حسن المسعود.. المغايرة والتجديد في فن الخط العربي

د. روضـان بهيـة
منذ أن بدأ تعلُّمَه كتلميذ في مدرسته الإبتدائية بمدينة النجف العراقية التي ولد فيها كان لديه تميّز بحُسْن الكتابة مقارنة بأقرانه من التلاميذ ، ولعل بعضا من تأثيرات خاله الأستاذ (علي الهاشمي الخطيب) الذي كان يكتب بقلم عريض مؤلفاته الدينية والثقافية فضلا عن خطوطه على المساجد الأثر الواضح على تذوقه لفن الخط في وقت مبكر ، حتى إذا بلغ السنة الخامسة عشرة من عمره بدأ يخط على الأقمشة السود باللون الأبيض كلافتات في مواسم العزاء العاشورائية طلبا للإرتزاق ومساعدة عائلته على العيش .
بعد انتهائه من المرحلة الدراسية المتوسطة سعى للإلتحاق بدراسة فن الرسم بمعهد الفنون الجميلة ، ولكن لم يتحْ له ذلك لظروف حالت دون تحقيق هذه الرغبة لديه ، فقرر أن يكسب رزقه من خلال العمل مع بعض خطاطي بغداد في ذلك الوقت ، ومنهم (عباس الشبلي) وخطاط آخر كان لديه مكتب في منطقة حافظ القاضي وإسمه (العسماوي) الذي كان يكلفه بخط ما يطلبه الزبائن بالقصبة والحبر وليس الطلاء مما لم يكن يتمـكن عليه الخطاط العسماوي الذي يخط اعماله بالفرشاة والأصباغ ..
في العام 1965م عمل في مكتب الخطاط ( الخالدي) ، وقد أتيحت له الفرصة أن يدير المكتب لوحده عندما كان الخطاط الخالدي يسافر كثيرا إلى سوريا بحيث أمضى سنة يعمل لوحده في هذا المكتب .
وفي العام 1968 م ، أتيحت له فرصة أخرى لإشغال مكتب الخطاط ( العيساوي) الذي سبق أن عمل معه في بداية عقد الستينات ، وذلك لسفر الخطاط العيساوي إلى المملكة العربية السعودية للعمل هناك ، وقد بقي يدير العمل في هذا المكتب لمدة سنة كاملة .
خلال كل هذه الفترة كان الخطاط المسعود دائم الزيارة للمعارض الفنية ، ومتواصلا مع الفنانين التشكيليين ولا سيما أولئك الذين أتموا دراستهم في فرنسا ، إذ شجعوه للسفر إلى هناك للدراسة ، فبقيت هذه الفكرة كرغبة جامحة تعتمل داخل نفسه للسفر إلى باريس بهدف العيش والدراسة الفنية بالوقت نفسه .
في العام 1969 م أتيحت له الفرصة للسفر إلى باريس وقد ساعده بذلك حصوله على مبلغ يكفيه للسفر والعيش هناك لمدة ثلاثة شهور ، وذلك بسبب فوزه بجائزة إنجاز تصميم منتج صابون ماركة (أور) .
كان هذا السفر بمثابة نقطة تحول فارقة في مسيرته الحياتية والفنية ، فهناك إلتقى بالفنان العراقي (مهدي مطشر) الذي ساعده في السكن في غرفته الخاصة وذلك لسفره خلال فترة الصيف ، هنا بدأ الخطاط المسعود يسعى لتعلم اللغة الفرنسية في معهد متخصص لمدة ثلاثة شهور ، التحق بعدها بالمدرسة العليا للفنون الجميلة كطالب حر يتجول بين المراسم ، وقد أملَتْ عليه الظروف في تلك الفترة للبحث عن عمل لتأمين عيشه ، فوجد فرصته في مجلة جزائرية أسمها ( آفاق عربية) تصدر من باريس ، استمر بالعمل بها لمدة (10) سنوات بالرغم من أن المرتب الذي كان يتقاضاه من المجلة صغيرا في ذلك الوقت .
خلال تلك الفترة استمر المسعود بدراسته في (البوزار) لمدة خمس سنوات ، تعلم فيها الكثير عن المواد والخامات والخبرات الفنية ، وكان خلال فترة الدراسة دائم الزيارة لمتحف اللوفر ، ليتعرف الكثير عن الإبداعات الفنية ويتعلم منها ما يعزز ويرصن من رؤاه الفنية وتذوق التجارب التشكيلية المتنوعة .
خلال تلك الحقبة وجد المسعود نفسه يبحث عما يلبي احاسيسه الدفينة ويحقق ذاته الفنية الخاصة ، ولعل أهم المحفزات التي ساعدته لتلمس طريقه في البحث عن الخصوصية كانت من خلال اطلاعه على تجارب الخطاطين اليابانيين ، وذلك سنة 1979 م ، إذ أن الحكومة الفرنسية دعت (100) خطاط ياباني لجامعة السوربون لعرض جماليات الخط الياباني خلال فترة أسبوع ، وقد قام هؤلاء الخطاطون بعرض أعمالهم أمام الجمهور وكتبوا مباشرة في ورش تطبيقية ، وكان مما لفت اهتمام المسعود وأثارَ انبهارَه أن الخطاطين اليابانيين كانوا يستخدمون فرشا عريضة قد يصل طولها أحيانا بطول الإنسان ، إذ يغمسونها في الحبر ويحركونها على ورق كبير مفروش على الأرض وكان يتم ذلك بسرعة كبيرة ، ولعل ما ينتج هو أن الحروف تبدأ غامقة مشبعة بالحبر ثم يقل التشبع تدريجيا إلى حد التلاشي .
هذه المشاهدة لتجارب الخطاطين اليابانيين حفزت المسعود للبحث عن أدوات جديدة للكتابة من قبيل استخدام فرش عريضة يقطعها بزاوية مائلة على غرار قطة قصب الخط قد يصل عرضها إلى ثلاثين سنتمتر ، ثم بدأ بتجربتها على ورق كبير على غرار طريقة الخطاطين اليابانيين ، وقد نجحت هذه الطريقة ، وسعى إلى إيجاد أدوات كتابة من الخشب بقطات عريضة ، وركز في تجربته تلك على الإفادة من الفعل الحركي الحر للقلم العريض وتدرج أثره من العرض الكامل إلى الخط المستدق ، وبتطور تجربته الفنية تلك تمكن من التركيز على رسم حرف أو كلمة بالقلم العريض كجزء من النص الذي يسعى لتدوينه ، ثم يعززه بأسطر مكملة بخط مصحفي أو كوفي مشرقي أو ديواني .
كانت تجاربه الأولى بقياسات كبيرة من الورق قد تصل إلى خمسة أمتار في الطول ، ولكن لاحقا وجد أن من الأفضل أن يكون القياس الأكبر للوحة لا يتعدى المتر تسهيلا لعمليات الحفظ والخزن والعرض ، واستمر في ذلك منذ أكثر من أربعين عاما وإلى حد يومنا هذا .
إذن يمكن القول أن الخطاط المسعود قد تأثر في التقنية التنفيذية للكتابة عند اليابانيين ومن خلال أدواتهم العريضة ، وحرية الحركة أثناء الخط ، ولكنه وظفها بشكل ناجع في الحرف العربي وليس الصيني أو الياباني ، وبذلك فقد كانت تجاربه تلك قد استهوت المتلقي من الجمهور الفرنسي أو غيره ، وظل حريصا على إنضاج تجاربه الفنية بشكل متواصل على مدى سني طوال ، كما كانت مشاركاته في العروض أمام الجمهور مباشرة عندما كان الشاعر يلقي قصيدة على المسرح فيصاحبه المسعود بخط الأبيات بسرعة مناسبة ، ويتم عرض الفعل الخطي المصاحب من خلال شاشة كبيرة ، واستمرت تلك التجارب على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاما ، وتطورت التجربة لاحقا بمصاحبة الموسيقى ، ثم إن تلك العروض قد طافت مدنا عدة ، والنتيجة التي توصل إليها الخطاط المسعود أن مصاحبة العرض الشعري من شأنه أن يستدعي الإستجابة لمبدأ السرعة لتحقيق المواكبة المناسبة ما بين الإلقاء والخط ، هنا أدرك أن للضرورة أحكامها ، فمعروف أن الخط العربي يستدعي التأني والبطء أثناء التنفيذ ، ومراعاة الضوابط والقواعد المتوارثة والمرعية استجابة للخصائص البنيوية لكل نوع من أنواع الخط ، لكن لا بد له من الإذعان للسرعة التي تناسب إيقاع العصر الذي يعيشه ونسق الحياة الغربية المفعمة بالحيوية ، فهو هنا عليه أن يفكر وينفذ بطريقة فنية تستجيب للحركة والسرعة والتشكل الجمالي وليس الخضوع إلى سطوة قواعد الخط وموازينه والبطء في حركة تدوينه وتنميقه .
لقد صاحبَ تجاربه الفنية في مجال فن الخط وتمكنه من تحقيق بصمة خاصة تميزه عن غيره تأملاته وبحثه في الفنون الإسلامية والآثار التي وصلت إلى عصرنا الراهن على مختلف المواد والخامات ، وكيف أبدع القدماء في معالجة السطوح سواء على الأبنية أو التحف المنقولة بحس جمالي متميز للغاية ، فشكلت كل تلك الآثار وما حوته من نفائس ذخيرة معرفية وثقافية تمكّنَ من توظيفها في تجاربه الفنية مما رصّن من عطاءه الإبداعي وعمّقَ وعيه الجمالي على نحو متميز
ولم يقف الخطاط المسعود بحدود إغناء وعيه الجمالي من خلال فهم وهضم التراث الحضاري للفن الإسلامي ، بل زاد عليه معرفته باتجاهات المتلقي الأجنبي إزاء التراث الخطي العربي ، إذ رأى أنه يتوزع على عدة اتجاهات ، فمنهم محب للشرق ومتابع لفنونه وثقافته ، ويدرك أوجهاً من الصلة بينه وبين ثقافته الغربية المعاصرة ، ومنهم من له مواقف معادية للثقافة العربية الإسلامية بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر . ولذا فهو قد اختط منهجا فنيا يركز على مفهوم (الحب) بمعناه الإنساني ، وإن رسالة الفنان تقوم على مبادئ التسامح ونشر المحبة والسلام بين بني البشر دون فوارق أو حساسيات ، وقد جسد تلك التوجهات في أعماله التي كانت بمثابة رسائل محبة وسلام وتواصل إيجابي بين كل البشر .
اتسم المسعود بحرصه على أن ينظر إلى فن الخط بخصائصه الكلاسيكية وضوابطه التاريخية المتوارثة وإلى تجارب التحديث والتجديد فيه بوصفهما وجهان لعملة واحدة ، فكلاهما متوافقان وظيفيا وجماليا وإبداعيا ، فلا يصار إلى إهمال ماهو تاريخي وتراثي في فن الخط بل لا بد من استمراره بوصفه قيمة حضارية عظمى ، ولكن في الوقت نفسه لابد من فسح المجال إلى التجارب الحديثة التي يمكن أن تحقق نتائج قد لا تخطر على بال ، وتشكل إضافات نوعية تغني من هذا الفن وتوسع من مدياته الجمالية والإبداعية المؤثرة .
خلاصة تحليلية للأسلوب الفني للخطاط حسن المسعود :
من تأمل الحصيلة الإبداعية لنتاجات المسعود يمكن أن نتوصل إلى ما يأتي :
1 . الفعل التقني الذي يؤَسَّس على اعتماد أداة الخط العريضة ، والتي تخلق تباينات في السُمك مابين العرض الكامل إلى المستدق في نهاية حركة الأداة .
2 . التباين اللوني المتحقق في حركة أداة الخط ما بين التشبع التام بالحبر عند البداية والتدرج في خفوت اللون وصولا إلى انتهاءه تماما .
3 . هيمنة مبدأ الحركة في مسارات الحروف مما يمنحها حيوية ومرونة ومتحركية ، وحتى في وجود بعض المسارات المستقيمة لحركة أداة الخط فإن من شأن الإنحناءات المشاركة للفعل الخطي أن تشكل عامل توازن بصري وجمالي متكامل
4 . إن مما يعزز من هيمنة الحركات الكبيرة لأداة الخط هو إكمال النص بسطر أو أكثر بقلم ذي قياس صغير يكون بخطوط المصحفي أو الكوفي المشرقي أو الديواني مما يحدث مفارقة جمالية ما بين القياس الكبير لقلم الخط والقياسات الصغيرة التي تُغْني السطح التصويري وترسخ جاذبياته .
5 . المعالجات اللونية المتنوعة ، فالخطاط المسعود تعامل مع الألوان المختلفة بوصفها عناصر لخلق التنوع ، وإغناء منجزاته بتباينات غير متشابهة لونيا على نحو مكرر ، كما ترك لمفاصل الحروف غير المشبعة باللون أن تُحدث مناطق بدرجات لونية غامقة بفعل التقاطع والتراكب وتأثير حركات الحروف المتباينة .
6 . لقد حرص في كثير من أعماله على تدوين عبارة ذات معنى بلاغي ، وأسس طريقته وفق مبدأ السيادة والهيمنة التي يجعلها لحرف أو كلمة من النص ، ثم يكمله بقياس أصغر ، وهذا من شأنه أن يخلق التنوع الجمالي ويقلل من الرتابة في بنية التكوين الخطي .
إن امتداد تجربة الخطاط حسن المسعود على مدى عقود طوال ونجاحها في بيئة غير بيئته العربية ، واغتناء مسيرته الإبداعية ما بين الإنتاج الفني الغزير وأنشطته التعليمية ووُرَشِهِ الفنية ومشاركاته بفعاليات نوعية على مستوى الجمهور الفرنسي وغيره ، كل ذلك رسخه كفنان له حضوره العالمي ، وأثبت أنه بإمكانه أن يعطي مثلا على الإنتقال بفن الخط العربي نحو العالمية بثوب جديد مغاير لكل المألوف من سائر الفنون التشكيلية ، وأكد حضوره بوصفه شخصية فنية وثقافية فاعلة مما حدى برئاسة الجمهورية الفرنسية تقليده وسام الفارس الوطني تقديرا لجهوده الإبداعية في الحياة الثقافية الفرنسية المعاصرة .



