أخبار العرب والعالم

هل تستفيد مصر من الصراع في إثيوبيا؟ | سياسة

كيف تتعامل مصر الرسمية مع الأزمة الإثيوبية الراهنة، وما تمنيات المواطن المصري العادي والسيناريو الأفضل له في هذا الصراع؟ والأهم، لماذا تحاول إثيوبيا تكرار أن مصر متورطة في هذا الصراع، والتصعيد الذي وصل إلى طرد إثيوبيا دبلوماسيا مصريا، وردت القاهرة بخطوة مماثلة.

منذ اندلاع الصراع الأهلي في إثيوبيا 20 سبتمبر/أيلول الماضي بين الحكومة الفدرالية التي يقودها آبي أحمد و”التحالف الإثيوبي لقوات الشعب من أجل البقاء” والمكون من سبع قوى وفصائل من قوميات مختلفة، تؤكد مصر الرسمية طوال الوقت أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عموما كما قال وزير خارجيتها بدر عبد العاطي، ووصفت اتهامات إثيوبيا بأنها “والعدم سواء”، وهو التعبير الذي جاء على لسان المتحدث الجديد باسم الخارجية المصرية السفير نادر زكي منتصف الأسبوع الماضي.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وكان اللافت للنظر أكثر ما جاء على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اللقاء مع كامل مجلسي الوزراء والمحافظين وكبار قادة القوات المسلحة والشرطة والخبراء والعمد والمشايخ يوم الثلاثاء الماضي بقوله إن “مصر تفضل إعطاء مساحة للحلول الدبلوماسية والسلمية فيما يتعلق بأزمة السدود الإثيوبية”.

ومن الواضح أن توقيت تصريح الرئيس المصري كان مقصودا تماما بحيث تصل الرسالة بوضوح إلى الجانب الإثيوبي وكل من يهمه الأمر، حتى تتوقف ماكينة الاتهامات الإثيوبية ضد مصر والتي تعمل الآن بأقصى طاقتها.

لكن حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لم تقرأ رسالة الرئيس المصري بصورة صحيحة وواصلت المزاعم بأن مصر متورطة هي والسودان وإريتريا في دعم القوات المعارضة، في حين يدرك الجميع التورط الإثيوبي المكشوف مع قوات الدعم السريع ضد الجيش السوداني.

القاهرة باتت تدرك بوضوح أن أحمد يصور لشعبه والقوى الإقليمية والدولية أن الصراع ليس بينه وبين قوى سياسية واجتماعية إثيوبية داخلية ولكن مع دول أخرى في الإقليم.

ما يقلق المصريين من سياسات آبي أحمد ليس فقط بناء سدود قد تتحول إلى محابس لتعطيش مصر ولكن سياسات الهيمنة التي يحاول فرضها على منطقة القرن الأفريقي، وكلها سياسات تهدد الأمن القومي المصري في الصميم

وبالمناسبة ففي كل الصراعات الداخلية الإثيوبية منذ عقود طويلة كانت حكومات أديس أبابا المتعاقبة تتهم وتزج بقوى إقليمية خصوصا مصر حتى تهرب إلى الأمام، وآخرها الصراع بين حكومة أحمد وجبهة تحرير التيغراي طوال الفترة من عام 2020 إلى عام 2022.

يوم الخميس الماضي طردت حكومة آبي أحمد مستشار سفارة مصر في أديس أبابا أحمد محرم أحمد سليمان، وردت القاهرة بطرد الدبلوماسي الإثيوبي أجازي أميلو بوروجي.

لكن الجديد أن أديس أبابا تحاول التصعيد مع مصر بصورة غير مسبوقة ومنها مثلا إعلانها بأنها شكلت “لجنة وطنية لحصر الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية التي ضاعت عليها بسبب ما تسميه عرقلة مصر لـ 22 مشروعا مائيا حاولت إثيوبيا بناءها طوال سنوات مضت.

خطورة هذه الخطوة الإثيوبية أنها تحاول التشويش على قضية السدود التي تهدد مصر والهروب إلى الأمام بإغراق مصر في ملفات تعويضات على غرار المطالبات الإسرائيلية الخرافية مثلا بالحصول على تعويضات؛ بسبب مزاعمها عن الأضرار التي تعرض لها يهود مصر أثناء العصور الفرعونية، أو خلال وجودهم في مكة والمدينة أثناء عهد الرسالة المحمدية!

إذن، مصر الرسمية تؤكد مرارا وتكرارا على عدم تدخلها في الشؤون الداخلية الإثيوبية أو غيرها، وترى ما تفعله حكومة آبي أحمد محاولة للتغطية على فشلها الداخلي.

لكن وإضافة إلى ما سبق فإن السؤال الآخر والمهم هو: ماذا عن الطريقة التي ينظر بها قطاع من المصريين العاديين إلى هذا الصراع الإثيوبي الداخلي؟

في السطور القادمة سأتكلم عن نفسي باعتباري مواطنا مصريا يستمع إلى كثير من آراء المواطنين المصريين، ولا أتحدث بأي صفة أخرى.

في هذا السياق نتذكر أن آبي أحمد زار مصر بعد أقل من شهرين من انتخابه رئيسا للوزراء، وكان ذلك في 10 يونيو/حزيران 2018.

وقتها أقسم بالله باللغة العربية قائلا: “والله والله.. لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر”. وفي نفس المؤتمر الصحفي بقصر الاتحادية المصري قال نصا: “نحن نريد حصتنا من مياه النيل، وأنتم أيضا تحصلون على حصتكم، وسنعمل معا على زيادة حصة مصر”.
استمرت لغة أحمد الودية والناعمة تجاه مصر لمدة عام وأربعة أشهر، والغريب أنه بعد فوزه بجائزة نوبل في أكتوبر/تشرين الأول 2019 أكد أن بلاده مستعدة للحرب.

إذن، خطاب أحمد كان شديد الود مع مصر بعد توليه الحكم، ثم انقلب متشددا وبدأ يؤكد أن لإثيوبيا حقا سياديا في استغلال مواردها المائية. ثم صارت تصريحاته ومواقفه هو وسائر حكومته شديدة العدائية ضد مصر، ورفض كل العروض الرامية إلى توقيع اتفاق قانوني وملزم لإدارة وتشغيل سد النهضة، بل أعلن قبل أشهر عن النية لبناء ثلاثة سدود جديدة.

ما يقلق المصريين من سياسات آبي أحمد ليس فقط بناء سدود قد تتحول إلى محابس لتعطيش مصر ولكن سياسات الهيمنة التي يحاول فرضها على منطقة القرن الأفريقي، وكلها سياسات تهدد الأمن القومي المصري في الصميم.

أحمد لا يكتفي بمحاولة تحويل النيل الشرقي إلى مجرد بحيرة إثيوبية مغلقة والتحكم في مياه النيل الواصلة لمصر والسودان، بل والتلويح بتسعيرها وبيعها.

ورغم أن بلاده هي مقر الاتحاد الأفريقي الذي يفترض أنه يحافظ على حدود وسيادة واستقلال أعضائه، قام بالاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي ووقع معه اتفاقا لإقامة قاعدة عسكرية بدعم وتنسيق واضح مع إسرائيل، وهي الخطوة التي تعطلت مؤقتا لكنها لم تفشل تماما.

وفي الأسابيع والأشهر الأخيرة يكرر أحمد كثيرا الترويج لضرورة الحصول على ميناء عصب الإريتري ليصبح منفذا لبلاده الحبيسة على البحر الأحمر، وربما يفسر ذلك أهم أسباب الصراع بين أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي كان حليفه الأساسي في حربه الأولى والكبرى ضد إقليم التيغراي في الفترة من عام 2020 حتى 2022.
‏

لسان حال هذا المواطن المصري يقول إن عقلية وتركيبة آبي أحمد لن تستجيب للمطالب المصرية المشروعة إلا إذا شعر أنه سيدفع ثمنا كبيرا نتيجة سياساته المتهورة ليس من قبل مصر كما يروج، ولكن من قبل غالبية شعبه، خصوصا أنه يحاول تخطي قاعدة مهمة في السياسة الإثيوبية المستقرة منذ عام 1991 وهي حق أي قومية في البقاء أو الانفصال داخل الفدرالية الإثيوبية

المصري العادي يرى في سياسات أحمد خطرا وجوديا ليس فقط على الأمن القومي المصري ولكن على حياة المصريين الذين تشكل مياه النيل 95% من إجمالي ما يستهلكونه من المياه، منها 85% من النيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا وتريد الأخيرة أن يصبح نهرا داخليا وليس دوليا تنطبق عليه القواعد الدولية.

يستغرب المصريون كثيرا أن إثيوبيا التي يهطل عليها أكثر من 960 مليار متر مكعب من المياه سنويا تستكثر على المصريين أقل من 48 مليار متر فقط تأتي من النيل الأزرق ونحو 7.5 مليارات متر من النيل الأبيض.

المصري العادي يرى أن حكومة إثيوبيا تتحالف مع إسرائيل للإضرار بمصر والسودان ومجمل الأمن القومي العربي.

يشعر كثير من المصريين بالخطر من الأجندة الشخصية والطموح الكبير لآبي أحمد الذي يعتقد أنه مكلف بمهمة سماوية وهي إعادة بناء الإمبراطورية الإثيوبية ليصبح مثل منليك الثاني، وحكم إثيوبيا من عام 1889 حتى عام 1913 وكان يلقب بملك الملوك، وينظر إليه باعتباره باني إثيوبيا الحديثة وأهم إنجازاته أنه هزم الجيش الإيطالي في معركة عدوة في الأول من مارس/آذار عام 1896. ويريد أحمد أن يتشبه كذلك بالإمبراطور هيلا سيلاسي الذي حكم البلاد من عام 1930 حتى عام 1975. وقد يقول البعض إن كل ما سبق كلام مرسل، وقد يكون الأمر كذلك بالفعل.

‏لكن ما هو قريب من الصواب فعلا أن آبي أحمد يريد إعادة صياغة البلاد وإعادة تعريفها سواء من ناحية شكل الدولة والإمبراطورية والتاريخ والدين والبحر الأحمر.

هو قال ذات مرة إن والدته تنبأت له وهو طفل بأنه سيصبح “الملك السابع” الإثيوبي، ثم تكفلت بعض المنصات الموالية له بالقول إنه “مرسل من السماء” أو أنه “ملك اختاره الله”. ومما يزيد من أهمية هذه القضية حتى لو كانت رمزية هي وجود “تيار ديني مسيحي خمسيني” ارتبط بأحمد وصعوده السياسي.

لو تمكن أحمد من الإفلات من هذه الأزمة فإن ذلك قد يدفعه، إما إلى التروي والتعقل وعدم الإضرار بالمصالح العليا لمصر في مياه النيل والقرن الأفريقي، وإما التمادي والتصعيد ضد القاهرة استغلالا واستثمارا لحالة تعليق كل مشاكل البلاد على الشماعة المصرية

من حق آبي أحمد أن يحلم أن يكون كما يشاء ولكن بشرط ألا تكون هذه الأحلام أو الأوهام على حساب العرب في مصر والسودان والبحر الأحمر.
وقد يكون كل ما سبق وسائل وحيل يستخدمها السياسيون في كل المذاهب والأديان لتحقيق أهدافهم السياسية والشخصية.

ولكن ما يهم المواطن المصري العادي أن تكون العلاقات طيبة مع الشعب الإثيوبي وحكومته، وبالتالي فإن هذا المواطن الذي صار تحت خط الشح المائي بحصة لا تزيد على 425 لترا من المياه سنويا فقط، في حين أن المتوسط العالمي هو ألف لتر مكعب، سيكون مسرورا إذا تعثرت حكومة أحمد.

لسان حال هذا المواطن المصري يقول إن عقلية وتركيبة آبي أحمد لن تستجيب للمطالب المصرية المشروعة إلا إذا شعر أنه سيدفع ثمنا كبيرا نتيجة سياساته المتهورة ليس من قبل مصر كما يروج، ولكن من قبل غالبية شعبه، خصوصا أنه يحاول تخطي قاعدة مهمة في السياسة الإثيوبية المستقرة منذ عام 1991 وهي حق أي قومية في البقاء أو الانفصال داخل الفدرالية الإثيوبية.

وبعيدا عن التمنيات فإن سقوط نظام آبي أحمد قد لا يكون مرجحا بنسبة كبيرة قريبا خصوصا أنه حجر أساس للغرب في المنطقة، كما أن دولا كبرى دولية وإقليمية تدعمه بشكل مستمر منذ وصوله إلى السلطة وأهدته جائزة نوبل وبعدها قتل 600 ألف من التيغراي.

لو تمكن أحمد من الإفلات من هذه الأزمة فإن ذلك قد يدفعه، إما إلى التروي والتعقل وعدم الإضرار بالمصالح العليا لمصر في مياه النيل والقرن الأفريقي، وإما التمادي والتصعيد ضد القاهرة استغلالا واستثمارا لحالة تعليق كل مشاكل البلاد على الشماعة المصرية.

والمؤكد أنه كلما تدهور موقفه في صراعه الداخلي ضد معارضيه، زادت اتهاماته لمصر ودول الجوار وهو الأمر الذي يتكرر في كل أزمات إثيوبيا الداخلية، وإذا حدث ذلك بالفعل فليس مستبعدا أن تتدهور العلاقات أكثر، خصوصا أن هناك قوى ودولا وأجهزة تريد إشغال مصر بصراع كبير في الجنوب حتى تبعدها عما يحدث في فلسطين والشرق الأوسط.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى