محمد صلاح.. ابن القرية المصرية الذي هز عروش الكرة الأوروبية!

كل واحد منا في هذه الحياة لديه فرصته… أين هي؟ كيف تأتي؟ ومتى يظهر؟ لا يمكن لأحد أن يتوقع هذا. محمد صلاح قبل أن يكون لاعب كرة قدم عالمي فهو إنسان مثلنا وجاءت فرصته في لحظة لم يتوقعها الكثيرون.
دعونا نعود إلى نقطة البداية الحقيقية. هذه ليست البداية في نادي المقاولون العرب مصريليس في بازل في سويسرا، ولا حتى في روما في إيطاليا… ولكن في تشيلسي في إنجلترا خلال فترة المدرب البرتغالي جوزي مورينو.. وهنا بالتحديد ظهرت شخصية صلاح الفولاذية. وفي الوقت الذي ظن الجميع أن قصته ستنتهي كقصة احتراف فاشلة، أعاد اكتشاف نفسه في فيورنتينا ثم روما، ثم عاد بعد ذلك إلى الدوري الإنجليزي عبر ليفربول في العصر. عصر كلوب معًا، يخلقون تحولًا تاريخيًا في مسار النادي والمدينة والدوري الإنجليزي الممتاز.
ظاهرة حقيقية بكل المقاييس
ويكفي أن نقول إن محمد صلاح هو اللاعب المحترف العربي والمصري الأكثر استقرارا بعد أن قدم عشر سنوات متواصلة من التألق في أقوى دوري في العالم، الدوري الإنجليزي الممتاز (EPL)… وهذا أمر نادرا ما يحدث، وربما يكون من المستحيل تكراره.
ما يقرب من عقد كامل مع أرقامه القياسية في صناعة وتسجيل الأهداف.
والجانب الأهم هو أن صلاح المصري، من قرية نجريج المصرية، أصبح بلا شك أيقونة عالمية. لقد فاز بكل الألقاب والجوائز الممكنة، باستثناء الكرة الذهبية. وعندما نتحدث عن ليفربول وتاريخه ونجومه الذين مروا بعقوده الطويلة، سيبقى اسم صلاح حاضرا في ذاكرة النادي الإنجليزي إلى الأبد. كيف لا؟ إنه اللاعب الذي لعب دورًا محوريًا في التعافيليفربول لهويته كبطل في إنجلترا. لقد سجل، وصنع، وقاد الفريق في أصعب اللحظات، وفاز بالألقاب، واستحوذ على قلوب جماهير الأنفيلد، ذلك الملعب الذي سيظل اسمه يتردد. “مو صلاح“ سوف يتكرر في مواقفه لسنوات عديدة قادمة.
مقارنته بستيفن جيرارد أمر مبرر.
نجم منتخب ليفربول وإنجلترا السابق ستيفن جيرارد أيقونة الفريق، الذي قضى معظم حياته المهنية تقريبًا داخل أسوار النادي، كان يجلس لسنوات عديدة وحيدًا على عرش ذاكرة الريدز. لكنه اليوم يتقاسم هذا الإرث مع محمد صلاح، الفرعون المصري الذي أصبح جزءًا من هوية النادي وروحه..
عندما نقول إن “مو” صلاح استحوذ على قلوب جماهير ليفربول، فإننا لا نتحدث فقط عن أهدافه أو أرقامه، بل عن الرابطة الإنسانية التي تطورت بينه وبين المدينة. لاعب لم ينشأ في إنجلترا، ولم يتخرج من أكاديمية النادي، لكنه أصبح أحد أبنائه وجزءًا من تاريخه وحاضره ومستقبله. الشاب الذي احتضنته جماهير الأنفيلد في بداية مشواره سيودعه يوما ما كرجل ناضج وأب محب، بينما يبقى اسمه محفورا في ذاكرة المدينة..
صلاح نفسه لم ينس هذا الارتباط. وفي مقابلة مع الموقع تريبونا.كوم قال: “لقد تغيرت كثيرا. كشخص، أنت تنمو. فتياتي أصبحن سكورز الآن! لغتهم أيضا لديها هذه اللهجة. لذلك، إنه تغيير كبيروأضاف: «هذا التصريح وحده يكشف مدى العلاقة التي تجاوزت حدود الملعب، لتصبح جزءاً من حياة اللاعب وعائلته، وجزءاً من قصة مدينة تبنت نجماً جاء من بعيد ليصبح أحد رموزها.
كلمة المرور من أجل السلام والتعايش والتسامح الثقافي والديني
كل ما عليك فعله هو أن تكتب على اليوتيوب “لأجلك سأكون مسلمًا أيضًا” لتظهر لك مقاطع فيديو لمشجعي ليفربول الذين يملؤون شوارع المدينة وهم يهتفون: الاغنية الشهيرة وتقول كلماتها إن مشجع ليفربول قد يعتنق الإسلام إذا استمر صلاح في تسجيل الأهداف، وغيرها من الأغاني الشهيرة مثل “الملك المصري”، وكلها تشير إلى قيمة صلاح وتأثيره. وتجاوزت ظاهرة صلاح المستطيل الأخضر لتصل إلى أروقة أرقى الجامعات العالمية. وأظهرت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد تراجع ظاهرة الإسلاموفوبيا في منطقة ميرسيسايد منذ قدوم اللاعب المصري. محمد صلاح كان له تأثير كبير في تقليص… الإسلاموفوبيا وفي ليفربول بحسب الدراسة.
الدراسة بعنوان “هل يمكن أن يؤدي التعرض للمشاهير إلى تقليل التحيز؟ تأثير محمد صلاح على السلوك والمواقف المعادية للمسلمين” أجريت في مختبر سياسات الهجرة جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة. وخلصت نتائجها إلى أن جرائم الكراهية في منطقة ميرسيسايد شهدت تراجعا كبيرا منذ انضمام محمد صلاح إلى ليفربول في صيف 2017..
وخلال العامين التاليين لوصوله، سجلت المنطقة تراجعا 18.9% وفي جرائم الكراهية مقارنة بما كان متوقعًا، انخفضت أيضًا التغريدات المناهضة للمسلمين بين مشجعي ليفربول بنسبة 10% 53%. جاء ذلك في الدراسة: “نفسر هذه النتائج على أنها تدعم الفرضية القائلة بأن وصول صلاح إلى نادي ليفربول ساهم في الحد من الأعمال المتطرفة القائمة على التعصب“.
واعتمد الباحثون في تحليلهم على ما يلي تقريبًا: 15 مليون تغريدة من مشجعي كرة القدم في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى استطلاع للرأي 8600 أحد مشجعي ليفربول قبل وبعد انضمام صلاح. كما أشارت الدراسة إلى أن صورة صلاح العامة وأعماله الخيرية المستمرة ومواقفه الداعمة للسلام لعبت دورا مهما في تعزيز هذا التأثير الإيجابي..
أسطورة ليفربول والدوري الإنجليزي
أما على الصعيد الرياضي، فكيف يمكن لجماهير ليفربول أن تنسى لاعباً كان عاملاً حاسماً في فوز النادي بثمانية ألقاب كبرى؟ وساهم محمد صلاح في الفوز بلقبين بالنسبة للدوري الإنجليزي الممتازدوري أبطال أوروبا، وكأس الاتحاد الإنجليزي، ولقبين لكأس الرابطة، بالإضافة إلى كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبي.
وتبقى لحظة التتويج دوري أبطال أوروبا وكان عام 2019 من أبرز اللحظات في مسيرته، خاصة بعد خيبة أمل نهائي كييف 2018. ويومها سجل صلاح هدفا في المباراة النهائية أمام توتنهام، وقاد الفريق إلى المجد الأوروبي، مؤكدا مكانته كأحد أهم نجوم الجيل..
ومن حيث الأرقام، سجل صلاح 255 هدفا في 435 مباراة مع ليفربول، ليحتل المركز الثالث في قائمة الهدافين التاريخيين للنادي، خلف الأسطورتين إيان راش وروجر هانت. هذا الإنجاز وحده يكفي لجعله من بين أعظم من ارتدوا القميص الأحمر عبر تاريخ النادي.
مراجعة : طارق عنقاي


