ثقافة وفن

حبة في صخرة

ضياء نجم الاسدي
ينحدر صايل يوميًا إلى القرية في الوادي، باستثناء أيام الصقيع والمطر والمرض، من بيته المنحوت في سفح جبل أجرد، حيث بيوت الشوبك العتيقة وبيوت وادي موسى، مغرٌ وبنايات صغيرة مرصوفة بالحجر. يتدهدى نزولًا نحو سوق القرية الممتد على شارعها المركزي، حيث الدكاكين القليلة، ومبنى المتصرفية، والمستوصف، ودائرة الكهرباء والماء والغابات، موزعة في مساحة لا تتجاوز نصف كيلومتر مربع.
يمشي قليلًا، ثم يقع، ثم يقوم، يستريح، ويعاود السير. لم يكن يمشي حقيقةً، بل يتحرك كآلة معطوبة، تنتفض لتعمل، فتخذلها كثرة عللها.
كان صايل في العشرينيات من عمره، يعاني من شلل نصفي؛ يحمل يده اليسرى بيمينه، ويسحل قدمه اليسرى على الأرض. وجهه النحيف المتورم أُغلقت فيه العين اليسرى، واستدار فمه نحو الجهة اليمنى، وبدأ سمعه يضعف تدريجيًا. ومع ذلك، كان يصارع الطريق المتعرج بين الصخور نزولًا إلى السوق، ليستقر على صخرة ملساء لا يتجاوز ارتفاعها ولا مساحتها نصف متر مربع.
كانت تلك الصخرة كرسيه. يستند إليها أو يجلس عليها حين يشتد التعب. وما إن يستقر حتى يبدأ، بما تبقى من بصره، بمتابعة السيارات القادمة من عمّان باتجاه وادي موسى ثم البتراء. نادرًا ما تتوقف في الشوبك؛ فلا شيء فيها يغوي السائحين. أحيانًا تلتقط أذناه أصوات الصبية الصاخبين العائدين من مدارسهم، فيتساءل في نفسه: أهو صخبهم ما يصنع سعادتهم، أم سعادتهم هي ما يفيض صخبًا؟ ولو كان معهم، ماذا كان سيفعل؟ وماذا سيجدون في بيوتهم عند عودتهم؟
أسئلة بلا أجوبة، كان يتمنى لو شاركه أحد في التفكير فيها، أو في الصمت عنها.
في غمرة مشهده اليومي، ووعيه الآني الخالي من الماضي والمستقبل، يرمق نوافذ السيارات بعين واحدة، وفمه فاغر، يسيل لعابه على ذقنه وملابسه، ويصغي بصعوبة إلى ما تعزفه باصات الركاب من قرآن وأغانٍ وموسيقى.
كان قد تعرّف على باص علي النعيمات، الحديث، المبكر دائمًا، الذي تصدح فيه فيروز صباحًا، وباص أحمد البدور الذي يليه بساعتين، حيث تلعلع أغاني عمر العبدلات والأغاني المصرية الصاخبة. أما سائر الباصات فلم تكن تعني له شيئًا.
كانت تغلبه نوبات من النوم، أو التيه، أو الذهول الناتج عن الجوع والإعياء والتحديق الطويل. معظم ركاب الباصات سيّاح أجانب يقصدون البتراء، التي لم يرها صايل، ولا عرفها والداه، ولا فهم يومًا لماذا يقصدها الناس.
أحيانًا ينحدر أبو صايل بعد ولده بساعة أو أكثر، ليجلس عند دكان صديقه القديم عثمان القرالة. قد يظفر بلفافة تبغ، أو قدح شاي، أو فنجان قهوة، أو رغيف خبز، يأكل بعضه ويترك بعضه لأم صايل. وفي آخر النهار، يذهب إلى حيث ينتظره صايل عند صخرته، ليصطحبه إلى البيت في صعود شاق، كمن يتسلق قمة إيفرست.
كان أبو صايل، الخمسيني القصير النحيل، يمشي كالمشدوه الذي وقعت على رأسه صخرة. لا يقدر على إسناد ابنه طويلًا دون أن يقع أو يتشبث بابنه، فيتعثّران معًا. وكثيرًا ما كان يقع ضحية السخرية، لا لفقره وهيئته فقط، بل لقدرته العجيبة على الاحتمال؛ يبتسم ببلاهة حتى حين يُسخر منه. لم يدخل يومًا في نقاشات حول الحياة أو السياسة، إذ لم يكن يمتلك من المفردات ولا التجارب ما يسعفه. ولو كان ثمة مكان خلف هامش الحياة، لكان أبو صايل يقبع خلفه بسنين وأمیال.
نصحه عثمان وبعض أهل القرية بألا يصطحب ابنه إلى الشارع، وقرعوه على ذلك مرارًا، لكنه لم يستمع إليهم. أشفق على ولده الذي لا إخوة له ولا أصدقاء، وعلى زوجته التي أوشكت على فقدان بصرها وتقوّس ظهرها، ولم تعد قادرة على رعاية أحد.
فلا سبيل إلا أن يخرج صايل إلى صخرته، ويذهب أبو صايل إلى دكان عثمان، وتبقى أم صايل تحوم كدجاجة مذعورة في دارهم، الذي يبدو من بعيد كثقب أسود في جبل صلد، أو تنام ملتحفة بغطاء صوفي عتيق حاكته لها أختها قبل أن تموت، تقتل به اليوم الطويل حتى يعود أبو صايل بشيء من الطعام أو الحطب.
في صباح غائم، تداعب فيه نسمات الربيع الباردة أشجار الصنوبر والحرج، وصل صايل لتوّه إلى صخرته بعد أن سقط على وجهه، فجرح يده وجبهته، وسال منه دمٌ قليل. لم يكن هناك من يسنده أو يغسل جراحه. دكان عثمان يبعد أكثر من عشر دقائق سيرًا، وهي مسافة لا يطيقها، فآثر البقاء حتى يأتيه أبوه أو يمرّ به أحد.
اعتاد الجروح؛ غائرها وسطحيها. كانت كدماته وعلاماته شاهدة على كونه مأساة متحركة. لم يكن صايل ولا أهله، ولا حتى أهل القرية، يملكون تفسيرًا لكل ذلك سوى أنها إرادة الله، متخلصين بذلك من أي شعور بالمسؤولية.
كان يشعر بجوع ممزوج بألم ولوعة لا يعرف كيف يعبّر عنها. نظر إلى الصخرة التي يجلس عليها وتمنى لو كان يستطيع الحديث معها، أو ترك علامة فيها، أو جعلها شيئًا يخصه وحده. لكن وعيه بسيط، لحظي، وأمنياته انعكاس لما يراه ويعيشه.
وفجأة، توقّف باص علي النعيمات أمامه. انفتح الباب في وجه صايل، وهبّت منه نسمات دافئة وروائح لم يألفها: طعام، عطور، حقائب، وملابس. وصوت فيروز يشدو:
«عشّاق الطرقات افترقوا…»
توقّف الباص بسبب ثقب في أحد الإطارات، فنزل الركاب. بينهم فتاة شقراء طويلة، ترتدي قميصًا أبيض فضفاضًا وبنطال جينز أزرق باليًا، لفّت شعرها بعصابة زرقاء مزهرة بورود صفراء ناعمة بدت كالنجوم، بدت جميلة وبسيطة. كانت ترد على محاولات التودد بابتسامة ماكرة مناورة، حتى وقعت عيناها على صايل.
اقتربت منه سريعًا:

  • Hey! Are you okay?
    ثم، بلهجة عربية مرتبكة:
  • السلام عليكم… يا إلهي، هل أنت تائه؟
    أمسكت يده بحنو. شعر صايل كأنه يستفيق لأول مرة. نظر إليها بكل ما بقي له من قدرة على النظر، واستنشق عطرًا امتزج بهواء الشوبك ووقود السيارات. لم يعرف هذا الشعور من قبل.
    لم يستطع الرد، طأطأ رأسه خجلًا، سال لعابه على صدره. مسحت وجهه بمنديل، وربطت رأسه بعصابة شعرها، ثم هرعت إلى الباص وعادت ببعض الطعام والماء. سألت عن اسمه، فأجابها السائق الذي كان يدحرج الإطار البديل، أنه لا يقوى على الكلام والناس ينادونه صايل..
    ابتسمت وقالت بلهجة أردنية مرتبكة:
    —يا سايل، أنا إسمي ماري… من أستراليا. ممكن نكون أصدقاء أنا وأنت؟
    أخذت بيده وهزّتها بلطف، ثم قالت مبتسمة:
    — فرصة سعيدة!
    قبّلت وجنته، فاضطرب صايل كمن انتُزع من عالمه وقُذف به في عالم آخر. هل كان ذلك جزءًا من حياته؟ هل هو يحلم؟ هل حدث لوجوده تحوّل ما وحانت لحظة التغيير؟ من خطّط لذلك؟ من أذن لذلك؟
    من مئذنة المسجد القريب، تلا صوت عبد الباسط:
    (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ…)
    ثم نودي إلى صلاة الظهر، فهرع بعض الركاب إلى المسجد وطلبوا من علي النعيمات أن ينتظرهم ريثما يؤدّوا صلاة الظهرين. فصاح بهم:
    —لا تأخّرونا يا جماعة، في معانا ناس كفّار ما بتصلّي، ما ودّنا يتأخّروا!
    فقال له أحدهم:
    — أوعى يسمعوك يا علي، ما هم كمان بيعرفوا عربي!
    فضحكت ماري وقالت دون أن تخاطب أحدًا محددًا:
    — أنا وحدة من الكفّار بحكي عربي وبفهم عليك!
    فشعر علي بالحرج وقال:
  • Sorry, I was joking.
    فقالت:
  • Never mind, I know.
    بقيت ماري بجانب صايل تتحدث معه كما لو كانت تعرفه منذ وقت طويل، وكما لو أنه كان يفهم حديثها كله. أخبرته أنها ستتوقف في هذا المكان كلما جاءت لزيارة البتراء وستسلّم عليه، وستخبر أصدقاءها الذين يزورون البتراء بضرورة إلقاء التحية عليه وإيصال تحيتها. ووعدته أنها لن تنساه.
    ثم التفتت يمنة ويسرة، ونظرت إلى السائق وسألته:
    — I need a screwdriver… عندك مفك براغي؟
    فاستغرب علي النعيمات من سؤالها وقال كالأبله:
    — آه، عندي.
    — أعطني المفك من فضلك.
    فأعطاها المفك وهو ينظر باستغراب إلى ما تريد فعله. فأمسكت بالمفك وبدأت تحفر بقوة على الصخرة:
    «هنا التقت ماري بصايل»
    وكتبت التاريخ.
    قالت ضاحكة:
    — اتطلّع، كتبت اسمي وإسمك على الصخرة… هاي صارت صخرتنا، ما تفكّر تبيعها!
    وأشرق وجهها في وجهه بضحكة طافحة باللطف. صارع صايل عضلات وجهه ليرسم ابتسامة واهنة، لم يعرف مثلها طوال عمره. طيلة سنين لم يجد هذا الشعور مكانًا في نفسه، ولم تمثل أمام وجهه روح تنعش فيه الرغبة في الحياة.
    عاد المصلّون من المسجد يدمدمون، وصاح أحدهم من بعيد:
    — إيش يا علي؟ بدّنا نروح على أهلنا، ولّا أنت عاجبك ننام على الرصيف جنب الشب اللي عندك؟
    فصاح علي النعيمات:
    — خلص يا زلمة، هيّو كمّلنا وبدّنا نروح!
    نظرت ماري إلى صايل وهي تلوّح بيدها تحية الوداع، ثم نظرت إلى يدها كمن يتذكر شيئًا، ونزعت سوارًا مظفورًا من خيوط ملونة عن معصمها وطوّقت به معصم صايل الأيسر، وقبّلت وجنته قائلة:
    — الله معك.
    مضت الأيام. جلس صايل على الصخرة، يستحضر ذلك الشعور المحفور في قلبه كما حُفر اسماهما في الحجر. كان ينتظر الباصات، التي لم تعد تمر..
    تغيّر الطريق إلى البتراء، ولم يخبره أحد. لم يجد أحد ضرورة في إخبار صايل بذلك، لأنه لا يسأل أحدًا ولم يكن أحد يعلم بما يدور في خلده ويعتمل في صدره.
    ظلّ يأتي، يومًا بعد يوم، حتى عثر عليه أحد أبناء القرية ممدّدًا إلى جانب الصخرة، قابضًا بيده اليمنى على الاسمين المنقوشين.
    وكان قد فارق الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى