ثقافة وفن

متعة السرد في “غيمري – كدتُ أصبح إمامًا”

جودت هوشيار
يُعدّ كتاب «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» للكاتب جورج منصور من السير الذاتية التي تمزج بين الاعتراف الشخصي والسرد الروائي، في تجربة قراءة آسرة تتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الحكي المشوّق. فالكتاب لا يكتفي بسرد وقائع من حياة الكاتب، بل يحوّلها إلى مادة سردية نابضة، تتداخل فيها الذاكرة مع التأمل، والواقع مع البعد الإنساني الأعمق.
ينطلق منصور من تجربة شخصية حساسة، تتمحور حول اقترابه من عالم ديني وثقافي مختلف، في منطقة «غيمري» ذات الدلالات التاريخية والروحية، حيث كاد – كما يشير العنوان – أن يسلك مسارًا مغايرًا تمامًا لحياته. هذا المنعطف يشكّل العمود الفقري للنص، ويمنحه توترًا داخليًا يجعل القارئ مشدودًا منذ الصفحات الأولى، إذ يتابع رحلة التحوّل الفكري والوجداني بشغف متصاعد.
تكمن جاذبية الكتاب في أسلوبه السلس وقدرته على بناء مشاهد حية تنبض بالتفاصيل. فالسرد هنا ليس تقريريًا، بل أقرب إلى رواية تتكشّف تدريجيًا، حيث يُحسن الكاتب توظيف الإيقاع والتشويق، فينتقل بالقارئ بين لحظات التأمل العميق والمواقف الدرامية التي تحمل مفارقات إنسانية لافتة. كما أن الصدق العاطفي في الطرح يعزّز هذا التأثير، ويجعل التجربة قريبة ومؤثرة.
ولا يقلّ البعد الثقافي أهمية عن الجانب الشخصي، إذ يقدّم الكتاب نافذة على عوالم فكرية ودينية قد تبدو بعيدة عن القارئ، لكنه ينجح في تقريبها من خلال لغة واضحة وحكايات مشوقة، مما يضفي على النص طابعًا استكشافيًا يزيد من متعته.
في المحصلة، يبرز «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» كسيرة ذاتية مشوّقة لا تُقرأ بوصفها سردًا لحياة فرد فحسب، بل كتجربة إنسانية غنية بالتحولات والأسئلة، تُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم، وتمنحه متعة القراءة بقدر ما تثير فيه التفكير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى