نجم والي: اخترعتُ بغداد كي أستعيدها

علاء المفرجي
ثمة مدن نسكنها، ومدن أخرى تسكننا. وثمة مدن لا تبدأ علاقتنا بها من لحظة الوصول إليها، وإنما تولد قبل ذلك بكثير، في الحكايات والصور والذاكرة العائلية، وفي ذلك الخيال الغامض الذي يجعل المكان حلماً قبل أن يصبح واقعاً. ولعل بغداد، أكثر من سواها، واحدة من هذه المدن التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح فكرة وذاكرة وحكاية، بل وأسطورة متجددة في المخيلة العراقية والعربية والعالمية.
من هنا تأتي أهمية كتاب الروائي العراقي نجم والي «اختراع بغداد»، الذي تصدره دار المدى في طبعة جديدة، بعد أن صدر للمرة الأولى بعنوان «بغداد: سيرة مدينة» عن دار الساقي عام 2015.
في هذا الحوار، يعود نجم والي إلى بغداد التي كتبها، وإلى الأسباب التي جعلته يختار كلمة «اختراع»، وإلى العلاقة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ، وبين المدينة التي عاشها والمدينة التي تخيله
قلتَ مرة إنك ستعود حتمًا إلى عنوان «اختراع بغداد» في طبعة جديدة. هل كنت تعرف منذ البداية أن جوهر الكتاب ليس استعادة بغداد كما كانت، وإنما اختراع بغداد التي تشكلت في مخيلتك؟
منذ البداية كنت أعرف أن الكتاب لا يستعيد بغداد كما كانت، فأنا لست من كتّاب الحنين إلى «الزمن الجميل»، ولا أبكي على طلل. المدن لها زمنها وتجربتها الخاصة، وحين نتذكرها لا نستعيدها كما كانت، بل نعيد اختراع صورتها في داخلنا. لذلك لم تكن «سيرة مدينة» (الساقي 2015) ولا «ذكريات مدينة عالمية» (هانزر 2015) مجرد استعادة للماضي، بل صورتي الخاصة لبغداد، التي لم يستطع البعد ولا السنين مصادرتها. يكفي أن تُذكر بغداد حتى تتشكل لها صورة في المخيلة، حتى لدى من لم يرها. هكذا اخترعها الشعراء والرحالة والغرباء عبر العصور، وحمل كل واحد منهم بغداد التي تخصه. وقد تخيلها أبو العلاء المعري كأنها كائن إنساني، بينما كتب غوته أن بغداد ليست بعيدة عن العشاق رغم أنه لم يرها. أما جون دوس باسوس فرأى في اسم بغداد نفسه نغمة خاصة.
ولذلك أسعدني أن تعيد دار المدى نشر الكتاب بعنوانه الأصلي: „اختراع بغداد».
في الكتاب لا تبدو بغداد مجرد مدينة جغرافية، بل مدينة تتشكل في الذاكرة قبل أن يصل إليها الإنسان. متى بدأت بغداد بالنسبة إليك؟ حين سكنتها، أم حين سمعت عنها وأنت طفل؟
بدأت بغداد بالنسبة إليّ قبل أن أسكنها، منذ أن سمعت بها وأنا طفل. كانت ذاكرة ومرآة وطريقاً يصل بين الأجيال. ولعلها أخذت شيئاً من روح دجلة الذي يمر بها، ذلك النهر الذي يمضي ولا يلتفت. يمكن أن نقول الشيء نفسه عن بغداد: تمضي، وتعيد اختراع نفسها باستمرار. وربما لهذا أصررت على الدراسة في جامعتها، رغم قرب جامعة البصرة إلى العمارة، ورغم بيت أجدادي هناك.
تحدثت عن بغداد التي صنعتها لك الحكايات، وعن الأب الذي كان طريقه إليها يسبق انتقال العائلة. إلى أي حد كان الغياب أول من اخترع بغداد بالنسبة إليك؟
- كان الغياب هو البداية. كلما غاب أبي إلى بغداد، ذهبت معه في خيالي. كنت أتخيله يمسك بيدي، وأتجول معه في شوارعها وأسواقها. في ليالي الشتاء كنت أرسم خرائطها على سقف الغرفة، وفي ليالي الصيف كانت السماء شاشة واسعة تتسع لخيالاتي. وهكذا صنعت لنفسي خريطة صغيرة لبغداد، على قدر ما يستطيع طفل مثلي أن يتجول فيه. والمفارقة أنني، رغم فرحي بعودة أبي، كنت أتمنى أحياناً، بعد أيام قليلة، أن يسافر من جديد، كي أستعيد بغداد التي اخترعتها على هواي.
وهل كانت بغداد التي دخلتها في طفولتك مطابقة لبغداد التي بنيتها في خيالك أم أن المدينة الواقعية خيّبت المدينة المتخيلة أو صححتها؟ - لم أشعر يومها بوجود فرق بين الخيال والواقع. الطفل لا يقارن بينهما، يعيش اللحظة، وكل اكتشاف جديد بالنسبة إليه اختراع جديد. لذلك حين دخلت بغداد للمرة الأولى، لم أشعر بأن المدينة خيبت صورتي عنها، بل بدا الواقع امتداداً لذلك الخيال. كنت مثل من يلتقي شخصاً عرفه طويلاً عبر الرسائل، اللقاء لا يلغي ما سبق، بل يضعه أمام تجربة جديدة. وأظن أن الذي ربح الرهان في تلك الرحلة لم أكن أنا، بل بغداد نفسها.
تقول إن شارع الرشيد كان «كل بغداد» بالنسبة إليك في مرحلة مبكرة. كيف استطاع شارع واحد أن يختزل مدينة كاملة في ذاكرة طفل؟ - لأن أبي قال لي يومها، ونحن في بغداد، إن عليّ أن أرى بغداد، ثم أخذني إلى شارع الرشيد. ترسخت في ذهني منذ ذلك الحين فكرة طفولية مفادها أن بغداد وشارع الرشيد اسمان لشيء واحد.
كنت أرى المدينة من خلال أماكن قليلة، لكنها اتسعت في مخيلتي حتى أصبحت عالماً كاملاً. ولهذا كنت أقول لمن يزور بغداد ولم يمر بشارع الرشيد: أنت لم تر بغداد بعد.
كان ذلك بالطبع تهويم طفل، لكنه ترك أثراً عميقاً في ذاكرتي. فالأماكن التي رأيتها آنذاك، حتى تلك التي اندثرت لاحقاً، ظلت شاهدة في داخلي على تحولات الشارع والمدينة والمجتمع. ومن خلالها أصبحت أرى تاريخ بغداد لا بوصفه تاريخ الأمكنة وحدها، بل تاريخ البشر الذين عاشوا فيها أيضاً.
لو طلبت منك اليوم أن ترسم «خريطة نجم والي» لبغداد، ما الذي سيبقى فيها حتماً، وما الذي ستكتشف أنه كان من اختراع الذاكرة؟ - ربما لن أستطيع الفصل بين الاثنين. فخريطة الذاكرة لا تطابق خريطة المدينة، وما يبقى فيها ليس بالضرورة ما بقي في الواقع. بعض الأماكن اختفت، لكنها ظلت حاضرة في داخلي، وربما أصبحت أكثر حضوراً بعد غيابها. ولليوم لا يمكنني تخيل بغداد بدون اسطوانات جقمجي، وبدون اسواق حسو، بدون بار شريف وحداد، مقهى البرلمان، وسكننا كطلاب في الحيدرخانة، بدون حانات أبي نؤاس ومطاعم السمك الطري المسقوف، وليس سمك السمتي المسموم اليوم.
هل يمكن أن تكون المدن التي نفقدها أكثر حضوراً فينا من المدن التي ما زلنا نعيش فيها؟ - نعم، ربما لأن فقدان المدينة يشبه فقدان البيت. وحين يفقد الإنسان بيته، يبدأ في بنائه من الأشياء الصغيرة التي تبقى معه: رائحة خبز، صوت أم، شجرة رمان، صوت المطر على السقف، نسمة ربيع، أو قطعة موسيقية ارتبطت بلحظة وجد. من هذه التفاصيل الصغيرة يعيد الإنسان بناء المكان الذي فقده، فيصبح الغياب نفسه شكلاً آخر من أشكال الحضور.
بغداد مدينة اخترعها كثيرون قبلك: المؤرخون والشعراء والرحالة والمستشرقون والحكام وأصحاب «ألف ليلة وليلة». أين تقع «بغدادك» وسط هذه البغدادات المتعددة؟ - بغداد هي كل ذلك. بالنسبة إليّ هي البيت الذي يأوي البغدادات المتعددة، بما فيها بغداد التي صنعتها أنا. والبيت لا تكمن قيمته في جدرانه وحدها، ولا في كونه يحمينا ويؤوينا، بل في ما يودعه فينا، رويداً رويداً، من عذوبة وذكريات وأحلام. تلك المدخرات التي تستقر في أعماق القلب، ثم تعود إلينا، بعد سنوات، كما لو أنها ماء نبع. لهذا لا أستعيد بغداد كما كانت، أنا أستعيد بغداد كما بقيت في داخلي، وكما واصلت اختراع نفسها في ذاكرتي.
إلى أي حد كان عليك أن تختار بين المؤرخ الذي يريد توثيق المدينة، والروائي الذي يريد تحريرها من الوثيقة؟ - لم أشعر أن عليّ الاختيار بينهما. كنت أريد للوثيقة أن تكون حاضرة، لكن من دون أن تتحول إلى قيد. المؤرخ يبحث عن المدينة كما كانت، أما الروائي فيبحث عما تركته المدينة في الذاكرة والخيال. وأنا كنت معنياً بالاثنين معاً: بالمدينة التي يمكن توثيقها، وبالمدينة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالخيال.
وهل شعرت أحياناً بأن الرحالة الغربي اخترع بغداد أكثر أسطورية من بغداد التي يعرفها أهلها؟ - بالتأكيد. كثير من الذين جاؤوا إلى بغداد حملوا معهم بغداد التي عرفوها من الحكايات، قبل أن يروا بغداد الواقعية. كانت المدينة بالنسبة إليهم امتداداً لعالم «ألف ليلة وليلة»، ولذلك دخلوا إليها وهم يبحثون عن صورة سبق أن تشكلت في مخيلتهم.
وحين اصطدمت تلك الصورة بالمدينة الحقيقية، ظلت بغداد، في جانب منها، غريبة عنهم. وربما كلما طال مقام بعضهم فيها، ازداد الفارق بين المدينة التي رأوها والمدينة التي تخيلوها.
هل كان هدفك أن تستعيد بغداد من عين الآخر، أم أن تضع صورتين متناقضتين لها جنباً إلى جنب وتترك القارئ يحكم؟
نعم، أردت أن أضع الصور جنباً إلى جنب. بغداد التي يراها أهلها، وبغداد التي يراها الغرباء، وبغداد التي تصنعها الحكايات. لا أريد أن ألغي صورة لحساب أخرى، فكل واحدة منها تكشف جانباً من المدينة، وربما لا تكتمل بغداد إلا بهذا التعدد.
ولعل المفارقة أن الغرباء الذين حلموا بدخول بغداد حملوا صورة صنعتها الحكايات والكتب، لكنهم حين وصلوا وجدوها مدينة أخرى، حقيقية بناسها وبيوتها وشوارعها. وظل الصراع قائماً بين بغداد الواقعية والمتخيلة، حتى بدت عصية على أن تكون مدينة واحدة في المخيلة. وكتابي هو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس الأماكن وحدها، وإنما صورتها قبل أن يمحوها الزمن.
قلت في حديث سابق إن رؤية شارع الرشيد على حاله الراهنة ما زالت تسبب لك ألماً شديداً. هل كان الكتاب، في جانب منه، محاولة لإنقاذ الأماكن من هذا المصير؟ - نعم. كما ارتبط شارع الرشيد في طفولتي ببغداد، بكل ما فيها من بهاء واقعي ومخترع، أصبح اليوم، بما أصابه من خراب، رديفاً لخراب بغداد في ذاكرتي. كان الشارع حاضنة للحرف والمهن والأصوات والناس، وما لم يتسع له أرسله إلى توأمه، شارع النهر. واليوم يحمل الشارعان في خرابهما شيئاً من خراب الذاكرة العراقية والبغدادية.
تحدثت فرجينيا وولف عن «الغرفة الخاصة» بوصفها شرطًا للكتابة، وربطت بين امتلاك الكاتبة فضاءها الخاص وحريتها وقدرتها على الكتابة. بالنسبة إليك، تبدو الغرفة الخاصة مرتبطة ببغداد، بالكتابة وسعادتها، وبالصداقات أيضاً. هل تستطيع أن تتخيل غرفة لك من دون بغداد؟ - بعد فترة قصيرة من إقامتي في بغداد، اكتشفت أنني هناك سأبدأ حياة الكاتب الذي كنت أريد أن أكونه. وأقول «اكتشافاً» لا «اختراعاً»، لأن النظام الذي قررت أن أضعه لنفسي لم يكن غريباً عني، كأنني كنت أعرفه قبل أن أعي أنني أعرفه.
ولكي يصبح المرء كاتباً، عليه أن يثابر. الموهبة تأتي أولاً، لكنها لا تنمو من تلقاء نفسها، لا بد من تدريبها، إن لم يكن يومياً، فعلى الأقل من وقت إلى آخر، من دون أن تفصل بين التمرين والآخر مسافات طويلة. كنت أرى كثيراً من كتّاب جيلي ينشرون كتاباً ثم يتوقفون. وأنا لم أرد أن أعيش على مجد قديم. أردت أن أكون الكاتب الذي ينتظر منه قراؤه كتاباً جديداً، لا كاتباً وحسب، بل كاتباً صاحب مشروع. وكان الحصول على غرفة في شارع الرشيد خطوتي الأولى في ذلك الاتجاه. تقاسمتها في البداية مع طالبين من العمارة، ثم سافرا في بعثة إلى سكوبيا، فترسخ في داخلي شعور بأنني مقبل على حياة أخرى.
حتى ذلك الوقت، لم تكن لك غرفة خاصة؟ - كلا. في بيت أهلي كانت أخواتي الثلاث ينمن في الغرفة نفسها التي كان يتقاسمها معنا جدي وجدتي. لذلك، حين أصبحت لي غرفة في بغداد، استطعت للمرة الأولى أن أقول: هذه غرفتي.
كنت أدفع إيجارها، ستة دنانير شهرياً، نحو عشرين دولاراً آنذاك، على ما أذكر. هذا سريري، هذه كتبي، وهذه مساحتي. صار بإمكاني شراء ما يعجبني من الكتب، ودعوة من أشاء. جاءني أصدقاء كثيرون، حتى أبي زارني ذات يوم ونام على سريري، بينما افترشت أنا الأرض.
هنا فهمت تماماً ما كانت فرجينيا وولف تعنيه بالغرفة الخاصة. في زمنها، كان امتلاك امرأة مساحة تخصها أشبه بالترف المستحيل. وأنا، الذي نشأت في مجتمع بطريركي، لا أملك إلا أن أتفهم فكرتها. وأعتقد أنني، أنا الآخر، ما كنت لأواصل الكتابة من دون تلك الغرفة.
كيف كانت الغرفة؟ - كانت جزءاً من خان كبير يسكنه طلاب وموظفون وجنود قدموا من مدن مختلفة. في زقاق صغير خلف مطعم جميلة، قبالة تمثال معروف الرصافي. كانت غرفتي إلى اليمين بعد دخول الخان.
اليوم، حين أستعيدها، أراها أكثر من مجرد مكان. كانت الخطوة الأولى في الطريق إلى الكاتب الذي أصبحت عليه، منحتني استقلالاً صغيراً، ومنحتني أيضاً إحساساً بأنني أعيش حياة الكاتب التي كنت أقرأ عنها وأحلم بها.
في الكتاب يحضر «الجيل الضائع» الأميركي وحياته في باريس. بغداد وباريس، ما العلاقة؟ - كنت قد قرأت كثيراً عن أولئك الكتّاب، وأدرك الآن أن الصورة التي حملتها عنهم كانت رومانسية أكثر مما ينبغي. لكن شاباً يريد أن يصبح كاتباً ويصل إلى بغداد في سبعينياتها، بغداد الضاحكة رغم كل ما فيها من نكد، لا بد أن يغذي تلك الرومانسية. كنت أقول لنفسي: أنا أيضاً واحد من الجيل الضائع، «اللوست جينيريشن» العراقيين.
كنت أرى في همنغواي نموذجاً لذلك الكاتب الذي صنع لنفسه نظاماً: يكتب صباحاً في مقهى، ثم يعود إلى حياته بعد الظهر، ويتنقل بين الأسواق والحانات والأصدقاء. أما أنا، فكانت لدي مشكلة صغيرة: الكلية. كنت أعود بعد الثانية ظهراً، ولذلك عكست نظام همنغواي: كنت أكتب ليلاً.
وكان الخان يساعدني على ذلك. في الليل يهدأ كل شيء، ويعود كل واحد إلى غرفته، وحتى في ليالي الصيف، حين كان الجميع ينامون في صحن الخان، كان الصمت يجعل الكتابة ممكنة.
وماذا منحتك جولاتك في أحياء بغداد القديمة؟ - هناك تعلمت درساً مهمًا للكاتب: يكفي أن ترمي حجراً حتى تقع على قصة. كل مكان قصة، وكل إنسان قصة. وجوه الناس تشبه لحاء شجرة قديمة حفر الزمن فوقه عشرات الحكايات. إذا تأملت الوجوه العابرة في السوق، ستكتشف وراء كل وجه قصصاً لا تنتهي. كان ذلك أهم ما تعلمته من بغداد.
واليوم، هل اختلف نظام الكتابة لديك؟
اليوم أكتب من الصباح حتى الثانية ظهراً. أما آنذاك، في غرفتي البغدادية، فكنت أبدأ ليلاً وأكتب حتى الواحدة ليلاً. وكان مساء الثلاثاء استثناءً، أخصصه لاتحاد الأدباء في ساحة الأندلس، قبل أن تدخل إلى حياتي لاحقاً نوادٍ وحانات أخرى. إذا كانت الغرفة هي الخطوة الأولى في رحلة الكاتب الذي أردت أن أصبحه، فإن اتحاد الأدباء كان الخطوة الثانية.
كيف غيّر المنفى المسافة بينك وبين بغداد؟ هل جعلك أكثر قدرة على رؤيتها، أم أكثر عرضة لاختراعها؟ - المنفى قرّب بغداد مني أكثر مما أبعدني عنها. جعلني أكتشف تفاصيل صغيرة كانت نائمة في الذاكرة، وأخرجها من بئر النسيان. بعد المسافة أدركت أن كثيراً مما قيل عن بغداد لم يكن متعلقاً بالمدينة الواقعية وحدها، بل ببغداد التي يصنعها الخيال. وربما لم تكن هناك بغداد واحدة أصلاً، فكل حكاية كانت تكشف جانباً لا تعرفه الحكاية الأخرى.
وهذا ليس خاصاً بي. البشر جميعاً يرسمون خرائطهم في المخيلة، ثم يصطدمون، عندما يصلون إلى المكان، بواقعه ويسألون: أهذه هي المدينة التي تخيلناها؟
وأنا، مثل أي طفل، لم أكن أعرف معنى الجغرافيا أو المسافة أو الحدود. كنت أعرف بغداد من خلال الحكاية، ولذلك كانت الحكاية، بالنسبة إليّ، خريطة المدينة الأولى
في الكتاب تدخل تفاصيل شديدة الخصوصية: الحب الأول، البدايات الأدبية، السجن، والخروج من العراق. لماذا احتاجت سيرة المدينة إلى كل هذه التفاصيل من سيرة نجم والي؟ - لأنني مدين لهذا النجم، الذي أصبحتُه اليوم، إلى بغداد. سيرتي هي، في جانب كبير منها، سيرة المدينة وصيرورتها. المكان ينتصر في النهاية، فمن دون بغداد ما كنتُ أنا كما أنا.
حتى تلك التخيلات الأولى التي صنعتها وأنا طفل، أراها الآن كأنها بروفات مبكرة للروائي الذي سأكونه. كنت أتعلم، من دون أن أدري، كيف أصنع عالماً من التفاصيل والغياب والذاكرة.
في الكتاب تصف بدقة صورة تخيلاتك عن المدينة، ثم تقول إنك كنت تعود وتصطدم بالواقع. كيف حدث ذلك؟ - كانت أجمل لحظات تخيلي للمدينة حين بدت لي غامضة؛ فكان الخيال سلاحي في مواجهة الغموض والخوف. كنت أريد لأبي أن يعود سالماً، وأن أكون معه، لذلك صنعت في مخيلتي مدينة مثالية تتسع لحريته وأحلامه، وتمنحه الفرح والشعور بأنه إنسان؛ مدينة فيها دور السينما والموسيقى والمقاهي والمدارس والمكتبات، ويجد فيها الأطفال فسحة للعب والتعلم والحلم.
كنت أبني بغداد من الصور القديمة، والأفلام والمجلات التي يجلبها أبي، والأغاني والحكايات وأصوات الراديو. ولم أدرك آنذاك أنني لا أبني مدينة من فراغ، بل أجمع قطعاً من الواقع وأعيد تركيبها في مدينة من الخيال. وحين رأيت بغداد للمرة الأولى، لم تهدم المدينة الواقعية ما بنيته في داخلي، بل دفعتني إلى مواصلة البناء. أدركت أن الخيال لا يناقض الواقع، بل يحتاج إليه، وربما كانت تلك أولى بروفاتي ككاتب: أن أعيد للمدينة حياتها، وأن أبني عوالم أخرى من وقائع ألتقطها من الحياة. ومنذ ذلك الحين أدركت أن التخيل وسيلتنا الأعمق للبقاء، بل إن التخيل هو الحياة نفسها.
تتحدث أيضاً عن محنة اعتقالك في زنازين مديرية الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع في باب المعظم. وأنت تخترع بغداد، هل تخيلت أن مدينتك المثالية ستتحول يوماً إلى معتقل؟ إلى ثكنة؟ - أبداً، لم أتخيل يوماً أن تتحول مدينتي المثالية إلى معتقل وثكنة. في شباط 1980 وجدت نفسي داخل زنزانة في بغداد، في قبو تابع للاستخبارات العسكرية، لا يعرف بي أحد، ولا أعرف إن كنت سأغادره حياً أم ميتاً. من كان يتخيل أن جامع الأزبك التاريخي، الذي تقدم وزارة الدفاع في بغداد، سيكون واجهة لسراديب التعذيب التابعة للاستخبارات العسكرية؟ والأكثر رعباً أن المكان كان قريباً من الطريق الذي أسلكه يومياً من الجامعة إلى شارع الرشيد. هناك اكتشفت معنى الوحدة والخوف، وكان عزائي الوحيد أن لبغداد أسراراً لا أعرفها.
وحين خرجت من الزنزانة مع ستة جنود، أدركت أن أعظم إنجاز في „بلاد وادي الخرابين” هو أن تبقى على قيد الحياة. المفارقة أن السجن لا يزال قائماً، ففي 2016 مررت به، ولوتار غوريس، صحفي ألماني من مجلة شبيغل، أراد التجول معي في بغداد على خطى „اختراع بغداد”. وحين أراد الصديق محمود رؤوف مصور المدى، أخذ صورة، رأينا جندياً واقفاً على سطح وزارة الدفاع يصوب رشاشته نحونا
تخيل الأماكن الجميلة تمحى في بغداد لكن السجون والثكنات باقية.
والآن ما بغداد التي تتمنى أن يرثها أطفال العراق من كتبك: بغداد التاريخ، أم بغداد الذاكرة، أم بغداد المستقبل - بغداد المستقبل. بغداد التي أتخيل صورتها بعد 30 أيلول/سبتمبر 2026، بعد يوم غد، هي كل هذا الذي احتفظت به منذ الطفولة. لم تتبدل، هي نفسها: بغداد الأحلام. بغداد الخالية من السلاح. من المعتقلات. بغداد السلام وحسب..



