ثقافة وفن

هل اختفى النقد من المشهد الثقافي العراقي ؟

علاء المفرجي

شهدت الساحة الأدبية خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في طبيعة العلاقة بين النص الأدبي والنقد الذي يواكبه. فبعد أن كان النقد جزءاً أساسياً من الحياة الثقافية، وحاضراً في الصحف والمجلات والملحقات الثقافية، وملازماً لحركة الشعر والرواية والقصة والنصوص النثرية، يبدو أن حضوره أخذ بالتراجع، أو على الأقل لم يعد بالزخم والتأثير اللذين عرفهما في مراحل سابقة. ولم يعد صدور ديوان شعري أو رواية أو مجموعة قصصية جديدة يعني بالضرورة أن تثير هذه الأعمال نقاشاً نقدياً واسعاً، أو أن تحظى بقراءات جادة تكشف جمالياتها وأسئلتها ومواطن قوتها وضعفها.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين ذهب النقد الأدبي؟ وهل نحن أمام تراجع حقيقي في الممارسة النقدية، أم أن النقد أخذ أشكالاً جديدة لم ننتبه إليها بعد؟ وهل عزف النقاد عن متابعة المنجز الشعري والنثري، أم أن طبيعة الكتابة الجديدة نفسها أصبحت أكثر استعصاءً على الأدوات النقدية التقليدية؟
لقد تغير المشهد الأدبي والثقافي كثيراً. فالنص لم يعد محصوراً في الكتاب الورقي، والقارئ لم يعد يتلقى الأدب بالطريقة ذاتها التي كان يتلقاه بها في العقود الماضية. ظهرت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، واتسعت مساحة النشر الإلكتروني، وأصبح الكاتب قادراً على الوصول إلى جمهوره مباشرة من دون المرور بالمؤسسات الثقافية التقليدية. وفي المقابل، تراجعت مساحة الصفحات الثقافية في بعض الصحف والمجلات، وانحسر النقاش الأدبي المتخصص أمام سطوة الخبر الثقافي السريع والمراجعات المختصرة والانطباعات التي تنتشر عبر المنصات الرقمية.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بتغير وسائل النشر والتلقي. فثمة أسئلة أخرى تتصل بالنقد نفسه: هل استطاع النقد الأدبي أن يطوّر أدواته بما ينسجم مع التحولات التي طرأت على الشعر والرواية والقصة؟ وهل ما زال الناقد يمتلك الوقت والمساحة والحضور اللذين يسمحان له بقراءة الأعمال الجديدة قراءة متأنية؟ أم أن النقد الأكاديمي، بانشغالاته ومصطلحاته، ابتعد شيئاً فشيئاً عن القارئ والكاتب معاً؟ ثم هل أصبح بعض النقد أسيراً للمجاملات والعلاقات الشخصية، الأمر الذي أضعف ثقة الأدباء بالقراءة النقدية الجادة؟
وفي الجهة الأخرى، ربما يكون من الضروري مساءلة الأدباء والكتّاب أنفسهم: هل تغيرت علاقتهم بالنقد؟ وهل ما زالوا ينظرون إلى النقد بوصفه شريكاً ضرورياً في بناء تجربتهم وتطويرها، أم أصبحوا أكثر ميلاً إلى تلقي الإطراء والاحتفاء من القراءات النقدية التي قد تكشف مواطن الضعف والخلل في أعمالهم؟
من هنا يأتي هذا الاستطلاع ليفتح نقاشاً مع عدد من الأدباء والكتّاب حول واقع النقد الأدبي اليوم، وأسباب تراجع حضوره في مواكبة النصوص الشعرية والنثرية، وما إذا كان الأمر يتعلق بأزمة في النقد وأدواته ومؤسساته، أم بتحولات أعمق أصابت الكتابة والذائقة ووسائل التلقي والمشهد الثقافي برمته. كما يسعى الاستطلاع إلى معرفة ما إذا كان النقد بحاجة إلى استعادة دوره التقليدي، أم إلى إعادة تعريف وظيفته وأدواته لكي يكون قادراً على قراءة الأدب الجديد ومواكبة تحولاته.
الناقد علي حسن الفواز: الظاهرة تتعلق بتّضخم النشر بعيدًا عن المعايير التي كانت تعتمدها دور النشر الرصينة
لا اعتقد أن هناك انحسارًا كبيرا للنقد الأدبي في مواكبة ما تصدره المطابع من كتب في مجالات الأدب والمعرفة المتعددة، لكن رغم ذلك فإن لهذه الظاهرة أسبابًا كثيرة، منها ما يتعّلق بتّضخم النشر بعيدًا عن المعايير التي كانت تعتمدها دور النشر الرصينة، فضلا عن الزيادة المفرطة في دور النشر ذاتها، والتي تحولت الى “دكاكين” تجارية، لا شأن لها بالجودة المعرفية والقيمة الفنية، ومنها ما يتعلق بسياسات الصحف اليومية والدوريات الثقافية، وحتى بالبرامج الثقافية في القنوات الفضائية، حيث باتت المتابعة النقدية محدودة وبعيدة عن العناية والاهتمام، وكذلك غياب تقاليد كانت تعمد اليها “الصفحات الثقافية” من خلال تكليف النقاد بكتابة متابعات “مختصرة” عن الكتب الجديدة، وتعريف القراء بها، وصولا الى غياب “المحرر” الثقافي في دور النشر، واعتماده في ترسيم سياساتها الداخلية، وفي ضبط إيقاع “فوضى النشر” فضلا عن غياب تقاليد أخرى كانت تعتمدها، من خلال ارسال نسخ من الكتب التي تصدرها الى عدد من النقاد، وبغاية الكتابة عنها..
هذه الإشارات ليست بعيدة ايضًا عن طبيعة ما نعيشه من تحولات ثقافية صادمة، ومن عزلات ثقافية، تتضخم فيها الاخوانيات في الدعوات والمشاركات في الفعاليات النقدية، حتى بدا الأمر وكأن مشهدنا الثقافي يعاني من شيخوخة ثقافية، فضلا عن تضخم ظاهرة “التنظير” شبه الاكاديمي، والتّوهم بأن “بطولة التنظير” ستكون علامة على التفوق الثقافي مقابل الرثاثة في محدودية التعاطي مع النصوص والكتب بوصفها المجال التجريبي لاختبار المعرفة النقدية، ومدى نجاعة تلازمها مع المناهج والتنظيرات الحديثة..
الروائي محمد حيّاوي: انتشار دور النشر التجارية التي تسعى لتحقيق الربح، ليس من مبيعات الكتب
انحسار النقد الأدبي عن مواكبة النصوص الإبداعية يعود إلى عوامل عدّة في الحقيقة، فباستثناء أزمة النقد المنهجية نفسها، هناك قضية التغيرات الجذرية الحاصلة في مفهوم الكتابة بسبب دخول العامل الرقمي والتطورات التقنية وطبيعة العلاقة بين الكاتب والقرّاء في ضوء هذه المتغيرات. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي إمكانية النشر السريع والسهل، من دون اشتراطات فنية، وبالتالي تغير السلوكيات الكتابية، وهذ العامل بدور أدى إلى انتشار الكتابة ما يمكن تسميته بالأدب الرقمي السريع، السطحي والخاطف، الذي لا يقدم إبداعًا محضًا، بل متعة خاطفة وإدهاشًا عابرًا. إنّ هذه الظاهرة جعلت النقد، لاسيّما المخلص منه للتقاليد الأدبية الكلاسيكية، يقف عاجزًا، أو مندهشًا أمام تلك الصدمة، إذ لم يتمكن النقد (الجاد) من التأقلم ـ منهجيًا ـ مع تلك المتغيرات المتسارعة.
لقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات ووسائل النشر الذاتي لكل كاتب نشر نصوصه من دون الحاجة إلى دور نشر أو مجلات وصحف ثقافية، الأمر الذي أدى إلى انتشار كم هائل من (الأدب) غير الخاضع للمعايير النقدية والفنية، والتجارب الشعرية والسردية الركيكة.
مقابل هذا كله شهدت المطبوعات الثقافية الدورية (الورقية) الرصينة والملاحق الأدبية في الصحف الورقية، والتي كانت تشكل الحاضنة الأساسية للنقد، بسبب النشر الإلكتروني، كما تراجع انتشار الكتاب الورقي.
عامل آخر مهم هو انتشار دور النشر التجارية التي تسعى لتحقيق الربح، ليس من مبيعات الكتب، بل من استلاب المال من الكثير من الموهومين والساعين لدخول عالم الأدب، من دون موهبة أو تجربة أو امتلاك الأدوات الإبداعية.
في المحصلة، فأنّ الأزمة ناتجة عن تداخل الطفرة الرقمية المتسارعة التي غيرت مفاهيم القراءة والكتابة وحتى التلقي.، وطغيان الحس التجاري، وعجز النقد عن مواكبة المتغيرات في تلك العلاقات.
الروائي عبدالهادي سعدون: لا يمكن تحميل النصوص الجديدة وحدها مسؤولية هذا التباعد.
الحديث عن انحسار النقد الأدبي عن مواكبة النصوص لا يمكن اختزاله في القول بوجود «أزمة نقد»، كما لا يمكن تحميل النصوص الجديدة وحدها مسؤولية هذا التباعد. المسألة، في تقديري، ترتبط بتحولات أوسع طالت الكتابة وطرائق التلقي والمشهد الثقافي عموماً. لقد شهد الأدب العراقي والعربي خلال العقود الأخيرة اتساعاً كبيراً في التجارب والأجيال والأسماء، وتجاوزت كثير من النصوص الحدود التقليدية بين الشعر والسرد، وبين الذاتي والعام، وبين المحلي والعالمي. لذلك أؤمن بأن النص الجيد هو الذي يفرض شكله وأدوات قراءته، وأن تغير الكتابة يستدعي بالضرورة تغير أدوات النقد ومناهجه. المشكلة أن جزءاً من النقد ما زال يتعامل مع النصوص الجديدة بأدوات جاهزة ومقولات مسبقة، في حين تحتاج هذه النصوص إلى ناقد واسع الاطلاع، قادر على متابعة تحولات الأدب وانفتاحه على الثقافات واللغات والتجارب المختلفة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تغير المشهد الثقافي نفسه؛ فكثرة الإصدارات وسرعة النشر والتداول ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت متابعة الإنتاج الأدبي أكثر صعوبة، وأضعفت مساحة القراءة المتأنية التي يحتاجها النص الجاد. لذلك لا أرى أننا أمام موت النقد أو غيابه، بل أمام فجوة بين سرعة تحولات الإبداع وسرعة استجابة النقد لها. كما تتحمل المؤسسات الثقافية والإعلامية ودور النشر والمجلات مسؤولية توفير بيئة حقيقية للحوار النقدي. إذا كانت هناك «أزمة»، فهي أزمة علاقة بين النص والناقد والقارئ والمؤسسة الثقافية، وليست أزمة النقد وحده. وحين تتغير الكتابة، ينبغي أن تتغير القراءة والنقد معها؛ فالمطلوب ليس إعادة النصوص إلى القوالب القديمة، بل أن يغامر النقد نفسه بابتكار أدوات جديدة تواكب ثراء الإبداع وتنوعه وغزارته.
الناقد محمد جبير: يجب أن لا نرمي الاسباب على هذا الجانب او ذاك فالمسؤولية تقع على الجميع
ارى في السؤال إقرار ضمني بانحسار النقد وهذا فيه الكثير من التجني على الجهد النقدي العراقي في رصده للتحولات الثقافية والابداعية وفي قراءة النصوص شعرا ونثرا، لكن هذه الاصوات التي تدعي الانحسار تعود الى الكتباء ممن وجدوا في حرية النشر وا ستسهال نشره عبر دكاكين النشر بابا للحضور في المشهد الإبداعي ادى الكم الهائل للكتباء الى عزوف المتلقي وصار هؤلاء يذرعون شارع المتنبي ذهابا وايابا بحثا عن متلقي مجاني، هذا الامر لا يختلف كثيرا في المنظمات الثقافية او مؤسسات الدولة التي تعتى بالثقافة الا ما ندر ولنكن أكثر صراحة وموضوعية في مناقشة هذه الظاهرة ولا نرمي الاسباب على هذا الجانب او ذاك وانما
المسؤولية تقع على الجميع افرادا او مؤسسات في تفشي هذه الظواهر السلبية في الوسط الثقافي هذا هو الجانب المظلم من السؤال اما الجانب المشرق فيه هو وجود طاقات شبابية مبدعة تجاوزت إخفاقات الأجيال السابقة وقدموا أعمالاً إبداعية متميزة حققت حضورا في المحافل العربية مثلما حققت اعمال اخرى حضورها المتميز في الداخل وحظيت باهتمام نقدي متميز لأنها تستحق ذلك وهذه القلة القليلة من المبدعين هم ملح الابداع الذين يوكدون اصالة وتميز المنجز العراقي.
ن ما يقدم من كتابات ابداعية لجيل جديد من الكتاب الجدد يتميز بوعي عالي يضاهي المنجز الابداعي الاجنبي ولا يحتاج هذا المنجز سوى القليل من الاهتمام الابداعي والتسويق المنظم الذي يفتقده سوق انتاج الكتاب العراقي فيما يحاول بعض انكتاب وبمهارة عالية من تسويق نتاجهم بشكل فردي عن طريق الجوائز العربية او المحافل والمهرجانات العربية والدولية وهي خطوات في الطريق الصحيح لتسويق وانتشار المتاب الابداعي العراقي ويبقى على المؤسسات الثقافيّة الرسمية الاهتمام بترجمة هذه الاعمال الى اللغات الاجنبية وتفعيل دور الملحقيات في السفارات العراقية للتعريف بالأبداع العراقي.
الناقد أ.د.سعد التميمي: أن جانب من المسؤولية يقع على النقد نفسه؛ فقد انشغل بعض الخطاب النقدي بالتنظير المجرد.
أرى أن انحسار النقد الأدبي عن مواكبة النصوص الشعرية والنثرية في السنوات الأخيرة لا يمكن رده إلى سبب واحد، ولا يصح اختزاله في مقولة (أزمة النقد) وحدها؛ لأن ما حدث يرتبط، في جانب أساسي منه، بتحولات عميقة أصابت الكتابة نفسها، وأدوات تلقيها، والمؤسسات الثقافية التي كانت تنتج الخطاب النقدي وتمنحه حضوره.
لقد اتسعت أشكال الكتابة وتداخلت أجناسها، ولم تعد القصيدة والرواية والنص السردي تتحرك دائمًا داخل الحدود التي استقرت عليها المصطلحات النقدية التقليدية، كما أن التحولات الرقمية أوجدت نصوصًا سريعة التداول، تتشكل في فضاءات مفتوحة، وتستجيب لإيقاع ثقافي متسارع، الأمر الذي جعل الناقد أمام مادة أدبية متجددة تحتاج إلى أدوات مرنة تتجاوز القوالب الجاهزة.
ومع ذلك، فإن جانبًا من المسؤولية يقع على النقد نفسه؛ فقد انشغل بعض الخطاب النقدي بالتنظير المجرد، وأحيانًا باستعراض المصطلحات، أكثر من انشغاله بإنارة النص والكشف عن جمالياته وأسئلته العميقة، وتحول النقد، في بعض الحالات، من فعل قراءة واكتشاف إلى ممارسة وصفية أو أكاديمية مغلقة، بينما يحتاج النص الجديد إلى ناقد يغامر بالدخول إلى مناطقه المجهولة.
المشكلة، إذن، لا تنحصر في النقد، وإنما في اختلال العلاقة بين النص والنقد والمؤسسة الثقافية، فالنصوص الأدبية بأجناسها المختلفة كثيرة وتحتاج الى غربلة ، وهذه مهمة النقد فهو مطالب بأن يعيد بناء أدواته، وأن يستعيد صلته بالقراءة الحية، وأن يزاوج بين صرامة المعرفة وحساسية الذائقة، وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو أن نؤسس نقدًا يلاحق تحولات الكتابة لا ليحاصرها بالمصطلح، وإنما ليكشف ما تفتحه من آفاق جديدة للغة والرؤيا والإنسان.
الشاعر كريم جخيور: لجوء العديد من مدعي النقد وأشباه الكتاب للتكسب مقابل الكتابة !
ذا سؤال مهم، والموضوع الذي يعالجه يمثل ظاهرة أدبية تنبغي دراستها ومحاولة تلافيها لما تشكله من ضرر وآثار سلبية على المشهد الأدبي في العراق.بغياب النقد أو تراجعه ستختلط الأمور وقد يصعب على القراء التمييز بين الأدب الجيد والأدب الرديء أو اللا أدب. ومثل هذه الحالات، حالات التردي الأدبي وتسلق أشباه الكتاب وسراق الإبداع ومزوري النصوص الأدبية واعتماد المنفعة المالية أو الوجاهية والعلاقات الشخصية بمختلف أنواعها وسيلة للترويج لهذا وتجاهل ذاك مرض خطير نعاني منه ومنذ سنوات ويستفحل مع الزمن.
وأرى أن أهم أسباب انحسار النقد الأدبي عن مواكبة المطبوع الأدبي هي: 1

  • قلة عدد النقاد قياسا لعدد الأدباء. فأمام نشر آلاف الروايات بالعراق ليس لدينا من النقاد المؤهلين سوى عدد قليل جداً قد لا يتجاوز العشرين ناقداً! فكيف لهؤلاء وجديتهم أن يجاورا كم المطبوعات الروائية المتزايد.
    2- لجوء العديد من مدعي النقد وأشباه الكتاب للتكسب مقابل الكتابة !
    3- التأثر بالشهرة والجوائز في الكتابة!
    4- لأسباب واضحة تركيز عدد من النقاد وأشباه النقاد على الكتابة للنساء غالبا !
    5- العلاقات الشخصية وما يتعلق بها للكتابة عن هذا ونسيان غيره.
    6–عجز الموسسات الادبية عن التصدي لهذه المشكلة.
    ومن المهم ان نذكر مبادرة نقدية رائعة اقترحها الدكتور جعفر أحمد من نينوى وبالتنسيق مع الروائي جابر خليفة وقام بها نقاد أكاديميون من نينوى لدراسة نصوص سردية لأدباء من البصرة. وصدور كتاب عن هذه المبادرة التي تصلح ان تتخذها الموسسات الادبية والجامعات انمودجا لتنشيط الفعل النقدي الجاد.
    الشاعر ريسان الخزعلي: التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ، هي الأخرى ، قد أثّرت على الناقد
    لابد َّ من التأكيد بأن َّ النقد – الأدبي ، الثقاقي – ضرورة كضرورة النصوص الشعرية والنثريّة . وكلّما انوجد النص الإبداعي / الجيد يحضر النقد الذي يُفترض أن يكون جيّداً هو الآخر . والجيد هنا ، نقصد به ِ توافر النصوص على المقوّمات الفنيّة / الجمالية : اللغة ، البناء ، الصورة ، الرمز ، الإيحاء ، الموضوع ، التداخل مع الفنون ، التّماس مع الفكر والفلسفة ، التجربة ، الإنصات إلى التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية ، … إلخ . والنقد الجيد أيضا ً لابد َّ له ُ أن يقوم َ على مقوّمات تُمكّنه ُ من الكشف على سريّة الأبداع ، ومنها : الاطلاع على النظريات الأدبية والمناهج النقدية ، الثقافة الذاتيّة ، الحسيّة الذوقيّة والتذوّقية ، متابعة الانتاج الإبداعي ، القدرة على التحليل ، الوعي النقدي الكاشف ، الابتعاد عن كل ِّ ماهو اجتماعي في العلاقة بين الناقد ومنتج الإبداع ، .. إلخ .
    والسؤال ، هل أن َّ الإبداع موجود ..؟ هل أن َّ الناقد موجود ..؟ .. ، والإجابة ستُشير هنا ، إلى وجود الإبداع كمّا ً ، ونوعاً كامنا ً في هذا الكم ّ ، و إن َّ االنّقاد َ موجودون رغم قلّتهم مقارنة ً بكثرة المبدعين . إن َّ قلّة النّقاد ، وهي ظاهرة ليست بجديدة ، سيجعل متابعة الإنتاج الإبداعي الكمّي أو النوعي غير ممكنة بالحد ِّ المناسب . وهذا مؤشر أوّل على ظاهرة قلّة النقد وليس انحساره بالمطلق . ورغم هذه القلّة ، فإن َّ مايحصل من نقد لا يُشير إلى متابعة متوازنة منصفة مع الجميع ، وإنّما يشير على الأعم إلى انتقائيّة تحكمها العلاقة والمنفعة الشخصيّة بعيداً عن الموقف النقدي الخالص المنحاز للإبداع لا غيره ، ومثل هذه الانتقائيّة حتما ً ستكون مؤشراً آخر َ على عدم ظهور النقد بمساحة توازي مساحة الإبداع . وأضيف : إن َّ التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ، هي الأخرى ، قد أثّرت على الناقد ، كأي ِّ فرد ٍ في المجتمع ، وجعلته ُ ينحاز بوعي أو لا وعي إلى مطابقات تنسجم مع متشابهاته الوجوديّة ، وأصبح منحازا ً إلى هذه المطابقات التي تحصل في إبداع الآخر . غير َ أن َّ الاستثناء وارد ٌ ومتحقق.
    الروائي يوسف أبو الفوز: ظهرت أشكال جديدة من الرقابة ترتبط بتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي
    لا نختلف في القول إن النقد شريك أساسي للإبداع، وفي إبقاء النصوص الإبداعية حية وحاضرة، وهذا ما لمسناه بوضوح لدى جيل من النقاد العراقيين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. لكن مع أَدْلَجَة النشاط الثقافي وبروز الرقيب البعثي، ثم التحولات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، أخذ المشهد النقدي العراقي يفقد الكثير من حضوره وتأثيره، ولم يعد مواكبًا للنشاط الثقافي والإبداعي بالشكل الذي كان عليه.
    ويشير الواقع الثقافي اليوم إلى أن جانبًا كبيرًا مما يُنشر تحت مسمى النقد لا يتجاوز قراءات للكتب، يغلب عليها في كثير من الأحيان طابع المجاملة والشللية، أكثر من اعتمادها على القراءة النقدية الموضوعية. ورغم غياب الرقيب البعثي، فقد ظهرت أشكال جديدة من الرقابة ترتبط بتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي الجديد، الأمر الذي جعل النقد أكثر حذرًا وأقل قدرة على ممارسة دوره بحرية واستقلالية.
    ومن هنا يمكن فهم انحسار النقد وتوجه جزء كبير منه نحو الإطار الأكاديمي، في ظل تراجع الحياة المدنية وبروز عوامل التشظي الاجتماعي، كالطائفية والعشائرية، التي ألقت بظلالها على الواقع الثقافي عمومًا، وأضعفت مساحة الحوار النقدي الحر بين المبدع والناقد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى