ثقافة وفن

بتوقيت الكوفة ..القراءة المعاصرة لاطراس التأريخ

د. سعد عزيز عبد الصاحب
لم يكن يوما المسرح العراقي وقراءته الدرامية والاخراجية للواقعة التاريخية عبدا لها او اسيرا سياقيا لما جادت به كتب التاريخ انما جاء برؤى ومعالجات جديدة تنفتح على المعاصر والراهن مما يجعل من المعطى الفني شكلا ديناميكيا تأويليا ذا صيرورة تحاكي الوقائع الحاضرة ، ومن العنوان (بتوقيت الكوفة) ينطلق المؤلف غلي عبد النبي الزيدي في انشاء ثريا نصه المستند في زمكانه لواقعة استشهاد الامام علي (ع) في مسجد الكوفة لذا فالعنوان يختصر ويكثف صلاة الفجر بتوقيت الكوفة فقط كون ان الامام الحق الذي يئم الناس للصلاة بعد الرسول هو في الكوفة حصرا بوصفها مركز العالم الاسلامي وأن هذه اللحظة الفارقة في اغتيال الامام ستكون لحظة كبرى فارقة بين زمنين زمن الطهر والعهر زمن الفضيلة والرذيلة في ثنائيات متناسلة لا نهائية يشي بها السؤال المعاصر في الكشف عن بذرة الشر في ضمير بن ملجم في ضوء خلق لحظة مونتاجية تبدأ من حيث يوقف الراوي المعاصر زمن لحظة مقتل الامام علي (ع)على يد بن ملجم ويبدأ الحدث الدرامي في ادخاله بلحظة مكاشفة صريحة عن دوافع جريمته وكأننا امام استجواب بوليسي لمجرم قيد التحقيق في قضية جنائية ، في اطار اجراء لقاء (بود كاست) معاصر يشرح فيه بن ملجم تأريخ الجريمة التي يرزح فيها وان دوافعها كان نتيجة غرامه بفتاة جميلة (قطام) عرضت عليه شروطا قاسية صداقا ليتزوجها اولها قتله لامام زمانه ثئرا لقتله والدها وعمها في معركة النهروان ، يتمظهر البطل السلبي (ابن ملجم) في العرض في حالة استجوابه كاسرا افق التوقع مصرا على مشروعية ارتكابه جريمته وكأنه شخصية (ميديا) في تراجيديا يوربيدس الشهيرة ميديا التي تقتل ابناءها بدم بارد ولا تندم لقتلهم فقط لتغيظ زوجها الذي تزوج عليها ، وفي القراءة الاخراجية للمخرج (عباس القصاب) يتبدى البطل السلبي بحالات عصابية تارة وخنثية تارة اخرى ليتبدى اخيرا في نهاية العرض كأنه قادم من تيار ومحفل (ماسوني )(متصهين)وذلك لارتداءه لنجمة داود السداسية في حزامه وتقليده لحركات الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) الراقصة بأنغام وازياء غربية ، هنا يولد العرض في قراءته المعاصرة صراعا دينيا راديكاليا بين الغرب والشرق في اشارة رمزية ذكية للحرب الدائرة اليوم بين المعسكرين ، اثار العرض القيم العقلية والجدلية الحجاجية في الصراع بين اسئلة الراوي المعاصر وحجج ابن ملجم مما اعطى العرض طابعا ملحميا بريشتيا في اللعب بالزمن الدرامي والاسلوب المسرحي التقديمي الذي ساد على الاسلوب التقمصي بقطوعات قطعت يقين السرد وبناءه العمودي بفرضية اللعب لما بعد الدراما والتي تغرف من الرقص والكرنفال وتشتيت البؤر الحركية ومراكزها والطقسية بشكلها الغروتسكي بوجودها الملثم داخل فضاء العرض الذي سادت شخوصه الثانوية كحارس المسجد ومقدم البود كاست وقطام والمصلي المتأخر لتثوير الايقاعين السمعي والبصري للعرض عندما يخفت بسبب السجال الحواري بين ابن ملجم والمعاصر وتفعيل الحبكة بشكلها العمودي الذي يتهدم بين الفينة والاخرى بأتجاه الافقي المتغذي على حواريات الراوي المعاصر وابن ملجم فيما بينهما او مع الجمهور الحاضر والمجموعة الجوقة التي تحولت الى جوقة نادبة تارة او فرحة تنثر الزهور في حفل زفاف قطام الافتراضي او مشكلة بلوحة تعبيرية بديعة اخطبوطا متعدد الاذرع يحيط ابن ملجم / ترامب كانت الجوقة تعيش لحظة مؤجلة للفعل التعزوي كونه فعل دائري مستمر الى اليوم ، وحسن فعل المخرج والمؤلف في انتاج بيئة المسجد كبيئة للاحداث بأبوابها الاسلامية وزخرفتها ومنمنماتها الدينية الابواب التي تحولت الى كواليس رشيقة لدخول وخروج الممثلين تلك البيئة التي تحولت دلاليا الى فضاء اعلامي لاجراء اللقاءات (بود كاست) او فضاء كرنفالي ماسوني غربي او مخدع قطام وعشيقها ابن ملجم ، اجتهد الممثلون في توصيل مفردات العرض السمعية والبصرية وخصوصا الممثل المبدع خالد احمد مصطفى بدور ابن ملجم حيث قدم اداءا غروتسكيا مشوها لشخصية القاتل من خلال تحولات ادائية منضبطة وفرز حالات الصمت والحوار والبكاء حيث فعل نسق الاداء الاشاري (الجست) بجسده واطرافه وقدم مفهوم الممثل اللاعب باطار تقديمي تارة وتقمصي تارة اخرى احيي جهده الاستثنائي الخلاق ، وكذلك لا يمكن اغفال جهد الممثل حسين علي هارف في تفعيل رسائل العرض العقلية باثارته الاسئلة الجوهرية عن دوافع الجريمة واصولها ونشئتها جاء صوته قويا مسموعا خاليا من العي او الاخطاء النحوية التي ابتلينا بها على خشباتنا هذه الايام مراقبا للاحداث معلقا عليها شأنه شأن الراوي البريشتي المندغم بالحدث بوعي لحظته الراهنة حيث لم يكن راويا مستقلا انما مشاركا ، ومن عطايا العرض السخية حضور الممثلة الشابة (رقية جبار) وهي تضطلع بدور (قطام) بحضور آسر وجرأة جسدية وصوت لعوب مغناج وهي كليدي مكبث تقود ابن ملجم لاقتراف جريمته الشائنة وكذلك حضور الممثل الشاب (محسن حيدر ) بدور المذيع جاء حضوره موفقا ومنضبطا وكذلك الحضور الرشيق للممثل (حيدر يوسف) بدور حارس المسجد ولا ادري لم كان يخرج علينا بشكل كاريكاتوري مضحك هل كان متآمرا مع ابن ملجم في قتل الامام هذا ما لم يتضح او يبن في العرض ، وعلينا الاشارة بكثير من الاكبار لاداء الممثل الشاب (بارق علاء) بلعبه لدور المصلي المتأخر الذي اضاف لوعة وشجنا خاصين لايقاع العرض لعدم التحاقه بامير المؤمنين في صلاة الفجر ، وجهود الممثلين شدن قاسم وحسين حيدر ويوسف قصاب وعلي صاحب ومجتبى عدنان وغدير قاسم وذو الفقار خضير في الجوقة ، والديكور الرشيق لعلي صاحب وبسام كاظم وتحية لاضاءة علي زهير المطيري وازياء محمد صلاح .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى