمخرج محمد الغضبان: الذكاء الاصطناعي لا يسهل «صناعة الفن» قدر ما يسهل «الإنتاج الاستهلاكي».
للإجابة على هذه التساؤلات من منظور واقعي، أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يسهل «صناعة الفن» بقدر ما يسهل «الإنتاج الاستهلاكي». هذه التقنيات تختزل عملية الكتابة إلى مجرد تنبؤ إحصائي للكلمات استناداً إلى خوارزميات صُممت لابتلاع مليارات النصوص السابقة، وهذا يؤدي فعلياً إلى تهميش الحاجة للإبداع البشري الأصيل لصالح الأتمتة السريعة وإنتاج قوالب مكررة تفتقر للروح والعمق.
وفيما يخص تأثيره على المخيلة، فإن أدوات التوليد تخلق وهماً بتوسيع الآفاق، في حين أنها تقيد خيال المؤلف داخل غرفة صدى تعيد تدوير الماضي. كما ان الاعتماد المفرط على هذه الخوارزميات يؤدي إلى ظاهرة “التفريغ المعرفي”، حيث يفوض الكاتب عمليات التفكير النقدي وبناء العوالم للآلة، لتضمر لديه عضلة الخيال تدريجياً. اذ ان الآلة هنا لا تبتكر شيئاً جديداً، هي تعيد إنتاج الأنماط السائدة فقط، وتحمل في طياتها تحيزات هيكلية وأخطاء منهجية تصل حد “الهلوسة” واختلاق وقائع لا أساس لها.
لذلك، لا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي “أداة مساعدة” محايدة، هو يمثل تحدياً وجودياً وتهديداً صريحاً لهيكل الإبداع. اذ اننا أمام كيانات تقنية تتعدى منهجياً على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين متجاهلةً حقوقهم، وتستنزف موارد بيئية هائلة، لتنتج في النهاية سرداً مسطحاً يعجز عن محاكاة التعقيد العاطفي، والحدس، والتجربة الذاتية التي تشكل جوهر الحالة الإنسانية. الفن الحقيقي ينبع من الشعور الانساني والإرادة الحرة، وهما صفتان لن تدركهما الخوارزميات مهما تعاظمت قدرتها الحسابية.
الناقد أسامة كريم ختلان: يحمل الذكاء الاصطناعي إمكانيات مقاومة
في سياق تاريخي يشهد تسارعاً في التطور التكنولوجي، يمكن قراءة الذكاء الاصطناعي من منظور مادي – تاريخي باعتباره نتاجاً لتراكم قوى الإنتاج داخل النظام الرأسمالي. فالأدب والفن، مثل الإنتاج الصناعي، مرتبطان بالبنية التحتية التي تحدد شروط إنتاجهما، ما يجعل من الذكاء الاصطناعي أداة غير محايدة تعيد صياغة علاقة المبدع بعمله وفق منطق السوق. في الرسم الرقمي، على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي توليد أعمال بسرعة هائلة، ما يقلل الحاجة للمهارات اليدوية التقليدية، لكنه يحوّل التجربة الفنية إلى سلعة قابلة للتداول ويزيد من خطر اغتراب الفنان عن أدواته. وفي الأدب، توليد النصوص عبر الذكاء الاصطناعي يعجّل الإنتاج، لكنه قد يفرغ الرواية أو الشعر من عمقه النقدي لصالح الترفيه السريع. مع ذلك، يحمل الذكاء الاصطناعي إمكانيات مقاومة، إذ يمكن للفنانين استخدامه لإعادة توزيع أدوات الإنتاج خارج احتكار دور النشر أو المعارض الكبرى، وتمكينهم من التعبير عن رؤاهم النقدية بشكل مستقل. بالتالي، التحدي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في البنية الاقتصادية التي تحتضنها. فالإبداع يظل فعلًا تاريخياً مرتبطاً بالصراع، يكشف الذكاء الاصطناعي تناقضاته لكنه لا يلغيها.
الشاعر عبد الخالق كيطان: لقد بقي التأليف شغلا فردانيا وفرديا عبر مر العصور
لعلك تعرف، والجميع، ان هوليوود نفسها كانت شهدت عام ٢٠٢٣ أضخم إضراب دعا إليه كتاب السيناريو، ثم لحق بهم الممثلون، بشأن تحسين الأجور وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي. شل الإضراب، آنذاك، إنتاج معظم الأعمال السينمائية والتلفزيونية الأمريكية، وكبّد الاقتصاد الأمريكي خسائر تقدر بحوالي 5 مليارات دولار.
الذكاء الاصطناعي، إذن، كان مشكلة لأكبر العقول السينمائية، بالرغم من منافعه الظاهرة. ولكن، لا يجب أن يؤدي ذلك إلى الفزع بأي حال من الأحوال. عادت هوليوود إلى الإنتاج بزخم أكبر وظل الذكاء الاصطناعي مجرد مرجع من مراجع عديدة لهذه الصناعة الضخمة.
لقد بقي التأليف شغلا فردانيا وفرديا عبر مر العصور. المؤلف؛ قد يكون هنا الممثل الأول ثيسبس، كان بارعا في تحدي وضعه، وهو التحدي الذي تحول الى تحديات عبر القرون. كل تحد يدفع المؤلف، بمختلف الاختصاصات، إلى أن لا يكتفي بالتعايش مع تلك التحديات، بل والانتصار عليها.
أن الآلة مهما كانت فائدتها ومساعدتها للانسان، الا أنها تبقى آلة يستطيع الإنسان الذي صنعها ان يحولها الى رماد. الإنسان هو المبدع الأول، وعلى يديه، ومن رأسه، فقط تنهض وتتطور فنون وآداب الشعوب.
القاص والروائي هيثم بهنام بردى: ولو تمعنا في كينونته لوجدناه عاملاً مساعداً للإنسان المعاصر
للإجابة على هذا التساؤل المهم ينبغي لنا أن نورد بإيجاز شديد ماهية الذكاء الاصطناعي AI، فهو: (فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى بناء أنظمة وآلات قادرة على محاكاة الذكاء البشري لأداء مهام كانت تتطلب في السابق تدخلاً بشرياً).
ولو تمعنا في كينونته لوجدناه عاملاً مساعداً للإنسان المعاصر الذي يعيش وسط عالم هائل من عوالم التكنلوجيا بحيث لو أمعنا التفكير في الآلية التي يعمل بها لوجدناه -في فترة قابلة وجيزة-المبادر في معظم الأفعال الحياتية ويحيل الآدمي إلى مجرد آلة لا هم له سوى حشو البطن وقضقضة الوقت بالارتكان إلى الخمول وانتظاره كي تقوم بجل مهامه التي كان يقوم بها عندما كان الانسان كل شيء.
الذكاء الصناعي سلاح ذو حدين، فهو من جهة مساعد يشبه –فرايداي روبنسون كروسو-، يعطي المعلومة عن أي شيء وبشكل نسبي، وغالباً ما يلجأ إليه الأدباء في شتى بقاع العالم، فإن أراد المؤلف معلومة قديمة يمكن أن يطلبها منه بيسر ويحصل على الإجابة، وهذا هو دوره الايجابي إن شئناً القول، وبعدها ينبغي أن يتوقف عطاؤه، ويتمم الأديب دوره كمنتج وحيد للنص….
أما دوره السلبي فيتمثل باستغلاله كأداة تشويه بيد دخلاء الكلمة حين يطلبون منه تشكيل ثيمة معينة فيقوم بالمهمة خير قيام، فيقوم الدخيل بوضع اسمه على متن الهبة، ويدخل خانة “المبدعين” كما نرى في العديد من النصوص التي نقرأها لهم، اذ نجد جلّ البنى الارتكازية للنص بكافة أجناسه، ولكن يكون نصاً بلا روح.
وتأسيساً على ما سبق لا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي بديلاً عن المبدع البشري لأن ما ينتجه من خلال منظوماته التكنلوجية لا تنتجه أخيلة أنسنية تتنفس الأوكسجين وتجري في أعطافها العروق والشعيرات المحملة بالفكر والابداع الانساني القح.
الروائي من يوسف أبو الفوز: الكتابة الإبداعية تعبير عن رؤى شخصية ومشاعر إنسانية
في ظلّ اتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة المختلفة، لا يمكن إنكار أثره الإيجابي، خاصة في بعض الصناعات، حيث يسهم في تقليل الأخطاء وتحسين دقة النتائج، وكذلك في تطوير البرامج التعليمية. غير أن هذا التطور يثير تساؤلات جدية حول تأثيره في مهارات الإنسان، ولا سيما لدى الكُتّاب، إذ قد يؤدي استخدامه إلى إضعاف القدرات الإبداعية والتخيلية.
فالكتابة الإبداعية تعبير عن رؤى شخصية ومشاعر إنسانية تتشكّل عبر تجارب فردية وتراكم معرفي يختلف من شخص لآخر. وعندما يعتمد الكاتب على الذكاء الاصطناعي، فإنه يعرّض صوته الخاص للتلاشي، ويفقد تلك اللمسة التي تنبع من خبرته الحياتية وخصوصية بيئته. كما قد يقود ذلك إلى نصوص نمطية تفتقر إلى التفرد والعمق.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في جمع المعلومات وتحليلها وتنظيمها، فإنه لا يستطيع أن يحلّ محل الخيال الإنساني المرتبط بالتجربة والشعور. لذلك قد تجد نصوص الذكاء الاصطناعي حضورًا في المجالات الصحفية أو التقنية، لكنها محدودة التأثير في الأدب، الذي يقوم أساسًا على الأصالة والبعد الإنساني. وعليه، لا يبدو أن الكاتب مهدد من الذكاء الاصطناعي، بل يمكنه توظيف هذه الأدوات دعمًا لعمله، دون التفريط بجوهر الإبداع القائم على الخيال والتجربة.
الكاتب محمود هدايت: الممارسة الإبداعية هي إفراز حسيّ قبل أن تكون فعلا تقنويا
في تصوّري، يستحيل على الذكاء الاصطناعي أن يضطلع بدور المولّد الأساسي للفن والأدب، لأن الأخيرين هما: براز ومنيّ حسب جيل دُلوز، بمعنى آخر، أنّ الممارسة الإبداعية هي إفراز حسيّ قبل أن تكون فعلا تقنويا. فعلى سبيل المثال، حين يقوم ما يُسمّى بالذكاء الاصطناعي بكتابة نص شعري أو سردي عن محنة الزنوج، فهل يمكننا أن نلمس في ذلك النص بلاغة القهر العنصري الكامن في الأعماق السحيقة لتأريخ تلك البشرة العنيدة؟
الأمر الذي يجعلنا أمام نص فرنكشتايني مشوّه حسيّا، نصّ يتحرك بلا روح ولا مشاعر، إذ كل ما لدينا هو كلمات مُلقّنة تسعى إلى أن تُكوّن لها حضورا، وإن كان ذلك الحضور زائفا، على حساب نزوح الكينونة وتهجيرها من بيتها الهيدغري(اللغة) بوصفها نتاجا جسديا.
فماذا لو طلبنا من هذا المؤلف الرقمي أن يكتب لنا رواية على غرار (تحوّل) فرانز كافكا، كيف سيكون شكل غريغور سامسا؟ وبالطبع، فإن عدم إمكانية ذلك، يشير إلى أن الجسد هو مهماز الكتابة والفن، كون ” التفكير عمل اليد” حسب هيدغر. بهذا المعنى تبدو الكتابة تشابكا بين أخيلة الحواس في صالون المعرفة: الجسد. وحاصل ذلك أنّ الكتابة الاصطناعية تشبه إلى حدّ بعيد دور مُلقّن الجثث. في حين الكتابة البشرية هي فعل إيروسي بامتياز. إنها الرائحة، والحركة المُسرنّمة، والذوبان المفاجئ في اللّجة الكونية للكلمات والخطوط، والعربدة الخيالية والفكرية.
جمال العتّابي: المخاوف الجدية والرئيسة بشأن تأثيره على الفكر الإبداعي قائمة
قد يكون مستقبل الإبداع البشري صعباً للغاية، إذا أخذنا بالنظرة التي تقول أن الذكاء الاصطناعي قادر على خلق الإبداع، وهو (السيناريو) الأكثر ترجيحاً في المستقبل. هذه الفرضية تدعونا الى التفكير بنوع العلاقة بين طرفي المعادلة (الإنسان – الذكاء الاصطناعي) وفرص التعاون بينهما. البعض يعتقد أن هذا التعاون، بالإمكان أن يرتقي بالعمل الفني أو الأدبي إلى مستوى يثير الدهشة، وهؤلاء الى جانب الرأي الذي يرى في الذكاء الاصطناعي، قدرته على توليد خيارات لا حصر لها، لا تحدّ من خيالات المبدع، مما يفتح آفاقاً جديدة أمامه لاستكشاف قدراته الابداعية.
إلا ان المخاوف الجدية والرئيسة بشأن تأثيره على الفكر الإبداعي قائمة، تشكل قلقاً مشروعاً على الدور الانساني في العملية الابداعية. الدور المتمثل بالمشاعر والأحاسيس و أنماط التفكير، وأهم من ذلك (الروح) التي تسم العمل الابداعي هويته وأسراره، وطابعها الانساني. تمنح النص أوالعمل الفني الحضور الزماني وإلهامه السحري أو موسيقاه الداخلية.
إني لأتساءل أيضاً : كيف للذكاء الاصطناعي أن يتخيل الرمز، واستدعاء التاريخ أو الأساطير؟ كيف له التعبير عن التحولات الوجدانية والعاطفية ليمتدّ في المجهول؟ باعتقادي أن ثمة شيء يظل مفقوداً في النص أو العمل الإبداعي الذي تنتجه الآلة الجامدة. انها الألفة الحميمية التي يخلقها المبدع من أعماقه، هي السر في خلود أعماله وأصالتها، وتواصلها مع الزمن.
ومع أننا ندرك الإمكانات اللامحدودة التي سيوفرها الذكاء الاصطناعي في المجالات كافة، وما أثاره من عصف ذهني، بما أتاح لأي شخص أن يكون فناناً أو كاتباً دون أي تدريب أو موهبة، حينذاك تختلط المعايير والمقاييس، وترتبك الأسس النقدية والجمالية في صعوبة التمييز بين الأصيل و (الملّفق).
ميسلون هادي: الذكاء الصناعي يجمع المعلومات ويحاكي الصور بجولة خاطفة
الذكاء الصناعي يجمع المعلومات ويحاكي الصور بجولة خاطفة على ملايين المواقع الالكترونية، التي زودها (الإنسان) بالمصادر والمعلومات والخبرات والتجارب الحياتية، لكن لو افترضنا أن الانترنت ينفتح على فراغ مديد، أي لا توجد فيه أية معلومات أو صور أو رسومات يحاكيها الذكاء الصناعي، فماذا يفعل؟ ومن أين تأتي حصيلته في الرد على أي سؤال؟ وكيف سيكتب قصيدة أو يؤلف قصة؟ لن يستطيع ذلك طبعاً. وبما أنه يفعل هذا كله الآن بالتلفيق والمحاكاة، فسيبقى الإرباك موجوداً في عمله، والنقص واضحا فيه، بل أن اللوحات التي يرسمها كئيبة وخالية من الروح تماما.
إذا تطور الذكاء الصناعي إلى درجة تلافي هذه الأخطاء، وأصبح مكان الكتب البشرية في المتاحف فقط، فسيكون هذا التدخل كفيلا بقتل الروح الإبداعية لديه، ثم تمزيق طبيعته الاجتماعية وإصابته بحالة من التشاؤم والاكتئاب.



