ثقافة وفن

رحيـل ادغــار موران.. فيلسوف القــرن

ترجمة: زبيدة الدليمي
رحل عن عالمنا الفيلسوف الفرنسي ادغار موران، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في فرنسا، عن عمر ناهز 104 أعوام، تاركًا وراءه إرثًا يتجاوز الحدود. ويُعد موران، الذي وُصف بـ”جدّ الفرنسيين” فكرياً، أحد أبرز الأصوات الفلسفية والاجتماعية في فرنسا والعالم، حيث امتد عطاؤه الفكري لأكثر من ثمانية عقود، تميزت بالغزارة والتنوع والتجديد.
اشتهر موران بمفهوم “الفكر المركب”، الذي يدعو إلى تجاوز الحدود الضيقة بين التخصصات العلمية، والربط بين حقول المعرفة المتنوعة لفهم تعقيدات الواقع الإنساني. كان يصف نفسه بأنه “مفترس معرفي لا يرضى بالجمود الأكاديمي.
ألّف موران نحو 40 كتاباً، من أبرزها موسوعته المكونة من ستة أجزاء بعنوان “المنهج” (1977-2004)، التي تعتبر مرجعاً أساسياً في الفكر المعاصر.
كما اشتهر موران بكونه أحد مؤسسي سينما الواقع، وقد أحدث فيلمه الوثائقي «وقائع صيف» 1961 ثورة في صناعة الأفلام الوثائقية من خلال تصويره للتجارب الحقيقية لسكان باريس في حياتهم اليومية. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمه بابتكار “سينما الحقيقة. هذا الفيلم أحدث ثورة في عالم الأفلام الوثائقية عبر طرح أسئلة وجودية بسيطة وعميقة مثل: “هل أنت سعيد؟” على مواطنين عاديين. وبالتالي كشف عن أبعاد اجتماعية وسياسية لم يسبق رصدها
ويطيب للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، إدغار موران، أن يشبه السينما بالمرآة التي يقع من خلالها الانفصال بين الذات وصورتها، ذلك الضوء الكاشف للطابع المعقد للذات الإنسانية، متذكرا كيف صنع شارلي شابلن تعاطفا مع الشخص “المتشرد” لم يكن يحلم به في الواقع.
ذلك أن السينما، كما يقول موران، تعزز الآصرة العاطفية بين المشاهد والشخصية السينمائية في مختلف أحوالها الاجتماعية والوجودية. حيث يرى المشاهد في “البطل” المتخيل فضاء ممتدا لتمثل أحلامه وهواجسه وانشغالاته المختلفة.
ويضع إدغار موران -مؤلف كتاب “السينما أو الإنسان المتخيل”- دور السينما في تشكيل طاقته الفكرية متعددة الأبعاد في خط متواصل للثقافة التي حصل عليها بالقراءة، وبفضلها أصبح أكثر اهتماما “بالقضايا التي تجمع الناس وتلك التي تفرقهم».
من هذه الزاوية ينظر موران إلى السينما كرصد فني للواقع، من خلال علاقة بين قطبين: خيال المبدع والواقع الملموس.لم تقتصر إسهاماته على السينما فحسب، بل كان موران فيلسوفًا وعالم اجتماع أثرت أفكاره حول التعقيد والإنسانية في مجالات متنوعة، بما في ذلك التعليم والعلوم الاجتماعية.
وقد أثار رحيله تأملات في الأثر الفكري الذي تركه. وصرّح جان بيير شوفمان، وزير التعليم الفرنسي الأسبق، قائلاً: “يذكرنا عمل موران بأهمية فهم الإنسانية من خلال منظور متعدد الأوجه”. تتردد أصداء أفكار موران حول ترابط المعرفة في عالمنا المعاصر المتشظي، حيث غالبًا ما يطغى التخصص على الفهم الشامل.
وبينما يواجه المجتمع تحديات معقدة، من تغير المناخ إلى عدم المساواة الاجتماعية، يوفر نهج موران الشامل إطارًا نقديًا هامًا. يحث إرثه الأجيال القادمة على تبني التعقيد في الفكر والعمل، مما يعزز فهمًا أعمق للطبيعة البشرية. وبفضل رؤيته الثاقبة التي باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى، سيستمر إرث مورين الفكري في إلهام الحوار والتأمل في عالم سريع التغير.
يعد موران عملاقا فكريا، ذا ميول سياسية يسارية، وله مؤلفات متنوعة، ذاع صيتها في فرنسا وخارجها، والتي خالفت علم الاجتماع التقليدي، إذ تم تقديمها كدراسة معمقة للطبيعة البشرية استنادا إلى بيانات علمية.
وفي كتابه “إلى أين يسير العالم؟” يرى موران أن التقدم لا يعني نفع الإنسانية، مدلّلا باستغلال الدول الكبرى التقنية الحديثة لمصلحتها، وعدم قضاء الإنسان على الوحشية، وقد تنبأ في كتابه بأن تاريخ العالم لن يتوقف عن العنف والصدامات، معتبرا أننا لا نزال نعيش قيم العصر الحديدي.
وتندرج أعمال موران كلها في خانة التنبيه الاستباقي ومحاولة إصلاح الإنسان بتعقّب أخطائه التي قد تدفع به نحو نهايته.
يعطي موران أهمية كبرى للتربية؛ فالتربية حسب رؤيته تعني “استخداما لوسائل قادرة على تأمين تكوين الكائن البشري وتنميته، وهي تعني أيضا هذه الوسائل ذاتها”. أما التعليم فهو عنده “فن أو فعل نقل معلومات إلى التلميذ بكيفية يفهمها ويستوعبها، فله معنى أكثر تحديدا، ذلك أنه معنى عرفاني فحسب.
عُرف موران بكونه صوتاً حراً، حيث انضم للمقاومة الفرنسية ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن كان عضواً في الحزب الشيوعي. وهو الحزب الذي تركه لاحقاً ليصبح رمزاً للتشكيك في التلقين الأيديولوجي.وحتى في سنواته الأخيرة، ظل موران نشطاً، حيث عبّر عن آرائه في قضايا معاصرة، من التغير المناخي وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا، بالإضافة إلى موقفه المبدئي تجاه المأساة في غزة. في هذا السياق انتقد بشدة السياسات الإسرائيلية، وهو الموقف الذي كلفه في الماضي اتهامات بمعاداة السامية. كذلك، دافع عن نفسه ضدها حتى نال البراءة.
نال موران اعترافاً واسعاً داخل فرنسا وخارجها، حيث حصل على درجات دكتوراه فخرية من 38 جامعة عالمية. واحتفى به الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون منذ عهد نيكولا ساركوزي، ودعاه الرئيس إيمانويل ماكرون إلى العشاء بقصر الإليزيه بمناسبة بلوغه المئة عام عام 2021.
وفي رسالة نعي نشرتها الرئاسة الفرنسية، وصف ماكرون موران بأنه “تجسيد الإنسانية بحد ذاتها”، مضيفاً: “لم يتوقف أبداً عن إضاءة طريقنا بعطفه وعقله الكوني “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى