ثقافة وفن

رينيه ماغريت.. ممثل الواقعية السحرية في الفن التشكيلي

جمال العتّابي
ليس الغريب في لوحات رينيه ماغريت أن نرى أشياء لا نعرفها، بل أن نرى الأشياء التي نعرفها جيداً وقد فقدت فجأة بداهتها. السماء هي السماء، والنافذة نافذة، والتفاحة تفاحة، والرجل بقبعته ومعطفه رجل عادي، والبيت والغرفة والبحر والأشجار كلها تنتمي إلى قاموس حياتنا اليومية، غير أن ماغريت يعيد جمع هذه المفردات بطريقة تجعل المألوف نفسه مصدراً للقلق والدهشة.
من هنا يمكن الدخول إلى عالم الفنان البلجيكي رينيه ماغريت (1898-1967)، أحد أبرز وجوه السريالية الأوروبية، ارتبط اسمه بها، إنما اختار لنفسه طريقاً يختلف عن النزعة الحلمية الجامحة عند سلفادور دالي، وعن الكتابة الآلية والانفلات النفسي لدى بعض زملاء الحركة. فالسريالية عند ماغريت لا تقوم على تشويه الأشياء بقدر ما تقوم على تغيير العلاقات بينها. إنه يرسم العالم بدقة تكاد تكون واقعية، ثم يضع في داخله خللاً صغيراً، لكنه كافٍ لنسف منطق المشهد كله. وصف أنه سيد الألغاز،
كان مؤمناً بأن مهمة الفن ليست رسم الأشياء كما تقع أمام العين، بل أن نزعزع يقيننا بها، أن ندفع بالمتلقي إلى التساؤل.
لعل هذا ما يمنح تجربته خصوصيتها، فهو يستخدم تقنياته في الدمج بين الواقع والمتخيل. وكأن الفنان يريد إقناعنا أولاً بحقيقة العالم الذي أمامنا، قبل أن يكشف استحالته.
قد نجد غرفة عادية، لكن شيئاً فيها يتضخم حتى يستحيل وجوده منطقياً. وقد نرى سماء زرقاء نهارية فوق مدينة غارقة في عتمة الليل. وقد يظهر جسد أو وجه وقد حجبه شيء لا نتوقعه، أو نافذة يلتبس فيها المشهد الخارجي بالصورة المرسومة. في كل مرة يضع ماغريت العين أمام فخ بصري وفكري: هل نرى الواقع، أم نرى صورته؟
هنا تكمن واقعيته السحرية، إن جاز استعمال المصطلح في وصف عالمه التشكيلي. فالسحر لا يأتي من مخلوقات أسطورية أو فضاءات خارقة، وإنما يولد من قلب الواقع نفسه. الأشياء لا تتخلى عن هيئاتها، لكنها تتخلى عن وظائفها المعتادة. التفاحة تبقى تفاحة، غير أن حجمها أو مكانها قد يجعلها مستحيلة. الصخرة تظل صخرة، لكنها قد تحلّق. الليل والنهار يحتفظان بصفاتهما، إلا أنهما يجتمعان في زمن واحد. ماغريت.. لا يخترع عالماً آخر، إنه يجعل عالمنا نفسه غير قابل للتصديق.
تبدو هذه الرؤية متصلة بشيء عميق في سيرته. فقد عاش في طفولته حادثة قاسية حين ماتت أمه غرقاً، وهي واقعة أحاطت بها لاحقاً روايات متعددة. ومن المغري أن يربط الناقد بينها وبين ظهور الوجوه المحجوبة والأجساد الغامضة في بعض أعماله، لكن اختزال رموزه في حادثة نفسية واحدة سيكون تبسيطاً لتجربة أكثر تعقيداً.
من الأعمال الدالة على ذلك لوحاته التي تحجب الوجوه بالقماش أو بالأشياء، حيث يتحول الوجه، وهو العلامة الأكثر مباشرة على الهوية الإنسانية، إلى منطقة ممنوعة على الرؤية. نحن نرى الجسد، ونستدل على الشخص، لكن الجزء الذي نبحث فيه عادة عن الفردية والتعبير يظل غائباً. وهكذا يصبح الغياب أكثر حضوراً من الحضور ذاته.
ولا تقل أهمية عن ذلك علاقته باللغة. ففي أشهر مغامراته البصرية يرسم غليوناً بواقعية واضحة، ثم يكتب تحته العبارة الشهيرة: “هذه ليست غليوناً”. للوهلة الأولى تبدو العبارة استفزازاً، لكنها في حقيقتها درس فلسفي شديد البساطة: ما أمامنا ليس غليوناً يمكن إمساكه أو تدخينه، وإنما صورة غليون. وبذلك يفتح ماغريت فجوة بين الشيء وتمثيله، ويذكّرنا بأن الصورة مهما بلغت من الإتقان لا تصبح الشيء الذي تمثله.
أفاد من إمكانات التصوير الفوتوغرافي، لا ليحاكي الصورة الآلية، بل ليختبر قدرتها على الإيهام بالحقيقة. فاللوحة عنده قد تبدو كأنها وثيقة بصرية لعالم ممكن، ثم سرعان ما نكتشف أن هذا العالم محكوم بمنطق آخر.
من السمات الجوهرية في تجربته التكرار. فثمة مفردات تعود مراراً: الرجل ذو القبعة المستديرة، التفاحة، النافذة، الستارة، الغيوم، البحر، الصخرة، الطائر، الأشجار. غير أن التكرار عنده ليس فقراً في المخيلة، بل إعادة اختبار للرمز في علاقات مختلفة. الشيء نفسه يتغير معناه كلما تغير موضعه والسياق الذي يحتويه.
وفي بعض أعماله يصبح التناقض بين الداخل والخارج أساساً لبناء اللوحة. النافذة، مثلاً، ليست مجرد فتحة نطل منها على العالم، إنها حد فاصل بين الواقع وصورته. وحين يضع لوحة أمام نافذة بحيث يتطابق المشهد المرسوم مع المشهد المفترض خلفها، يصبح من الصعب تحديد أين تنتهي الطبيعة وأين يبدأ التمثيل. وهنا يصل ماغريت إلى واحد من أسئلته الأكثر عمقاً: ألا يكون ما نسميه واقعاً صورةً صاغتها العين والعقل معاً؟
انتمى ماغريت إلى السريالية، بعد انتقاله إلى باريس، وتأثره بروادها. لكنه احتفظ بمسافة خاصة داخلها. لم يكن معنياً فقط باستحضار اللاوعي والأحلام، بل بتفجير التناقض الكامن في الإدراك اليومي. لذلك تبدو لوحاته هادئة على السطح، مضطربة في العمق. لا صخب فيها، ولا انفعالات لونية عنيفة، ومع ذلك فإنها تقوض استقرار المشاهد ببطء.
حتى المشاهد التي تبدو شاعرية عنده تخفي وراء صفائها توتراً غامضاً. بحر هادئ قد يستقبل جسداً ملتبساً بين المرأة والكائن البحري، وسماء صافية قد تحمل جسماً يستحيل وجوده فيها، وغابة طبيعية قد تخفي وراء انتظام أشجارها علاقة غير منطقية بين الإنسان والحيوان والمكان. إنه يضع الحلم في ثياب الواقع، حتى لا نعرف اللحظة التي عبرنا فيها من الممكن إلى المستحيل.
من هنا ظلت تجربة رينيه حاضرة بقوة في الثقافة البصرية الحديثة، وتجاوز أثرها حدود الرسم إلى الإعلان والتصوير والسينما والتصميم والفكر المتصل بعلاقة الصورة باللغة. لقد أدرك مبكراً أن الإنسان الحديث يعيش وسط صور لا تقل تأثيراً عن الأشياء نفسها، وأن مهمّة الفن ليست إضافة صورة أخرى إلى هذا الفيضان، بل جعلنا نشك للحظة في الصور التي اعتدنا تصديقها.
ذلك هو سر ماغريت: ألا وهو القدرة على زعزعة المسلّمات، وتعرية الخلل في المألوف.
في لوحاته لا يختفي الواقع، بل يستيقظ من عادته. حينذاك، نكتشف أن أكثر الأشياء غرابة قد تكون تلك التي مررنا بها كل يوم من دون أن نسألها: لماذا أنتِ هكذا؟
وفقاً للروايات، حاولت أمه الانتحار وله من العمر 13 عاماً، مما دفع زوجها إلى حبسها في غرفتها، وفي أحد الأيام هربت ثم عثر عليها ميتة غرقاً، وأثناء سحبها من الماء غطى ثوبها وجهها المنتفخ، ليصبح هذا المشهد في ذاكرة ماغريت موضوعاً يتكرر في لوحاته، إذ يرسم الناس بقطعة قماش تغطي وجوههم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى