ثقافة وفن

مقصورة آبن دريْد.. أوّل قصيدة موضوعية، ذات مستوييْن

صلاح نيازي
دأب مؤرخو الأدب القدامى، إن بحثوا أديباً ما، شاعراً أم ناثراً، على ذكر الأساتذة الذين تتلمذ على أيديهم، للتدليل على علوّ كعبه. يكون الأمر معكوساً في حالة آبن دريد (838 – 933 م) صاحب المقصورة. تلامذته الذين تربوا على يديه هم الذين يُسْتدل بهم على مكانته الفائقة.
ولكن مّنْ هم تلامذته؟ السيرافي، والمرزباني، والأصبهاني صاحب كتاب الأغاني، وأبوعليّ القالي صاحب كتاب الأمالي، وابن خالويه النحوي اللغوي الثقة.
هؤلاء من لباب الفكر العربي وجَمّاره. بهم تعمّقت الدراسات اللغوية والفكرية، وتنوعتْ.قيل في وصف آبن دريد، وما أدقّ ما قيل “أشعر العلماء، وأعلم الشعراء”.
وقال فيه أبو الطيب اللغوي:” ما ازدحم العلم والشعر في صدر واحد، ازدحامهما في صدر آبن دريْد”.
تشتمل المقصورة على مائتين وستة وخمسين بيتاً، أفرغ فيها الشاعر رؤيته للحياة، وتجاربه التي تراوحت بين الحكمة، واستحياء التأريخ، والشيخوخة، والموعظة، والأدب.
المقصورة، حقا، من نفائس المصوغات الشعرية معنى ووزناً ومبنى. صورها نابضة كمجرى عين مائية، وإيقاعاتها نغمات منعشة.
وهي إلى ذلك من أصعب الشعر، لغة وأسلوباً، وتركيباً. وكأنها مكتوبة لخاصة الخاصة، أو للنخبة. إنها ربما أوّل قصيدة موضوعية من نوعها، أفرغ فيها الشاعر سيرته الشخصية.
مقصورة آبن دريْد، متحف شعري، بمختلف اللقى والنفائس، تزداد تحاسينها من ابهة قدَ مها، وتزايينها من قابليتها على مماشاة الزمن. إنها أيقونة الشعر العربي.
آعتمدت في كتابة المقالة التالية، على تحقيق عيد عبد الوصيف، ومقدمة د. يوسف نوفل، المؤثثة تأثيثاً معرفيّاً مريحاً.
من الطريف أن يعرّف المحقق بنفسه فيقول:
“عيد عبد الوصيف، الكردي أصلاً وأرومة، المصريّ الجنسية، الأزهري معهداً وتربية، القرشي حسباً ونسباً”
من غرائب هذه المقصورة إنها زاخرة بالماء، وما من نهر أو بحر، وكذلك عاجّة بالحركة، ولكنْ ما من طير او جناح من أيّ نوع.
قصيدة المقصورة اقتصرت على لونين فقط: هما دكنة الليل، واللون الأبيض، طرّة الفجر والبقرة الوحشية، إذا نصع لونها ولمع أديمها. اللون الثالث نقاط حمر مدافة هنا وهناك. ولكن تكاد تشعر بأن القصيدة عائمة على أنهار من الألوان. وهل هناك أثرى لوناّ من بياض المرأة، إن عادله الشاعر بطرّة الصبح، وهل هناك لمعان أسود ُ أغزر، إذا استلّ الشاعر عثكلة شَعَرها من الليل.
التزمت المقصورة بقافية الألف المقصورة، إلا أن موضوعاتها تنوعت تنوّعاً مدهشاً. في الحكمة والموعظة ومواقف الشاعر الفلسفية من الحياة والوجود والشيخوخة والموت.
بالإضافة ثمة تداخلات بين الانسان والنبات والحيوان مما يجعلها بحق، قصيدة عضوية وموضوعية، ربما هذا ما يبرر زعمنا من أنها الأولى من نوعها في الشعر. غير مسبوقة وغير ملحوقة نالت المقصورة مكانة لائقة، فكثرت شروحها وتخميساتها وتشطيراتها وتسميطاتها، إلّا أنّ أحداًً، لحدّ علمي المتواضع، لم يبحث في تقنيات هذا التأليف الشعري الفذّ، أو الأساليب التي يتفوّق بها آبن دريد. أما صوره الفنية وتشبيهاته، فهما عالمان قائمان بذاتهما.
هذه إذن بعض التنويهات بفرادة آبن دريد، بقدر ما تسمح به مقالة محدودة كهذه. مع ذلك فالأمل معقود أنها ستكون فاتحة لنظرة أوسع حين تحين الفرصة.
أغناني الدكتور يوسف زينل في مقدمته، عن إحصاء أهم الدراسات عن آبن دريد وعن شعره، فإذا بها تربو على ستّ عشرة دراسة. ذكر زينل كذلك، معلومة، أعيد نشرها هنا لطرافتها.
يقول: “أشارت نازك الملائكة في معرض حديثها عن اللون الجديد “شعر التفعيلة” إلى ما ذكره الباقلاني في “المجاز في القرآن مما قاله آبن دريّد نثراّ وصاغته نازك شعراً على هيئة الشعر الحديث (شعر التفعيلة):
ربّ أخٍ كنتُ له مغتبطاً
اًشدّ كفيّ بعري صحبته
تمسكاً منيَ بالود ولا
يحول عنه أبدا
ما حلّ روح وجسد”.
من الصعب،المفاضلة بين ميزات هذه القصيدة العالية القدر، ولكنْ ليكنْ للتشبيه أولوية، لأنه تصدر البيت الأوّل من المقصورة:
“يا ظبية أشبه شيء بالمها
ترعى الخزامى بين أشجار النقا
إمّا تريْ رأسيَ حاكى لونُهُ
طُرةَ صبحٍ تحت أذيال الدُّجى”
كنّى الشاعر عن حبيبته بالظبية، وهي أنثى الغزال التي يعلو بياض لونها حمرة.هكذا جمع الشاعر ثلاثة ألوان في نصف شطر، الأبيض اليقق، والأحمر القاني والأسود الغدافي.
يأخذ البيت حيوية إضافية من جملة: “أشبه شيء”، وكأنّ المشبّه أجمل وأكمل.
المها تشيع أيضاً غير الجمال، الطمأنينة في بيئة مفترسة عادة. وهي إلى ذلك ترعى بأمان دون خوف.. حينما قال الشاعر أشجار النقا ” إنما جعل الغزالة مكشوفة على كثيب من الرمل، مما يزيد من صورة الطمأنينة والأمان.
رسم ابن دريد بكلمات قليلة صورة شبه كليّة. ففي طرور الفجر والظلمة، وسّع الصورة، وفي بياض الغزال وحمرته ومرعاه الآمن، والخزامى خلق أيقونة جمال منسجم من الطبيعة، والحيوان في أسعد اوقاته، والنبات في أوج نمائه.
مع ذلك ثمة هاجس غامض، أشبه شيء بهاجس الهدوء الذي يسبق العاصفة. سرعان ما ينفجر راوية القصيدة في البيت الثاني:
“أما تريْ رأسي حاكى لونُه
طرّةَ صبحٍ تحت أذيال الدجى
واشتعل المبيضّ من مسودّه
مثل اشتعال النار في جزل الغضى”
(أما تريْ هي إنْ الشرطية مدغمة ب: ما الزائدة”).
بالإضافة إلى الحيوية الظاهرة التي يتمتع بها البيت، فثمة كلمات موحية مثل طُرّة، وأذيال، وجزل.
لو ركنّا جملة إمّا تري جانباّ، فإنّ هذا الإدغام بين إنْ وما، صيغة مفاجئة سرّعت من الإيقاع البطئ في البيت الأوّل، وكأن الشاعر راح يقارن بين المهاة، وفتوّتها، وطمأنينتها، بحالته هو. الفعل المجزوم: تريْ، فنّياً وكأنْ فيه انقطاع أشبه بالآنبهار، الذي توسّعبتوسّع الصبح. يمكن مقابلة الطرّة، أيْ القُصّة، وهي في أعلى جسم الإنسان، بذيل الدجى، والذيل أسفل الثوب.
طّرة الصبح، وأذيال الدجى، ظاهرتان طبيعيتان، سرعان ما اصبحتا ظاهرتين رمزيتين ممتلئتين بالهواجس، وتمهدان للبيت الثالث واشتعل المبيضّ من مسودّه مثل اشتعال النار في جزل الغضا والغضى كلّما ازداد يبوساً، ازداد اشتعالاً. هل الشيخوخة نوع من اليبوس؟
الغضى بهذا التوقيت، يمهد إلى عالم النبات، الذي يكاد ينفرد آبن دريد، بالدخول إلى تشبيه النساء من جهة، وبسط فلسفته عن الحياة من جهة أخرى، كما سنرى.
فكان كالليل البهيم حلّ في
أرجائه ضوء صباح فانجلى
وغاض ماء شرّتي دهر رمى
خواطر القلب بتبريح الجوى
وآض روض اللهو يبساً ذاوياً
من بعد ما قد كان مجّاج الثرى
وضرّم النأي المُشتُّ جذوة”
ما تأتلي تسفع أثناء الحشا
لأوّل وهلة، تبدو الأبيات أعلاه جارية مجرى العادة، لبثّ لاعجة، هنا ولاعجة هناك لكنْ لنتمعّن في كلمة: البهيم كصفة لليل ففيها عمق إضافي.البهيم من الألوان ما كان لوناً واحداً لا شية فيه. كذلك كان شَعَر الراوية.
ينتبه الشاعر وكأنْ أُخِذ على حين غرّة، إلى ما تكشف عنه السواد، فإذا بروض لهوه يتصوّح بعد أنْ كانت أرضه نديّة “مجأج الثرى”.بمثابة كتلك سيكون للروض، بما فيه من نبات تماثلات طريفة، مع حياة الأنسان في هذه القصيدة لدرجة يصبح فيها الإنسان شجرة، والشجرة إنساناً. وهذه من فرادات آبن دريد. من البداهة إنّ النبت اليابس أسرع إلى الآشتعال. لكن الشاعر رفعها من عاديّتها وجعلها تمهّد إلى تعبير: ضرّم. والضرام هنا مختلف مكاناً وزماناً، فهو داخلي يُحَسُّ ولا يُرى، أي ما من أحد يكابده إلاّ حامله، أي الشاعر.
قال الشاعر ضرّم النأي، وكأنّ للنأي صفة القدر، وما الشاعر إلاّ مذعناً بلا مقاومة أو شكوى، وكأنه قدر محتوم. يتأكد هذا المدلول بالبيتيْن التاليين، حيث يتخذ التسهيد من عيني الراوية مألفاً:
واتخذ التسهيد مألفا
لمّا جفا أجفانها طيفُ الكرى”
فكلّ ما لاقيته مغتفرٌ
في جنب ما أسأره شحطُ النوى”
(أسأره: أبقاه)
التشبيه في المقصورة، ليس كلمة بكلمة، ولا صفة بصفة، بل عند آبن دريد يكون المشبّه به هو نفسه صورة نفسية فاتنة، كما رأينا في البيت الأوّل من المقصورة.
تتميز القصيدة كذلك بأجمل ما قيل في وصف الفرس، وهو مقدس في نظر آبن دريد، فطالما أقسم به. خصص آبن دريدللفرس أربعة عشر بيتاً(من البيت 79 – 92) متناسقة في ثلاث
ثيمات: قوته القتالية وتناسق جسده، والأهم جماله، فهو ذو ناصية بيضاء، وقوائم محجلة.
“إذا اجتهدت نظراً في إثْرهِ
قلتَ سنا أومض أو برق خفا
كأنما الجوزاء في أرساغه
والنجم في جبهته إذا بدا”
وفي مقطع آخر، ثمة تشبيهات عجيبة مغربة، منها أن الناس يأكلهم الموت كما تأكل الماشية الحشيش الرطب، فلا تبقي منه إلاّ اللون الأسود.
ويقول آبن دريد إن المغفل من الناس مَنْ يمشي كخابط ليل، وبصره أعشى. فإذا فزع ريع، كما يريع القطيع حين يرى أسداً. ولكنْ ما أنْ يمضي حتى يعود القطيع ليرعى وىرتع، لاهياً.
على أية حال، أخذت المقصورة آعتباراً من البيت السابع والأربعين:
أليّةً باليعمليات، يرتمي
بها النجاء بين أجواز الفلا”
(اليعملة: الناقة. يقسم الشاعر بها).
تنحو منحىً موضوعيّاً، لا قبله ولا بعده. أكثر من ذلك، باتت بعض مقاطع القصيدة تُقرأ على مستويين، وذا تدشين لأخطر تطور في الشعر عموماً.
فالرحلة في مستواها الأوّل صحراوية يقوم بها متلازميْن الناقة وراعيها.متعبينْ، ذبحهما العطش.
لكن ثمّة رحلة خفية أخرى. إنها الرحلة الروحية المتقشفة للتطهر. الرحلتان متوازيتان متلازمتان. كلاهما صوت، وكلاهما صدى لبعضهما. إنهما تتقاسمان السراب، وهو أخطر أمل كاذب في الصحراء.
لا ريب إن القصيدة ذات المستويين أغنى وأعمق، وهذا النوع من الشعر نادر.
مهما يكنْ من أمر، ففي الأبيات الأخيرة من المقصورة، آنعطافة جديدة، انتقل فيها آبن دريد من قاموس الألفاظ النهارية، إلى قاموس ليليّ، ناصعة في ثناياه حِكَم متلألئة كالنجوم الهادية. إنها خلاصات ثقافاته وتجاربه.
وقف أمام الشيخوخة، ولم يتلعثم، ووقف أمام القضاء المحتوم، بلا آصفرار وجه، أو رفيف جفن. وقف أمام الشيخوخة وأمام الموت كظاهرتين طبيعتين، لا رادّ لهما.
“فإنْ أمُتْ فقد تناهت لذتي وكلّ شئٍ بلغ الحدّ انتهى”
تبلغ حكم آ بن دريد ذروة جديدة، حين يقول:”
لا تعجبنْ من هالك كيف هوى
بلْ فأعجبن من سالمٍ كيف نجا”
ليس في الشيخوخة غضاضة إذن. إنها مرحلة حياتية ليس إلاّ، ما دام هناك جديدان(الليل والنهار) “إن الجديدين إذا ما آستوليا على جديدين أدنياه للبلى” مع انحسار القاموس النهاري. ظهرت مصطلحات ليلية طارئة، مثل السمر والسامرين، والغناء والإنشاد، والخمرة الصوفية، ربما لتزيد الصور الشعرية غموضاً، وعفوية وتفجرا.
ظهرت كذلك في هذه الفترة الليلية، كمستوى ثانٍ، عواءات ذئبية، موحشة و مؤنسة. بكلمات أخرى لم يتعامل آبن دريد مع الحياة، “كطلول بيد البلى نهبُ” كما يقول الشريف الرضيّ.
مثلاً نتعرّف في قاموس آبن دريد، لأوّل مرّة،على فتاة تُلمس لمس اليد، وبينه وبينها ملاعبات، أي إنها تُسمع وتُرى. في خدّها روض من الورد.
انسحر آبن دريد هذه المرّة برخامة صوت فتاته، كما لم ينسحر من قبله شاعر آخر.
يقول عن صوتها، إنها لو ناجت الوعل النافر، وهو في أعلى الجبل، لنزل مستكيناً، وديعاً ليتذوق رخامة صوتها. العجب كيف جمع آبن دريد في إضمامة واحدة، الطبيعة بأبهى ألوانها لا سيّما النسرين الأبيض، وصوت أنثوي مشتهى، وفحولة وعل. لوحة متناغمة، متعاشقة بانسجام. كذا لا ترى آبن دريد يترثّى ماضياً، ولا يتشكّى حاضراً، ولا يتبكى مستقبلاً.
هكذا خلتْ اسكفّة عينه من أية دمعة، فرحا أم حزناً.
ملحظ: لا بدّ من مقالة أخرى برأسها عن الثيمات الثلاث التالية:
1 – موسيقى قصيدة المقصورة (بحر الرجز)، هل هي تختلف عن
العروض الفراهيدي؟
2 – نظرة ابن دريد للجمال الأنثوي. كيف كانت وكيف أضحت في النهاية.
3 – نظرية آبن دريد في السلوك البشري، وهل هو وراثي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى