لماذا تتأخر برلين في براءات الاختراع وسباق الابتكار العالمي؟

لطالما كانت ألمانيا أحد أهم المراكز الصناعية في العالم وأكثرها إبداعاً وابتكاراً لعقود طويلة، سواء في مجال صناعة السيارات أو الكيماويات أو الأدوية، على سبيل المثال لا الحصر، لكن المشهد اليوم تغيّر؛ إذ تشير طلبات براءات الاختراع إلى تراجع ألمانيا في هذا المجال.
وتعدّ طلبات براءات الاختراع مؤشراً رئيسياً لأداء البحث والتطوير لبلد ما، وبحسب دراسة جديدة أجراها المعهد الاقتصادي الألماني (IW)بتكليف من مؤسسة برتلسمان الألمانية للأبحاث، انخفضت حصة ألمانيا من براءات الاختراع العالمية بين عامي 2000 و2022 من 21.9 بالمئة إلى 15 بالمئة.
في الوقت الذي تستثمر فيه دول أخرى مبالغ طائلة في البحث والتطوير، مثل الصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة بحسب موقع “تاغسشاو” (Tagesschau) الإخباري التابع لقناة التلفزيون الألماني الأولى (ARD).
وبهذا الصدد يقول أوليفر كوبل، الباحث في مجال براءات الاختراع بالمعهد الاقتصادي الألماني (IW): “علينا ابتكار تقنيات جديدة من خلال البحث والتطوير. إذا تراجعت براءات الاختراع، ستفقد ألمانيا في نهاية المطاف إمكانية الوصول إلى تقنيات متطورة وهامة”.
كما أن الركود الذي تشهده الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة في ألمانيا يعدّ مؤشراً آخر على ضعف الابتكار، بحسب مقال رأي كتبه ألكسندر س. كريتيكوس، وألكسندر شيرش، باحثان في المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW) في صحيفة فرانكفورتر ألغيماينه الألمانية.
وبحسب تحليلات معهد DIW، لم تُحرز الصناعة الألمانية أي تقدم يُذكر في مجال السلع التكنولوجية عالية الجودة خلال العقد الماضي، وبين عامي 2015 و2024 لم ترتفع الإنتاجية في هذا القطاع إلا بنسبة 7 بالمئة، ما أدى إلى تراجع الصادرات الألمانية من هذه السلع في الأسواق العالمية، وبالتالي انخفضت حصة ألمانيا من الصادرات العالمية بنحو 15 بالمئة منذ عام 2015.
وبذات الوقت، حققت الاقتصادات المجاورة لألمانيا مكاسب إنتاجية عالية، ففي هولندا وسويسرا نمت إنتاجية السلع التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية بنحو 25 بالمئة.
بيروقراطية خانقة تعرقل الابتكار وتدفع بالاستثمارات للخارج
يبرز تراجع الابتكار بشكل خاص في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة، ووفقاً لتحليل أجراه المعهد الاقتصادي الألماني (IW)، فقد تراجعت ألمانيا في مجال الابتكار في 13 قطاعاً من أصل 14 قطاعاً صناعياً شملها التحليل، ولا يزال قطاع الهندسة الميكانيكية القطاع الوحيد الذي يحتفظ بمكانة رائدة، وفقاً لموقع “تاغسشاو”.
وحتى في مجال صناعة السيارات تراجع الابتكار الألماني بوضوح، وعلى مدى عقود، كانت ألمانيا رائدة في عدة مجالات، خاصة في مجال محركات الاحتراق الداخلي التقليدية، لكن مع التحوّل نحو السيارات الكهربائية وتكنولوجيا البطاريات والسيارات المعتمدة على البرمجيات تغير المشهد تماماً، وتفوّقت دول أخرى على ألمانيا.
ويعتقد الباحثان في معهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW)، ألكسندر س. كريتيكوس، وألكسندر شيرش أن السبب الرئيسي لتراجع ألمانيا هو ضعف الاستثمار، ليس بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة فحسب، بل بسبب البيروقراطية الخانقة التي تعاني منها ألمانيا، والتي تتسم بإجراءات تقديم طلبات وموافقات مطولة، بالإضافة إلى متطلبات مفرطة في إعداد التقارير والوثائق.
وبينما لا تزال جهود التحول الرقمي متقطعة، أصبحت البنية التحتية تشكل عائقاً حقيقياً، كما أن نقص المهندسين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات والعمالة الماهرة يعيق نمو الشركات. كل ذلك يؤثر على توقعات العائدات ويخنق الاستثمار، وبالتالي يتدفق رأس المال إلى الخارج حيث الظروف أكثر ملاءمة.
كيف تستعيد ألمانيا مكانتها؟
ترى كاتارينا هولزلي من معهد فراونهوفر للهندسة الصناعية أن ألمانيا لا تفتقر إلى الخبرة التكنولوجية اللازمة للابتكار، وقالت في مقابلة مع غرفة الأخبار المالية في قناة ARD إن المشكلة الرئيسية تكمن في وتيرة التطور، بحسب موقع “تاغس شاو”. وأضافت هولزلي أنه ينبغي على ألمانيا أن تتعلم كيفية طرح الابتكارات في السوق بسرعة أكبر واختبار التقنيات الجديدة في وقت مبكر، فلا تنشأ الابتكارات من التخطيط المثالي فحسب، بل أيضاً من الاختبار السريع والتطوير المستمر على حدّ تعبيرها.
وتحثّ هولزلي على أهمية التجربة، وقالت: “يجب أن نجمع بين هذا الحس الألماني بالجودة والسرعة، والاستعداد لتحمل المخاطر، بل والاستعداد الأكبر للتجربة”.
ويرى كوبل أن المشكلة ليست في نقص في الأفكار أو العمالة الماهرة، فألمانيا لا تزال تمتلك مهندسين مدربين تدريباً عالياً ومؤسسات بحثية مرموقة عالمياً، والعامل الحاسم الآن هو زيادة الاستثمار في البحث والتطوير.
ويقترح ألكسندر س. كريتيكوس، وألكسندر شيرش، الباحثان في معهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW) خمسة إجراءات ضرورية لاستعادة ألمانيا مكانتها تعزيز جاذبيتها لشركات التكنولوجيا المتقدمة. ويشمل ذلك رفع كفاءة الإدارة العامة، وتقليل البيروقراطية من خلال تسريع إجراءات التراخيص والموافقات، إضافة إلى رقمنة شاملة للإدارة واستخدام الذكاء الاصطناعي لتقصير مدة الإجراءات الإدارية وتحسين جودتها. كما تحتاج ألمانيا إلى الاستثمار في بنيتها التحتية، لا سيما في مجالات النقل والطاقة أو حتى في الشبكات الرقمية مثل الألياف الضوئية والجيل الخامس، لأن ضعفها أصبح عائقاً أمام تنافسية الشركات.
وينصح الباحثان تسهيل وصول العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي لمعالجة نقص المهندسين والمتخصصين في مجال التكنولوجيا، بالإضافة إلى تعزيز السوق الأوروبية الموحدة من خلال سوق مفتوحة حقاً للمنتجات والخدمات، ومساحة بيانات أوروبية موحدة دون قواعد وطنية خاصة كأساس للابتكارات القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي، واتحاد حقيقي لأسواق رأس المال.



