بلا درع جوي كاف.. بريطانيا تخشى سيناريو الهجوم الكبير | سياسة

حذرت تقارير وتحليلات صحفية بريطانية من اتساع نطاق التهديدات الأمنية، ودعت إلى تعزيز الدفاعات الجوية وحماية البنية التحتية الحيوية، مع التشديد على ضرورة عدم التضحية بالحريات المدنية أو الانزلاق إلى كراهية الأجانب.
وتتزايد المخاوف في بريطانيا وأوروبا عموما من اتساع نطاق التهديدات الأمنية المرتبطة بتصاعد التوترات الدولية، في ظل تحذيرات من احتمال انتقال المواجهة مع روسيا وإيران من عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والاختراقات المحدودة إلى حوادث أكثر خطورة قد تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وتلحق أضرارا بالبنية التحتية الحيوية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
وتعكس ثلاثة مقالات وتحليلات نشرتها صحف بريطانية أبعاد هذه المخاوف، من ضعف الاستعداد الدفاعي البريطاني، إلى احتمالات التصعيد عبر الحرب الهجينة، وصولا إلى التداعيات السياسية والاجتماعية التي قد تترتب على تشديد الإجراءات الأمنية.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة غارديان بعنوان “منذ هجمات 11 سبتمبر، لم تواجه بريطانيا أزمة أمنية بهذا الحجم، ولا تهديدا مماثلا لمبادئها الليبرالية”، رأت الكاتبة غابي هينسليف أن اجتماع التهديدات المرتبطة بإيران وروسيا والصين يضع المملكة المتحدة أمام معضلة تتجاوز حماية المنشآت العسكرية، لتشمل الحفاظ على استقرار المجتمع وصون الحريات المدنية.

تحذير من تعميق الانقسامات الاجتماعية
وتستند الكاتبة إلى المخاوف التي أثارتها حادثة قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في فيرفورد، حيث يجري التحقيق في مخطط إرهابي مزعوم، وإلى حوادث أمنية أخرى شملت منشآت عسكرية بريطانية، معتبرة أن هذه التطورات تعيد إلى الواجهة احتمال انتقال تداعيات الصراعات الخارجية إلى الداخل البريطاني.
وتلفت هينسليف إلى أن التهديدات الأمنية لا تقتصر على الهجمات المباشرة، بل تشمل أيضا انعكاساتها الاقتصادية، من ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء إلى اضطراب حركة الملاحة البحرية.
كما تحذر من أن تصاعد المخاوف قد يغذي الشكوك تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء، خصوصا مع تداول تقارير غير مؤكدة بشأن احتمال استخدام قوارب الهجرة غير النظامية لتهريب عناصر إلى بريطانيا.
وتؤكد الكاتبة أن استهداف الأجانب بسبب جنسياتهم أو تحميلهم مسؤولية سياسات حكومات بلدانهم قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية، مشددة على ضرورة التمييز بين اليقظة الأمنية والارتياب المفرط وكراهية الأجانب.
المملكة المتحدة ليست مستعدة بما يكفي للتصدي لمجموعة واسعة من التهديدات، بدءا من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وصولا إلى الصواريخ الباليستية المتطورة
وتضع الكاتبة هذه المعضلة في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الانفتاح الاقتصادي البريطاني، الذي أتاح خلال السنوات الماضية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات العقارات والرياضة والتعليم والطاقة، رغم المخاوف من التجسس والتدخل السياسي والاعتماد على جهات خارجية في مجالات استراتيجية.
وترى أن تصاعد التهديدات قد يدفع الحكومة إلى إعادة تقييم هذا الانفتاح، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن مواجهة المخاطر لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتقليص الحريات المدنية أو توسيع المراقبة دون ضمانات قانونية واضحة.
وفي سياق متصل، يركز خبير الدفاع فرانسيس توسا -في مقال تحليلي نشرته صحيفة إندبندنت ضمن سلسلة “القراءة المعمّقة”- على الثغرات التي يقول إن منظومة الدفاع الجوي والصاروخي البريطانية تعاني منها.
ويرى الكاتب أن المملكة المتحدة ليست مستعدة بما يكفي للتصدي لمجموعة واسعة من التهديدات، بدءا من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وصولا إلى الصواريخ الباليستية المتطورة، محذرا من أن التأخر في الاستثمار قد يجعل البلاد أكثر عرضة لهجمات تستهدف القواعد العسكرية ومحطات الطاقة ومراكز الاتصالات والمطارات والمنشآت الحيوية الأخرى.
ويقارن توسا بين مستوى الإنفاق الدفاعي البريطاني والاستثمارات التي تنفذها دول أوروبية أخرى، مشيرا إلى أن ألمانيا توسع قدراتها عبر شراء مئات المنظومات الدفاعية، كما تعزز فرنسا وإيطاليا ودول شمال أوروبا والبلطيق استعداداتها لمواجهة التهديدات الجوية.
ويستشهد توسا بتجربة قطر في اقتناء منظومات دفاعية متطورة، مثل “باتريوت” و”ثاد”، للتأكيد على أن توفير حماية شاملة يتطلب استثمارات كبيرة، ولا يضمن بالضرورة منع جميع الهجمات.
وينتقد الكاتب تعهد حزب المحافظين بتخصيص عشرة مليارات جنيه إسترليني لمشروع “درع بريطانيا”، معتبرا أن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات الدفاع عن المنشآت الوطنية الحيوية، ويدعو إلى نشر شبكة متكاملة من الرادارات والصواريخ والمدافع وأجهزة التشويش والأسلحة الليزرية، إلى جانب تعزيز حماية القواعد العسكرية والمطارات المدنية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات والكابلات البحرية.
كما يشدد على أهمية تسريع شراء منظومات بريطانية الصنع، مثل “ستارستريك” و”مارتلت”، وتوسيع قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة، بدل الاكتفاء بإعلانات سياسية أو برامج محدودة لا تتناسب، بحسب تقديره، مع حجم المخاطر.

تحذير من المنظومات الأمريكية
ويحذر توسا كذلك من أن الاعتماد على المنظومات الأمريكية قد يواجه عقبات مالية ولوجستية، في ظل ارتفاع تكلفة الصواريخ الاعتراضية وطول فترات الانتظار للحصول عليها، فضلا عن حاجة واشنطن إلى تعزيز مخزوناتها وتلبية طلبات شركائها.
وينقل المقال عن الجنرال البريطاني السابق ريتشارد بارونز تقديره أن إنشاء منظومة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي قد يكلف نحو 120 مليار جنيه إسترليني على مدى عشر سنوات، مع احتمال اضطرار بريطانيا إلى تسريع استعداداتها قبل عام 2030 تبعا لمسار الحرب في أوكرانيا وقرارات موسكو.
ويخلص الكاتب إلى أن السياسات الدفاعية التي تركز على الإعلان عن الإجراءات دون توفير الموارد والمنظومات اللازمة لن تكون كافية لحماية البلاد من هجمات قد تؤدي إلى انقطاع الاتصالات واضطراب الإمدادات ونقص السلع.
أما في صحيفة آي بيبر، فتسلط نائبة محرر الشؤون العالمية إيزابيلا بينغويتشيا الضوء على المخاوف الأوروبية من وقوع هجوم تخريبي واسع أو حادث أمني خطير يؤدي إلى سقوط قتلى، من دون أن يصل بالضرورة إلى مستوى الحرب المفتوحة.
وتنقل الكاتبة -في تحليل بعنوان “هجوم روسي هجين يسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.. السيناريو الأسوأ الجديد الذي تواجهه أوروبا”- عن مسؤولين وخبراء خشيتهم من أن يؤدي تصاعد العمليات الروسية في إطار ما يُعرف بالحرب الهجينة إلى سوء تقدير أو خطأ في الحسابات يتسبب في سقوط ضحايا مدنيين ويفتح الباب أمام تصعيد غير مقصود.
مشاورات أمنية مكثفة
ويشير التحليل إلى أن الحكومات الأوروبية كثفت مشاوراتها الأمنية بعد اكتشاف طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ الألماني، وسط مخاوف من هجمات قد تستهدف محطات الطاقة والمطارات والكابلات البحرية والمصانع ومراكز الاتصالات والخدمات اللوجستية.
كما يستعرض المقال حوادث ووقائع أمنية شهدتها القارة، من اختراقات المجال الجوي بالطائرات المسيّرة إلى مخططات تخريبية يُشتبه في ارتباط بعضها بالاستخبارات العسكرية الروسية، مع التأكيد على أن المسؤولية عن بعض الحوادث لا تزال غير محسومة.
وتنقل الصحيفة عن وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا اتهامه روسيا بمحاولة نشر الخوف وتقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا، فيما يرى خبراء أن اتساع نطاق الأهداف المحتملة يجعل حماية جميع المنشآت أمرا بالغ الصعوبة.
ويبرز المقال أن بريطانيا تواجه تحديات خاصة، تشمل ضعف تحصين عدد من القواعد العسكرية، وعدم وضوح السياسة المتعلقة بإسقاط الطائرات المسيّرة، فضلا عن تعرض المطارات المدنية والكابلات البحرية والبنية التحتية للاتصالات والطاقة لمخاطر متزايدة.
ويربط التحليل أيضا بين تصاعد هذه المخاطر واستمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا، بما في ذلك التعاون بشأن صواريخ “ستورم شادو” وتقنيات الحرب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهي خطوات أثارت اعتراض موسكو.
ويرى خبراء -نقلت الصحيفة آراءهم- أن بريطانيا وحلفاءها قد يواجهون ردودا روسية عبر عمليات تخريب واختراقات أمنية لا تصل إلى مستوى الحرب التقليدية، لكنها قد تتسبب في أضرار جسيمة وتختبر تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقدرته على الرد.

تداخل الأمن العسكري والأمن المدني
وتتقاطع المقالات الثلاثة عند التحذير من أن طبيعة التهديدات الجديدة تجعل الحدود بين الأمن العسكري والأمن المدني أقل وضوحا، فالهجوم على قاعدة جوية أو شبكة اتصالات أو مركز بيانات قد تكون له انعكاسات مباشرة على الخدمات الأساسية والحياة اليومية، كما أن استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والعمليات السرية يمنح الجهات المنفذة فرصا للإنكار ويعقد تحديد المسؤولية واتخاذ قرار الرد.
ومع ذلك تختلف زاوية المعالجة، فبينما يركز توسا على ضرورة سد الثغرات الدفاعية والاستثمار في منظومات الحماية، تركز آي بيبر على مخاطر التصعيد الروسي والحرب الهجينة، في حين تحذر غارديان من التداعيات الاجتماعية والسياسية التي قد تنتج عن التعامل مع هذه المخاطر بمنطق الشك الجماعي وتقييد الحريات.
وتكشف هذه المقاربات مجتمعة عن معادلة صعبة تواجه لندن والعواصم الأوروبية، تتمثل في تعزيز الاستعداد العسكري والاستخباراتي وحماية البنية التحتية الحيوية، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن ومبادئ الانفتاح والحقوق المدنية.
وتبرز بريطانيا في هذه الصورة بوصفها دولة مطالبة بتعزيز دفاعاتها وحماية منشآتها الحيوية، في وقت تحتاج فيه إلى مراجعة أولويات الإنفاق والتنسيق مع الحلفاء وتطوير استجابتها للتهديدات الهجينة.



