فلورنتينو بيريز وريال مدريد.. بداية العد التنازلي؟

لأكثر من عقدين من الزمن، لم يحدث ذلك فلورنتينو بيريز ليس فقط رئيسًا لريال مدريد، بل أصبح واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في إسبانيا. وتحت قيادته انتقل النادي الملكي من مجرد مؤسسة رياضية إلى علامة تجارية عالمية تتمتع بقوة اقتصادية ونفوذ إعلامي وربما حضور سياسي غير مباشر في بعض الأحيان.
كما قام رجل الأعمال الإسباني، الملقب بـ “الشامخ”، بتوسيع إمبراطوريته التجارية من خلال مجموعة ACS. وفي إسبانيا، لا يظهر اسم بيريز في الصفحات الرياضية أو الاقتصادية فحسب، بل يظهر أحيانًا أيضًا في المناقشات السياسية والإعلامية التي تتجاوز كرة القدم.
الأزمات الرياضية التي تتجاوز المستطيل الأخضر
داخل المستطيل الأخضر، واصل فلورنتينو بيريز بناء مشروعه الخاص ريال مدريدبناءً على مزيج من النجوم العالميين والبنية التحتية الضخمة والهيمنة التسويقية.
من “مشروع غالاكتيكوس” القائم على جلب نجوم استثنائيين إلى إعادة تطوير ملعب سانتياغو برنابيو، كان بيريز نموذجًا للنادي الذي لا يكتفي بالمنافسة الرياضية، بل يسعى لقيادة كرة القدم اقتصاديًا. لكن هذا النموذج في حد ذاته أصبح مثيراً للجدل على نحو متزايد.
ربما كانت الضربة الأولى لبيريز مشروع الدوري الأوروبي الممتاز والذي قاده فلورنتينو، والذي أُجهض قبل أن يرى النور، إذ مثل نقطة تحول في علاقته بالمنظومة الكروية الأوروبية. وبينما قدمه أنصاره على أنه محاولة لإنقاذ كرة القدم الكبرى من أزماتها المالية المتفاقمة، نظر إليها معارضوها على أنها مشروع لإعادة هندسة توازن القوى داخل اللعبة لخدمة نخبة محدودة من الأندية الكبرى.
ورغم سحب المشروع مؤقتا، إلا أن تداعياته لم تختف. ظل ريال مدريد في صراع مستمر مع مؤسسة كرة القدم، بينما استمر اسم بيريز في الظهور كواحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للانقسام في كرة القدم الحديثة.
وعلى المستوى الرياضي وشهد ريال مدريد مؤخرا حالة من الاضطراب وانعكس الوضع الداخلي على نتائجه وأجوائه العامة، ما أدى إلى غياب الألقاب الكبرى، بالتزامن مع التغييرات المتكررة في الجهاز الفني وعدم الاستقرار على مستوى الفريق. كما أثيرت انتقادات من جماهير النادي فيما يتعلق بأداء بعض اللاعبين وتصرفاتهم التي اعتبرت غير منضبطة داخل وخارج الملعب، مما خلق أجواء مشحونة زادت من الضغوط الإعلامية والجماهيرية على الفريق وإدارته.
بين الحكومة الإسبانية وبيريز: «خلاف غير معلن»؟
يعتبر فلورنتينو بيريز شخصية رياضية بارزة، لكنه في العمق رجل أعمال إسباني مؤثر يمتد تأثيره إلى مجال الاقتصاد والإعلام وغيرها من المجالات، مما جعله حاضرا بشكل غير مباشر في التقاطعات السياسة والاقتصاد داخل… إسبانيا.
في هذا السياق، يتصور بعض المراقبين أن قرب بيريز التقليدي من دوائر «اليمين الاقتصادي» خلق انطباعا ببعض الخلاف غير المعلن مع بعض توجهات الحكومة الحالية، كمراجعة أو إعادة تقييم بعض العقود مع الشركات الأجنبية، دون أن يتحول ذلك إلى صدام مباشر أو معلن، بل يظهر على شكل تناقضات في القراءة والمواقف وليس خلاف صريح.
في المقابل، نفت مجموعة ACS، التي يرأس بيريز مجلس إدارتها، أي صلة مباشرة بالمحتويات المطروحة، مؤكدة أن بعض قرارات حكومة سانشيز في هذا الاتجاه تعود إلى شركات تابعة سابقة لم تعد ضمن هيكلها الحالي، وبالتالي لا تعكس وضعها القانوني الحالي.
وهذا ما يؤكده بعض الصحفيين الإسبان، ومن بينهم خوان كاسترو من صحيفة ماركا، الذي قال لـDW عربية: “لا يوجد صراع أيديولوجي مباشر بين بيريز وسانشيز، بل هناك علاقة ضمن الإطار المؤسسي الطبيعي”. ويشير أيضًا إلى أن التصنيف السياسي لبيريس لا يزال معقدًا، حيث يُنظر إليه أحيانًا على أنه قريب من “الحق الاقتصادي” بينما أسلوبه الإداري والتواصلي لا يعكس مشاركة سياسية مباشرة، بل إدارة توازن بين الاتجاهات المختلفة دون اعتماد صدامات معلنة.
هل يقترب فلورنتينو بيريز من لحظة الرحيل؟
بينما يستمر الجدل حول المرحلة الرياضية الحالية داخل ريال مدريد، بدأت بعض الأوساط الإعلامية بطرح أسماء محتملة قد تظهر مستقبلاً ضمن دائرة المرشحين لرئاسة النادي، إذا دخل ريال مدريد مرحلة إعادة الهيكلة الإدارية خلال السنوات المقبلة..
وفي هذا السياق يطرح سؤال آخرالحساسية تجاه مستقبل فلورنتينو بيريز نفسههل سيواصل الرجل الذي أعاد تشكيل هوية النادي منذ عقود دوره في المرحلة المقبلة، أم أن الحديث عن «ما بعد بيريز» بدأ يفرض نفسه بهدوء في الخلفية، دون أن يتحول بعد إلى واقع ملموس أو قرار نهائي؟
ويأتي ذلك في ظل تصريحات بيريز السابقة خلال حديثه عن الانتخابات الداخلية للنادي، حيث دعا عمومًا كل من يرغب في الترشح إلى التقدم رسميًا، مؤكدًا انفتاحه على أي منافسة ديمقراطية داخل ريال مدريد، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسبانية.
