ثقافة وفن

كنت أتمنى لو عشت في زمن آخر!

ترجمة : عدوية الهلالي
في روايتها «أنا رومان مونييه» الصادرة مؤخرا عن دار غاليمار للنشر، ترسم دلفين دو فيغان، الحائزة على جائزة رينودو لعام ٢٠١٥، صورة شابة يغمرها شعور بالغربة.
تقول:»كنت أتمنى لو عشت في زمن آخر، أبطأ وأكثر صفاءً.” ومن خلال هذه الكلمات المؤثرة، تتساءل دلفين دو فيغان عن ضغوط الحياة اليومية التي باتت تسيطر على عصرنا. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الشوق للانتماء إلى زمن مضى، زمن لم نعيشه قط؟ في روايتها “أنا رومان مونييه”، ترسم دلفين دو فيغان، الحائزة على جائزة رينودو لعام ٢٠١٥ عن روايتها “مستوحاة من قصة حقيقية” ، صورة شابة يغمرها شعور بالغربة.
في الرواية ،يستيقظ توماس، وهو أب أعزب، بعد ليلة قضاها في الخارج، وما زال غارقًا في سكره، ليكتشف أنه تبادل هاتفه مع شخص غريب. يحاول الاتصال برقم هاتفه، لكن دون جدوى. يائسًا، يُجري الرجل الأربعيني محاولة أخيرة من هاتف جارته فترد عليه امرأة تُدعى رومان مونيه. يستعيد هاتفه، لكنها ترفض أخذ هاتفها. والأدهى من ذلك، أن الشابة تُعطيه كلمات مرورها طواعيةً، وتقرر الاختفاء عن الأنظار.
تُثير الرواية بذلك سؤالًا أخلاقيًا جوهريًا: سؤال عن الحميمية وحدود التطفل على الحياة الخاصة للآخرين. لقد ائتمنته على حياتها كلها، وأسرارها الأكثر حميمية، في “هذا الشيء الذي يبلغ قياسه سبعة في خمسة عشر سنتيمترًا”، ولكن “هل عليه أن يُبقي الهاتف مفتوحًا؟ أم يُغلقه ويتركه في قاع درج؟” ربما كانت ببساطة قد أوكلت إليه هذا الشيء ليعتني به، وتعود إليه يومًا ما.
بمزيجٍ من الحب الأبوي، والبحث عن الهوية، والتعليق الاجتماعي، تُعبّر الرواية عن روح عصرها. في عالمٍ حلّت فيه الشاشات محلّ الواقع، حيث أصبح هذا الجهاز الصغير عالمًا مصغرًا خادعًا للترفيه، يظهر توماس – الرجل الذي لم يجد في الحياة سوى القسوة والمرارة – تدريجيًا كسجينٍ لعزلته. ثمّ ينغمس في استكشاف كلّ استخدامٍ لهذا الهاتف، الذي يبدو وكأنه يحوي وجودًا كاملًا: وجود رومان، وسرعان ما يصبح وجوده هو أيضًا، فما يكتشفه هناك يتشابك سريعًا مع تجربته الشخصية، محوّلًا الشاشة إلى مرآةٍ لحياته بقدر ما هي نافذةٌ على ذاكرته. ومن خلال هذا التداخل بين الوجودات، تنسج الكاتبة مسارات شخصيتيها فتطفو الذكريات على السطح لتوماس وهو يستكشف عالم رومان. يسترجع توماس أحداثًا شكّلت شخصيته، ولا سيما لقاءه مع بولين، والدة ابنته، التي اختفت مثل رومان.
أسلوب الكاتبة،وكعادتها، سلسٌ، ممتع، و بأسلوبها السلس، تغمرنا الرواية بتحليل نفسي دقيق للشخصيات ،إذ تُجسّد دلفين دي فيغان ببراعة ودقة رسائل رومان النصية، وتسجيلات صوتها، ورسائل بريدها الإلكتروني، وعمليات بحثها على جوجل. مع ذلك، قد يُنتقد أسلوبها الحيادي، الذي يميل أحيانًا إلى التحليل الاجتماعي، حيث كان من الأفضل لو احتوت الرواية على عمق أكبر. أليس هذا هو هدف الرواية تحديدًا؟ الدعوة إلى وتيرة حياة أبطأ، وفن العيش بانتباه إلى مباهج الحياة البسيطة؟ ربما علينا أن نتعلم تقبّل ما يُخالف توقعاتنا لسردٍ مُطوّل.
يُثير اختفاء رومان مونيه حتمًا مصيرًا آخر فهي تذكرنا برواية أندريه جيد، “المرأة المسجونة في بواتييه”، التي نُشرت عام ١٩٣٠، والمستوحاة من قضية بلانش مونيه، التي سُجنت فيها مونيه لمدة خمسة وعشرين عامًا من قِبل عائلتها بسبب حبها لرجل من طبقة اجتماعية أدنى. ومن بلانش مونيه إلى رومان مونيه، يتكرر موضوع الاختفاء. ويستمر الأمر: فبينما حُكم على أحداهما بالنسيان، يبدو أن الأخرى اختارته.
نشرت دلفين دو فيغان العديد من الروايات، وقد رُشِّح عدد منها وفاز بجوائز أدبية مرموقة في فرنسا، من بينها جائزة غونكور، وجائزة غونكور لطلاب المدارس الثانوية، وجائزة رينودو، وجائزة المكتبات، وجائزة رواية فناك، وجائزة إيل الكبرى للقراءة.
وُلدت دلفين دو فيغان في باريس عام ١٩٦٦. وبعد دراستها في معهد سيلسا بجامعة السوربون في باريس، أدارت دراسات في شركة أبحاث رأي، إلى جانب كتابة نصوصها الأدبية الأولى.
بدأت فيغان مسيرتها الأدبية عام ٢٠٠١، تحت اسم مستعار هو لو ديلفيغ، بروايتها “أيام بلا جوع”، وهي قصة مستوحاة من سيرتها الذاتية، تتناول معاناة شابة مع مرض فقدان الشهية العصبي. ثم نشرت أعمالًا أخرى باسمها الحقيقي ،فصدرت لها مجموعة نصوص بعنوان «الفتيان الوسيمون “عام 2005، وهي تتناول قصة ثلاثة رجال، على اختلاف شخصياتهم، في حياة إيما الخيالية، وتطرح تساؤلاً حول إمكانية التمييز بين الحب والخيال. وفي العام نفسه، نُشرت رواية “ليلة واحدة في ديسمبر”، التي تتناول أيضاً خيبة الأمل العاطفية، وحازت دي فيغان بفضلها على جائزة سان فالنتين الأدبية. وحققت دي فيغان نجاحها الباهر عام 2007 بروايتها «لا وأنا” 2012، ودفعها نجاحها إلى التفرغ للكتابة. وبفضل وصفها لحياة شخص بلا مأوى من منظور فتاة موهوبة فكرياً تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، لم تكتفِ دي فيغان بالحصول على جائزة المكتبات وجائزة منظمة روتاري الدولية عام 2008، بل تُرجمت روايتها أيضاً إلى 11 لغة، وحُوّلت إلى فيلم سينمائي. لقد رأت صحيفة “لو فيغارو” اليومية أن دي فيغان قد نجحت في مخاطبة الكبار والشباب على حد سواء، وهو ما قد يعود إلى استناد الكاتبة إلى خبرتها كعالمة اجتماع، أو إلى براعتها في إدخال تيار وعي شاب آخر، متجنبةً بذلك “خطر كتابة قصة حزينة”. ففي الواقع، الرواية مؤثرة، وعاطفية، وشاعرية، وآسرة، وتكتسب “قوة هادئة” أثناء قراءتها. أما في رواية “الساعات الزرقاء” المعروفة سابقًا باسم “الزمن تحت الأرض”، 2011، فتستخدم لغة بسيطة لوصف شخصيتين تسيران نحو بعضهما، وقد أصبحتا عرضة للتنمر الجماعي والإرهاق الناتج عنه، وهو أمر شائع في بيئة العمل اليوم. وفي روايتها «لا شيء يقف في وجه الليل» (2014) تعكس صورة مؤثرة لامرأة عاجزة عن مواجهة الحياة، وتعبر عن تحررها الشخصي، إذ تتناول في هذا الكتاب العميق الكئيب ذو الجمال الاستثنائي أسبابها الخاصة للكتابة. ثم نشرت الكاتبة رواية «مستوحاة من قصة حقيقية» (2015)، والتي حازت على جائزتي رينودو وجونكور دي ليسيان.
وتتابعت بعدها رواياتها “الولاءات” و”الامتنان” و” الأطفال الملوك” وعن كل تلك الروايات التي كانت آخرها روايتها “أنا رومان مونييه”الصادرة مؤخرا تقول دي فيغان :”انا أحاول رفع مرآة تعكس عالمنا المعاصر، وتعجبني فكرة أن كتبي راسخة جدًا في مجتمع اليوم، وما أحاول القيام به هو وصف الأشياء، والأحاسيس، وآليات العنف، والكتابة عن العلاقات بين الطبقات والناس، وأن أكون أقرب ما يمكن لما أكتب عنه.وغالبًا ما يتطلب الأمر قدرًا كبيرًا من الجهد للعثور على الكلمات التي تصل إلى الهدف ، إذ يقول لي الناس إنني تمكنت من شرح ما شعروا به بالكلمات بطريقة تبدو حقيقية ولا يمكنهم القيام بها بأنفسهم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى