شعرية الخراب وبصريات اللايقين في “رسائل من المتاهة”

د. فاضل سوداني
لا تقود قراءة “رسائل من المتاهة” لـ محمد تركي النصار إلى مجموعة شعرية تنتظم حول موضوع واحد أو صوت غنائي مستقر، بقدر ما تضع القارئ أمام عالم يتشكّل من شظايا الذاكرة، والخراب، والمنفى، والموت، والمسرح، والسينما، والأسطورة، واليومي العابر وكل هذا يتشكل وكأنه العالم الشعري البانورامي لـ محمد تركي النصار. ولهذا لا تبدو “المتاهة” في عنوان المجموعة استعارةً جاهزة للضياع، وإنما تتحول تدريجياً إلى مبدأ في بناء النص نفسه، فالقارئ لا يقرأ عن المتاهة فقط، بل يدخل في آليتها، ويتنقل بين الأزمنة والأمكنة والصور والمرجعيات من دون أن يُمنح مركزاً ثابتاً يستطيع منه ضبط المعنى أو إغلاقه.
إننا أمام كتابة تميل إلى تفكيك وحدة القصيدة التقليدية وإعادة تركيبها عبر الشذرة، والمشهد، والمفارقة، والاستدعاء الثقافي، والانقطاع، والمونتاج، والعلامة. ويمكن أن نجد منذ “ملاحق الذهب والنسيان” هذا الوعي بالبناء المتشظي، حيث تصبح:
«الكتب / مدناً يرتطم فيها / الخارج بالداخل”، ويغدو الشاعر نفسه “حاضراً / في النص المعدل / نيابة عن غيابهم”. إن الداخل والخارج، الحضور والغياب، النص وما يقع خارجه، لا تبقى حدوداً مستقرة، بل تتحول إلى مناطق نفاذ متبادلة.
من هنا يمكن النظر إلى الديوان بوصفه نوعاً من الأرشيف الشعري المفتوح، لا بمعنى أنه يوثق الأحداث كما يفعل المؤرخ، بل لأنه يجمع آثارها بعد أن مرت عبر المخيلة. الشخصيات الأدبية، والمدن، والأصدقاء، والحروب، والأوبئة، واللوحات، والمسرحيات، والكتب، والذكريات الشخصية، لا تُستعاد بوصفها وقائع مكتملة، وإنما بوصفها بقايا قابلة لإعادة التشكيل. ولذلك فإن الذاكرة عند النصار ليست مستودعاً للماضي، بل طاقة تحول الماضي إلى صورة جديدة. وهذا ما يجعل الخراب في “رسائل من المتاهة” يتجاوز كونه موضوعاً عن الحروب والكوارث.
فالخراب هنا بنية إدراكية أيضاً، لأن العالم لم يعد قابلاً لأن يُقرأ وفق نظام واضح ومستقر. الأشياء موجودة، لكنها فقدت علاقاتها الطبيعية، بل شكلت كينونتها اللاشيئية. والقصيدة تحاول أن تعيد تركيب هذه العلاقات، لا لكي تستعيد النظام القديم، بل لكي تكشف مقدار اختلاله.
في قصيدة “بيروت” مثلاً، يُختزل الخراب كله في حركة بصرية شديدة التكثيف والدرامية:
«الدمع/ يسابق/ الدم/ للأعالي…»
ثم تبحث النجوم “عن ملجأ آمن” كي تتفادى “جحيم الحطام”. إن المدينة لا تُوصف هنا من الخارج، الخراب يتحول إلى حركة صاعدة بين الدم والدمع، وبين السماء والحطام. ولهذا تصبح الصورة نفسها حاملة للكارثة، لا مجرد تعليق عليها.
أما الموت والفقدان فلا يظهران بوصفهما حدثاً مفرداً ينتهي بانتهاء المرثية، بل يتحولان إلى علاقة مستمرة مع العالم. وفي “الرثاء الجماعي” يقول الشاعر:
«هو الرثاء الجماعي/ إذا أردت أن تحافظ/ على حياد المسافة/ بين قلبك المترع بالآلام/ وهذا العالم»
«حياد المسافة” هو التعبير الأكثر دلالة. فالذات لا تستطيع الاندماج بالعالم من دون أن تتأذى، ولا تستطيع الابتعاد عنه من دون أن تفقد علاقتها به. ومن هذه المنطقة يتولد الرثاء، ليس بوصفه بكاءً مباشراً، وإنما بوصفه محاولة لحفظ مسافة هشّة بين الداخل الجريح والعالم الخارجي.
وتتعمق هذه البنية في تجربة المنفى الذاتي. ففي “نزهة طويلة” لا يُقدم المنفى بوصفه انتقالاً جغرافياً بسيطاً من مكان إلى آخر، فهاملتون الكندية تصبح “شقيقة منفاي”، فيما تستعيد القصيدة الطاطران(إحدى محلات بغداد القديمة) وبيت الذاكرة وتربطهما بالبحار والغرقى والتائهين، لتنتهي بالسؤال:
« فمن أغواك/ بذلك/ العالم المتاهة»
إن عبارة “العالم المتاهة” شديدة الأهمية لفهم المجموعة، فالمتاهة لم تعد مكاناً يقع داخله الإنسان، وإنما صفة للعالم نفسه. ولذلك لا يصبح التيه استثناءً في الحياة، بل إدى طرقها في الانكشاف.
ومن هذا الخراب المكاني والوجودي تنشأ ما يمكن تسميته في هذه القراءة بـ “بصريات اللايقين”. والمقصود بها أن الصورة عند النصار قد تكون شديدة الوضوح من الناحية الحسية، لكنها لا تُسلم القارئ دلالة واحدة مستقرة. نرى الصورة، ولكننا لا نستطيع إغلاق معناها. فالمرئي لا يؤدي إلى اليقين، بل إلى المزيد من الاحتمالات. واللافت أن المجموعة نفسها تمنح هذا المفهوم أساسه النصي. ففي قصيدة “تواطؤ»:
«نصف الحكاية المتخفي/ في متاهة التأويل»
ثم يصبح “الأثر المعول عليه” شيئاً “احتالت عليه العاصفة / بالتواطؤ السافر / مع الرمال».
ليس التأويل هنا نشاطاً يأتي بعد النص، بل متاهة تقع داخل النص نفسه. فالحكاية لا تظهر كاملة، والأثر الذي يُفترض أن يقود إلى الحقيقة تتلاعب به العاصفة والرمال. أي إن العلامة موجودة، لكنها لا تضمن الوصول. ويتأكد ذلك بصورة أكثر مباشرة في قصيدة “نبذ الافتراضات”، حين يتحدث الشاعر عن:
«أرباع / ما تسمى / بالحقائق”، وعن أفق “قطعاً تزرق / تحت / وابل الافتراضات”. إن الحقيقة نفسها لا تظهر بوصفها كتلة مكتملة، بل بوصفها أجزاءً وكسوراً تحاصرها الاحتمالات.
ومن هنا لا ينبغي أن نفهم اللايقين على أنه غموض اعتباطي أو تعمية للمعنى. إنه اختيار جمالي ومعرفي. فالعالم الذي تشظت مرجعياته لا يمكن أن تمثله قصيدة تدّعي امتلاك معنى نهائي. لذلك يترك النصار الصورة في حالة حركة، ويمنح القارئ دوراً في استكمالها أو إعادة تركيبها.
وهذه الحركة واضحة أيضاً في قصيدة “الرجل الغريب”. فالرجل “يقلب الأشياء / والأفكار / والأنهار / والطرق / والسماء”، ثم يصل إلى أن: “يقلب الصفر/ ويستريح/ قليلا/ في الظلال المتخفية/ بين الأرقام»
الفعل الأساسي هنا هو “يقلب”. إنه لا يصف الموجود، وإنما يغيّر وضعه. وهذه واحدة من السمات الجوهرية في مخيلة النصار: الشيء لا يبقى في مكانه الدلالي الأول. الصفر يتحول إلى فضاء، والأرقام تمتلك ظلالاً، والخرائط يمكن أن توزن بالليل والنوادر يرتضيها بديلاً عن جمهرات الكلام. وبذلك تصبح القصيدة عملية مستمرة لنقل الأشياء خارج وظائفها المألوفة لأن الشاعريمنحها مصائر جديدة.
