رياضة

مدرب نازح يحول ملعب بيروت إلى مساحة أمل للأطفال

وفي الشدائد تختبر العزم، ووقف حسن سيف الدين بعزيمة لا تقهر في وجه ظروف الحرب الساحقة. وفي سن الخامسة والستين، اضطر حسن إلى تدريب الأطفال على الفنون القتالية في ملعب لكرة القدم في بيروت.

هرب المدرب إلى الملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، القادم من ضاحية بيروت الجنوبيةإلى جانب آلاف النازحين الآخرين. ويقيم اليوم داخل أحدخيام والذي تم تركيبه داخل الملعب .

منذ 28 فبراير شهد الشرق الأوسط موجة تصعيد جديدة بعد إطلاقها نحن وإسرائيل الهجمات على إيرانقبل أن يمتد الصراع إلى لبنان بعد أيام قليلة.

في أبريل، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ونزح أكثر من مليون شخص داخل لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي الذي استهدف مواقع لحزب الله. وكان حسن واحدا منهم.

حسن سيف الدين تحدث لـ DW من قلب مخيم النازحين في بيروت، حيث قال: “كان القصف شديدا حولنا، فهربنا وانتهى بنا الأمر نازحين هنا في المدينة الرياضية”، قبل أن… ويحول معاناة النزوح إلى مساحة تدريب وأمل للأطفال.

وبعد وصوله أصر حسن على مواصلة تدريباته اليومية في الفنون القتالية. مضيفًا: “كنت أتدرب وحدي هنا لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا”. شغف حسن وانتظامه أثناء تدريبه جعل الأطفال النازحين داخل المخيم يتابعونه باهتمام.

وتسللت إلى ذهنه فكرة ملحة: لماذا لا نجمعهم وندربهم ونمنحهم بعض البهجة من خلال هذه الرياضة؟ هدفه هو مساعدتهم على نسيان ما يحدث في المدينة، ولو لفترة، وتنمية القوة الجسدية والنفسية لديهم”.

عدنان، أحد الأطفال الذين بدأوا بتعلم هذه الرياضة الجديدة، يقول لـ DW: “تعجبني كثيرا الطريقة التي يدربنا بها مدربنا، خاصة أنني أتعلم كيف أدافع عن نفسي وأكتسب الثقة. إذا هاجمني شخص ما في الشارع أو حاول اختطافي، سأعرف كيف أدافع عن نفسي”.

https://www.youtube.com/watch?v=ObsFCIPc

الرياضة كوسيلة للهروب من الواقع

بالنسبة لحسن، لا يقتصر الأمر على الدفاع عن النفس فحسب، بل يتعلق بإعطاء الأطفال والشباب مساحة للتفكير في شيء آخر غير القصف، والمنازل التي فقدوها، وحياتهم الطبيعية.

حيث قال :”ويحمل النازحون الذين يعيشون في الخيام معهم صدماتهم الخاصة“.

أثناء التدريب، يبتعدون عن كل ما يحدث في الخارج، ويستمتعون بالتمرين والعمل الجماعي. كان وجود مدرب وفريق أمرًا لم يسبق لهم تجربته من قبل، لذلك اندمجوا بسرعة. مضيفاً: “لقد أصبحنا مثل العائلة”.

وتابع حسن قائلا: “يعني لهم الكثير أن ينسوا الألم وكل ما يحدث خارج هذا الميدان، إنهم سعداء، وأحيانا يأتون لإيقاظي ويقولون: هيا يا كابتن، حان وقت التدريب:”

لبنان - بيروت 2026 | عوائل نازحة تبحث عن المأوى في الحدائق والملاعب 26/03/2026
ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، مقر المنتخب اللبناني لكرة القدم، شهد لحظات رياضية بارزة وتحول إلى ملجأ للنازحينتصوير: مراد سنغول/ وكالة الأناضول/ IMAGO

ملعب للتاريخ.. وملجأ للأطفال النازحين

لطالما كان ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية موطناً للمنتخب اللبناني لكرة القدم، وشهد لحظات رياضية بارزة، بما في ذلك الفوز الشهير على كوريا الجنوبية عام 2011 في التصفيات. كأس العالم. ولا يزال الكثير من اللبنانيين يتذكرون المباراة الودية التي خاضها الأسطورة بيليه على أرض الملعب عام 1975 أمام أكثر من 35 ألف متفرج.

ويعكس الملعب أيضاً جانباً من تاريخ لبنان المضطرب. تم تدميره أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم أعيد بناؤه بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. وفي عام 2024، استضافت جنازة حسن نصر الله بعد استشهاده بغارة إسرائيلية.

وهذا مهم كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في لبنان، عملت الأندية المحلية على تقديم المساعدة للنازحين.

وقال وائل شهيب، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد اللبناني لكرة القدم، لـ DW: “أنا سعيد لأن الملعب قادر على استيعاب الناس، ولكن من المحزن أيضا أن المكان الذي عادة ما يجلب الفرح ويمنح الناس متنفسا من ضغوط الحياة يتم استخدامه بهذه الطريقة”.

وأضاف أن عدداً من الأندية اللبنانية شاركت في جهود الإغاثة: «تطوع لاعبو وإداريو نادي الإخاء الأهلي في المدارس الرسمية التي استقبلت العائلات النازحة».
كما أشار إلى أن أندية مثل الصفا والنجمة استضافت عائلات داخل ملاعبها وقدمت لهم الطعام، فيما ساهم نادي الأنصار بتوزيع الطرود الغذائية.

ورغم عدم القدرة على استخدام غرف تبديل الملابس والمرافق الأخرى، إلا أن بعض اللاعبين يواصلون تدريباتهم، إذ ترى الأندية أن تواجد اللاعبين وتفاعلهم مع عائلاتهم يساهم في رفع معنوياتهم.

مشهد من التضامن الإنساني

وأي مبادرة من شأنها التخفيف من صعوبة الحياة داخل الملعب تلقى ترحيبا من المقيمين المؤقتين ومن بينهم عائلة هويدا أمين مزنار التي نزحت من بلدة عيترون في جنوب لبنان. وتقول الأسرة إنهم اضطروا إلى الفرار دون أخذ أي من ممتلكاتهم بسبب خطورة الوضع.

تقول هويدا لـ DW: “نعاني منذ فترة طويلة بسبب الوضع على الحدود. الآن نحن هنا، لكن الأمر صعب للغاية، لأنك لا تعرف أين ستكون غدا. هناك ضغط نفسي كبير بسبب عدم اليقين بشأن المستقبل”.

وأضافت أن العزاء الوحيد يكمن في تضامن الناس مع بعضهم البعض: “هناك روح التضامن بين الجميع، الناس يساعدون بعضهم البعض.. الحياة بسيطة وتسير وفق روتين يومي مثل التنظيف والترتيب والجلوس معاً، والأطفال يحاولون خلق شعور بالحياة الطبيعية”.

أما حسن فهو يخطط لمواصلة رسالته مع الأطفال. وقال: “لم أتخيل أبدًا أنني سأصبح نازحًا ومدربًا في نفس الوقت. إنها مشيئة الله… الصدفة هي التي أتت بي إلى هنا». واختتم حديثه قائلا: «أنا سعيد للغاية هنا. صدق أو لا تصدق، أشعر أنني أريد البقاء وتدريبهم لمدة عام أو عامين أو ثلاثة. وفي غضون عام ونصف، يمكنني أن أجعل منهم أبطالًا وطنيين».

إعداد: أنور فتناسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى