ثقافة وفن

موسيقى الاحد: متى قدمت الموسيقى للعامة؟

ثائر صالح
تنتشر اليوم مختلف المؤسسات التي تقدم فيها الموسيقى بكل أنواعها. وما على المهتم بالموسيقى سوى فتح الهاتف الذكي أو الحاسوب والبحث عما يشتهيه، فيشتري التذكرة ويدفع ثمنها من حسابه المصرفي ويحتفظ بالتذكرة الرقمية لحين حضور الحفل. لكن الموسيقى لم تكن بمتناول العامة إلا بشكل محدود. إذ لم يكن تمويل الفرق الموسيقية والموسيقيين متاحاً إلا لمن يمتلك الثروة، وهذه كانت بيد الملوك وكبار النبلاء والكنيسة. وكان فن الأوبرا قد انتشر منذ مطلع القرن السابع عشر وبنيت دور الأوبرا في العديد من المدن الأوروبية. ومن المعقول الافتراض أن عامة الناس كانوا مع ذلك يستمعون إلى الموسيقى والغناء في مناسبات معينة، دينية على الأغلب في الكنيسة، أو في احتفالات عامة مثل الحصاد أو ما شابه.
بدأت أولى بوادر الحفلات الموسيقية التي نعرفها اليوم في القرن السابع عشر، وكان الأمر مختلفاً في كل بلد. وقد تكون محاولة عازف الكمان الانكليزي جون بانيستر بتقديم حفلات موسيقية لقاء المال من أولى الحالات الموثقة. فقد بدأ في 1672 بتقديم الموسيقى في بيته لقاء شلن واحد، وكان بالإمكان للحاضرين أن يطلبوا أداء قطعة موسيقية معينة. ويشير استمراره في تقديم الحفلات البيتية حتى قبيل وفاته في 1679 إلى نجاح المحاولة. كانت دور الأيتام في فينيسيا تقدم حفلات بين الحين والحين. ونعرف أن أنطونيو فيفالدي كان شديد الاهتمام بتعليم أكثر الأيتام موهبة موسيقية، والكثير من أعماله الموسيقية كتبت لفرقة دار الأيتام. وكان الحفل يتبع بطلب التبرعات لإدامة تشغيل هذه المؤسسة.
أما ألمانيا فقد انتشر مبكراً ما يسمى (Collegia Musica)،وقد ظهر هذا الشكل بعد انتشار البروتستانتية، وهو تجمع للموسيقيين المحترفين والهواة من أجل تقديم الموسيقى في المقاهي على الأغلب. وقد أسس فيليب تلمان تجمعاً موسيقيا في لايبسيج سنة 1700، قاده من بعده باخ بين 1729 – 1737 في مقهى تسيمرمان. وهناك قدم باخ كانتاتا القهوة المكتوبة خصيصاً للمقهى.
وتميزت فرنسا بما اسمي (Concert Spirituel) التي كانت سلسلة من الحفلات الموسيقية بدأت في 1725 كرد فعل لإيقاف نشاط دور الأوبرا خلال المواسم الدينية الكاثوليكية، بالخصوص الصوم الكبير والفترة السابقة لعيد الميلاد. وذكرت قبل أسبوعين أن أولى الحفلات العامة التي قدمتها فرقة البلاط السويدي كانت سنة 1731.
وقد انتشر في كل أوروبا عدد من “مقاولي أو متعهدي الحفلات” الذين حملوا التسمية الإيطالية (Impressario)، وكانوا يتعاقدون مع الموسيقيين والمؤلفين ويقيمون الحفلات للراغبين على أساس الاشتراك، وكان هذا أمراً معتاداً قام به هندل، ووصل هايدن إلى انكلترا مرتين عن طريق المتعهد.
وهكذا بدأ هذا النمط من الحفلات بالانتشار في أوروبا، حتى أخذت الطبقة المتوسطة وطبقة الرأسماليين بالنمو وبدأت الثورة الصناعية فازداد الطلب على هذا النوع من التسلية تدريجيا حتى ظهرت أولى الفرق الموسيقية المستقلة، مثل فرقة جيفاندهاوس في مدينة لايبسيج التي تأسست سنة 1743 بهدف تقديم الحفلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى