ثقافة وفن

بسبب القراءة والتأمل، طورت منظوراً خاصّاً للفنتازيا

حاوره علاء المفرجي

في المشهد الروائي العربي المعاصر، يبرز اسم أحمد سعداوي كأحد أبرز الأصوات السردية التي استطاعت أن تشق لنفسها مسارًا متفردًا، جامعًا بين الواقعية القاسية والخيال الجامح، في محاولة لفهم عالم تتداخل فيه الفوضى مع المعنى. استطاع سعداوي أن يلفت الأنظار عربيًا وعالميًا من خلال أعماله التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تعيد تشكيل الواقع وتفكيكه، مقدّمًا نصوصًا تنبض بأسئلة الهوية والعنف والذاكرة.

شكّلت روايته “فرانكشتاين في بغداد” علامة فارقة في مسيرته الأدبية، حيث مزج فيها بين الرمز والأسطورة والواقع العراقي المأزوم، مقدّمًا شخصية مركبة تعكس تمزقات المجتمع بعد سنوات من الحروب والاضطرابات. وقد حازت هذه الرواية اهتمامًا واسعًا تُوّج بفوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية، كما وصلت إلى جمهور عالمي بعد ترجمتها إلى لغات عدة. لكن تجربة سعداوي لا تقف عند هذا العمل، إذ سبقتها وتلتها روايات أخرى تكشف عن تطور رؤيته السردية وجرأته في اقتحام موضوعات حساسة.

في أعماله المختلفة، مثل “باب الطباشير” و”البلد الجميل”، يواصل سعداوي استكشاف عوالم تتقاطع فيها الواقعية مع الفانتازيا، حيث تتحول المدن إلى شخصيات حية، ويغدو العنف اليومي مادة للتأمل الفني، لا مجرد خلفية للأحداث. تتسم كتاباته بلغة سلسة لكنها محمّلة بالدلالات، وبقدرة لافتة على رسم شخصيات تعيش على هامش الواقع، لكنها تعبّر في الوقت نفسه عن جوهره العميق.

في هذا الحوار، الذي نجريه للمدى، نقترب من عالم أحمد سعداوي، لنكتشف كيف تتشكل رواياته، وما الذي يدفعه إلى اختيار موضوعاته، وكيف يرى دور الأدب في زمن التحولات الكبرى. كما نتوقف عند محطات بارزة في مسيرته، ونسأله عن رؤيته لمستقبل الرواية العربية، وحدود العلاقة بين الكاتب وواقعه.

ما هي المصادر والمراجع الي قادتك الى حيث الكتابة والأدب (حيوات، أحداث، كتابات، أي تفاصيل أخرى).

ـ أنا وجيلي كنّا “أبناء الدولة”، حيث المكتبات التي تبيع الصحف والكتب التي تصدرها دار الشؤون الثقافية، في كلّ مكان. والنوادي الرياضية وروابط الشطرنج والموسيقى، ودروس المطالعة. وهذه الأشياء أغلبها بالمجان أو بسعر زهيد مدعوم من الدولة.

كنت، على مدى سنوات، أشتري مجلات الأطفال ثم لاحقاً قصص وروايات الفتيان، وكتب لطفي المنفلوطي وروايات عبير وغيرها من مكتبة صغيرة في قطّاع (35) بمدينة الثورة “الصدر”. لا تبعد سوى أقل من كيلومتر واحد عن بيتي.

كذلك كان من بين زملاء الدراسة من يهتم بالقراءة ومزاولة الكتابة. وكنّا نتبادل الكتب، وكان من حظّي أن تعرفّت على أصدقاء لدى آبائهم أو أخوانهم الكبار مكتبات عامرة في البيت، فقرأت عن طريق ذلك، روايات ديستوفسكي وتولستوي وديكنز ونجيب محفوظ وغيرهم الكثير.

كانت واحدة من الرفاهيات أن تقتني راديو ترانزستور صغير من نوع “قيثارة” وتوصله عن طريق هيدفون صغير بسمّاعة واحدة، وتستغرق في سماع الموسيقى من الاذاعات العراقية والعربية، أو تلتقط في أواخر الليل، إشارة الاذاعة الكويتية التي كانت تبثّ بشكل منتظم مسلسلاً إذاعياً بأصوات ممثلين عرب، يحوّل كبريات الروايات العربية الى تمثيليات. من خلال هذا البرنامج سمعت لأول مرّة قصة “آلة الزمن” لأج جي ويلز.

حتى سنة 2003 كان العثور على الكتب واقتناء الجيّد منها قتالاً حقيقياً، وأذكر أنني في يوم ما، في كراج الباب المعظّم صادفت صديقاً يتأبط كتاباً مصوراً بالفوتو كوبي “مستنسخاً” هو الجزء الثالث من تاريخ الجنسانية لميشيل فوكو “الانهمام بالذات”. والكتاب كان على شكل ملزمة، بمعنى ليس بشكل الكتاب العادي، وانما تبدو الصفحتان من الكتاب على امتداد الورقة (A4)، وكانت أخريات الأسطر مقطوعة، بسبب أن الصديق استنسخ الكتاب عن نسخة مستنسخة أصلاً بشكل رديء.

لم أترك الصديق هذا حتى اقتدته الى أقرب مكتب للتصوير في الباب المعظم وصوّرت نسخته، لأنني كنت أبحث منذ مدة طويلة عن هذا الجزء، ثم حين عدت الى البيت “خمّنت” الاحرف المقطوعة في أخريات الأسطر وكتبتها بالقلم الأزرق الجاف.

في أول زيارة لي الى دمشق في 2005 التقيت بالراحل فؤاد التكرلي الذي قادني الى مكتبة المدى هناك، وتجوّلت بين المكتبات السورية المختلفة واشتريت النسخ الأصلية من الكتب التي كانت عندي أصلاً، ولكنها مصوّرة بالفوتو كوبي، وكأني انتقم، بذلك، من ظروف القراءة الصعبة في التسعينيات.

متى بدأت علاقتك الأولى بالكتابة؟ وهل شعرت يومًا أن الأدب كان خيارًا، أم أنه كان مصيرًا لا مفر منه؟

ـ لا يكتشف الكاتب، غالباً، أنه في مسارٍ جدّيٍّ مع الكتابة إلا في وقت لاحق. في البداية يكون الأمر أشبه بالهواية أو ازجاء وقت ممتع. لا أتذكر شخصياً أنني قرّرت أن أكون كاتباً محترفاً إلا بعد سنّ العشرين، ولكن بداياتي مع الكتابة قد تعود الى الصف الثاني الابتدائي، حين كتبت أول قصّة، وكانت شبيهة بقصص الأطفال في مجلتي «المزمار» و «مجلتي». غير أن الصفة التي غلبت عليّ بين أقراني وزملائي ومن يعرفني أنني رسّام مميّز، وهكذا حتى دخلت، أثناء سنتي الاعدادية الأولى، رساماً متدرباً في دار ثقافة الأطفال، وصرت أجلس بجوار الرسّامين والكتّاب الذين كانوا يصنعون مجلّتي والمزمار.

وخلال ذلك كنت أزاول أنماطاً ابداعية مختلفة، أكتب الشعر العمودي متأثراً بالمصري الكبير أحمد شوقي. وأصنع رسوماً متحرّكة، وارسم بورتريهات لأشخاص بالألوان الزيتية لقاء أجر.

دائماً أتذكر ذلك المقطع من دعاء النبي موسى في القرآن: «وأحلل عقدة من لساني». لأني كنت خجولاً ومتردداً ولست خطيباً مفوّهاً، ولكن العقدة كانت تنحلّ مع الكتابة. ثم تكتشف في وقت متأخر أن منظورك للعالم من حولك صار محدداً بخزين ما قرأته من كتب وما ناقشته من أفكار مع أصدقائك وزملائك، وأن لديك شيئاً تريد أن تقوله في وصف ما يجري من حولك، أو في داخلك.

أيضاً هذا الشعور بالامتلاء، وكأن الذات تتضخم وتحتاج الى مساحة أكبر لتمتد فيها، ونظرات الاعجاب بين الأصدقاء بسبب قصيدة أو قصّة كتبتها صاروا يتداولونها على ورقة من دفتر مدرسي ويقرأونها وتعجبهم.

صارت الكتابة أمتداداً للذات، ثم تحوّلت مع الزمن الى شيء أصيل من هذه الذات، ومنطقة اختبار واعادة انتاج للذات نفسها، فانحلت، بسبب الكتابة، عقد اللسان، ثم لم يعد من السهولة التمييز بين الذات التي تكتب والكتابة نفسها.

إلى أي حد شكّلت بغداد، بتاريخها المضطرب وتحولاتها العنيفة، خلفيتك الروائية؟ وهل يمكن تخيّل عالمك السردي خارج هذه المدينة؟

ـ أعمق ذكرى لدي عن بغداد، باعتبارها مدينة كبيرة واسعة ومتنوّعة، من طفولتي حين كان يأخذني والدي الموظف في حديقة الزوراء، ليتركني أتجوّل بين دايات الزهور، أو نذهب سويّة الى أقفاص حديقة الحيوان. وما زال ألبوم صور العائلة يحتفظ بصوري من تلك الفترة، والجولات المسائية أحياناً في شارع السعدون.

في فترة الطفولة أخذني خالي الأوسط الى السينما لأول مرّة، وأخذني خالي الأصغر الى مكتبات شارع الرشيد، ثم تعرّفت الى النهر مع أصدقائي في الاعدادية، وخفت من خوض مياهه كما فعل الأصدقاء، ثم الجولات الصيفية الى متحف الفنون ومطالعة اللوحات التي رسمها الروّاد مرّة بعد أخرى، والتجوال بين الأزقة القديمة، والجدران المزخرفة في المدرسة النظامية وبيت الحكمة، ولمس الزخارف النباتية الذهبية في أبواب الأضرحة الدينية في الكاظمين وغيرها من المقامات، ومئات آلاف التفاصيل الأخرى الصغيرة والكبيرة التي أتذكرها أو غطست في اللاوعي.

الذكريات الحسيّة عن بغداد هي الأعمق عندي، ومنها تثور العواطف والمشاعر والتأملات. ولكن هذا الغطس في عوالم بغداد لا يتيح لصاحب التجربة أن يكتب عنها، على حدّ وصف ابن عربي عن معرفة الذات الإلهية: (فإن الحق لا يُرى، إذ لا مقابل له). ويقصد أننا غاطسون في الوجود الالهي لذا نحتاج أن نخرج منه ونكون في جهة مقابلة له كي نراه، وهذا أمر محال.

ولكنه متحقّق في التجربة الانسانية في علاقتها مع الموجودات. وكنت أتامل هذه الفكرة على مدى زمن طويل، وأكتب قصصاً خيالية تماماً، ولا أستطيع أن أكتب عن أشياء أعرفها أو جرّبتها. حتى قرأت رواية «صيادون في شارع ضيّق» لجبرا ابراهيم جبرا، وحينها اكتشفت كيف أن منظور «السائح» يتيح الانفصال عن الاشياء لرؤيتها من الخارج، وبالتالي القدرة على رصدها والكتابة عنها.

تطوّر منظوري هذا مع الزمن، وعرفت أن الانفصال يكون اختبارياً لا حقيقياً في الغالب، وأن «السائح» الأصلي قد لا ينجح في الكتابة بشكل حميم وحقيقي، وإنما يكفي تبني منظور السائح إجرائياً واختبارياً خلال الكتابة فقط.

غالباً هذا هو ما كنت أتعامل به مع الكتابة الأدبية حتى اليوم، أما لماذا بغداد وليس غيرها من المدن؟ فالكاتب يكتب عمّا يعرف، وما دام الفضاء الاجتماعي والتاريخي للمدينة التي يعرفها يعطيه ما يحتاجه من عناصر للكتابة المتفوّقة فهذا يكون أولى وأجدى من محاولة التعرّف على مدينة أخرى وجمع المعلومات عنها، على الرغم من أن الكاتب يستطيع أن يتخذ الخيار الثاني إن نجح في جمع العناصر التي يحتاجها للكتابة، ومثال على ذلك رواية «حياة باي» التي تحكي عن مراهق هندي، على الرغم من أن كاتبها يان مارتل كندي الجنسية.

في أعمالك يتجاور الواقعي بالغرائبي. كيف ترى العلاقة بينهما؟ وأين تنتهي حدود الواقع وتبدأ حرية الخيال؟

ـ الأسباب الأصلية تعود الى الطفولة وعوالم الفنتازيا في قصص الأطفال والرسوم المتحرّكة وكتب ألف ليلة وليلة و»كليلة ودمنة» وغيرها، وحتى اليوم أميل الى مشاهدة أفلام الفنتازيا والخيال العلمي. وعند هذه الحدود فهو مزاج شخصي.

ولكني طوّرت، خلال سنوات تجربتي الأدبية، بسبب القراءة والتأمل، منظوراً خاصّاً للفنتازيا، جوهره؛ أنه لا توجد في الحقيقة أي حدود فاصلة بين الخيال والواقع. إننا نجري اتفاقات عامّة على هذه الحدود، على الرغم من أنها غير موجودة فعلاً.

وأسباب ذلك متعدّدة منها خاصًّ بثقافتنا وبيئتنا الاجتماعية العربية الاسلامية، ومنها ما هو عامّ، فلسفي وتجريدي أكثر.

فما يتعلّق بالعام؛ أن تتابع النظريات الفلسفية والعلمية الغربية ونقد اللاحق للسابق منها، انتهى بنا الى منظور يخفّف كثيراً من غلواء العقلانية، وقدرتها على اضاءة كل المعتم من رؤية الانسان لنفسه والعالم. تختصر هذا المنظور جملة جاك دريدا: (إذا كان القرار قابلاً للاشتقاق من معرفة، فلن يكون قراراً.)

بمعنى أن هناك دائماً عنصراً لا معرفياً في قراراتنا، يتزاحم مع المعرفي، ولا يتركه لوحده. هناك جانب مظلم وغير مضاء في ذواتنا نابعٌ من الرغبات والأحلام والاخفاقات والصور النمطية الموروثة من البيئة الاجتماعية، والمخاوف والهواجس المتولّدة من حركة الانزيمات والهرمونات ولا إرادة لنا في التحكّم بها. كلّ ذلك يضفي غلالة لا عقلانية أو “خيالية” على رؤيتنا عن العالم، وهنا من الصعب الفصل الحاد بين ذلك الواقع المتطابق مع ذاته ببرود عقلاني، والخيالات الملقاة على هذا الواقع نفسه.

أما الخاصّ، ما يتعلّق بثقافتنا وبيئتنا الاجتماعية الاسلامية العربية، فإننا نتعامل على الدوام مع كائنات لم نرها ولم نتأكد من وجودها، مثل الملائكة والشياطين وأرواح الاجداد التي تزورنا في الأحلام، والعناية والبركة الالهية التي تمنحنا شعوراً بأننا محميون لمجرد الدعاء. وحتى لو أنكر فردٌ واحد وجود هذه العوالم، فإنه مضطر للتعامل مع مجتمع يتصرّف بناءً على وجودها الحقيقي والمؤثر في كلّ قرارات الافراد اليومية، والقرارات الجماعية التي تصنع التاريخ.

في النهاية إذا أراد المبدع أن يكتب عن نفسه فليكتب قصيدة عاطفية، أما اذا أراد صناعة عوالم “سردية” تعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه ويعرفه، فإنه سيضطر الى التعامل مع الاعتبارات العامّة “الفلسفية والتجريدية” التي تحدثنا عنها، وتلك الخاصّة بالبيئة الاجتماعية من حول الكاتب، وكيف يتعامل المجتمع مع الحقيقة “المخلوطة بالخيال غالباً”، والاتفاقات التي يصنعها الناس للتمييز بين ما هو خيالي وواقعي.

في روايتك «البلد الجميل» يبرز سؤال المنفى، سواء كان جغرافيًا أم داخليًا. ماذا تعني لك فكرة «البعد»: هل هو مسافة مكانية أم شعور وجودي؟

ـ «البلد الجميل» هي أول رواية منشورة لي، بعد ثلاث روايات مخطوطة كتبتها في عقد التسعينيات وتركتها، وكنت أصوّر فيها أجواءً من عالم حرب الخليج الثانية والعقوبات الاقتصادية والحصار في البلد والعيش تحت ظلّ الديكتاتورية.

الرواية دفعت للنشر في منتصف عام 2002 الى دار الشؤون الثقافية، وأجازها خبير تغاضى عن الاشارات النقدية في الرواية، ثم وقعت الحرب في 2003 ولم تُنشر الرواية، وتشكلت لاحقاً لجنة خبراء لفحص الكتب الموجودة من «العهد السابق» في دار الشؤون، وجاء خبير جديد وأجاز الرواية مرّة أخرى، وصدرت في 2004 بطبعة سيئة جداً، سقط من آخر صفحة فيها فقرة من ستّة أسطر هي الخاتمة.

كنت مشغولاً في هذه الرواية بتصوير بيئة شعبية، هي بيئة مدينة الثورة [الصدر]، وربما كانت هي أول رواية عراقية تصوّر هذه البيئة، بحكاياتها وأساطيرها الشعبية، والتحديات الاجتماعية التي كانت تواجهها، وشيئاً من الهواجس التي كانت تشغل الشباب في تلك الفترة، وعلى رأسها الهجرة، للهروب من العزلة المزدوجة: ضغط الحصار والديكتاتورية.

يقول الشاب الكوردي، صديق البطل، واسمه «مسافر» أنه تزوّج وانجب طفلاً اسماه «وطن»، فيبتسم البطل حين يردّد الإسم: وطن مسافر. وكانت إشارة الى الهجرات التي تزايدت في تلك الفترة، وهي وخزة صغيرة كنت اخدش بها، مع غيرها من الوخزات في الرواية، على جدار الممنوع في ظلّ النظام آنذاك.

في روايتك «إنه يحلم أو يلعب أو يموت»، الصادرة عن دار المدى 2008 كان هناك مزج مقلق ومتوتّر بين الذاكرة والخيال: هل هو انعكاس لارتباك الوعي تحت ضغط الواقع العراقي في تلك الفترة، أم محاولة لإعادة تعريف الواقع نفسه كاحتمال مفتوح؟

ـ كتبت أشياء كثيرة بعد 2003، مسوّدات لروايات وقصص، بالاضافة الى اندراجي بشكل عام في العمل الصحفي، ولكننا لم نأخذ وقتاً طويلاً من الراحة حتى دخلنا في فصل مرعب جديد، وغير مسبوق: حرب دولية اقليمية ارهابية على المجتمع العراقي، ثم تفجّر الحرب الأهلية.

كنت أردّد في تلك الفترة مقولة إلياس خوري، الروائي اللبناني، (لا يمكننا أن نكتب عن الموت ونحن نموته) وكنت مؤرقاً بامكانية الكتابة عن الموت الذي متناه في عهد النظام السابق، ثم دخلنا خلال ذلك في موت يجري في الأزقة والشوارع، بحيث كان الخروج الى العمل صباح كلّ يوم مغامرة خطرة بحدّ ذاتها.

فهل نكتب عن الموت الذي متناه أم عن الذي نموته؟!

ظلت هذه الهواجس ترافقني فترة حتى وجدت نفسي في خضم مشروع جديد، وصلت فيه الى المنتصف وأنا غير واثق من أنني أكمل كتابة رواية أم هي مجرد مسوّدة حالها حال المسوّدات الأخرى غير المكتملة.

ذات مساء قائض من صيف 2006 كنت أراجع مسوّدة الرواية على حاسوبي «بانتيوم 2» حين هبطت فجأة القدرة الكهربائية في مولّدة البيت الصغيرة، فانطفأ الحاسوب واشتغل من جديد «ريستارت»، لاكتشف أن كلّ الملفات على الحاسوب قد اختفت، بما فيها مسوّدة الرواية النهائية. كان الأمر أشبه بمفخّخة انفجرت أمامي، جاءت بها فوضى العالم الخارجي.

تركت الرواية ونسيتها، وقلت بأنها لن تكتمل. ثم بعد أشهر هدأت وعدت الى المسودات القديمة، ورجعت لأكمل الرواية بطريقة أخرى، لصعوبة استعادة كلّ التفاصيل في المسوّدة السابقة. لقد سقطت روايتي السابقة ضحيّة للحرب الأهلية التي كنت أكتب عنها، ولكن من «جثّتها» ولدت رواية جديدة.

حاولت الرواية الكتابة عن الموت الذي متناه في ظلّ النظام السابق، بأدوار وأشكال مختلفة، والموت الذي كنّا نموته، خلال أحداث العنف الطائفي والمفخخات الارهابية الاقليمية الدولية، ووثّقت لمزاج كان يفرض نفسه عليّ وعلى الكثير من العراقيين في ذلك الوقت، لذا سيجد القارئ الفاحص أن هذه الرواية تضمّنت أكبر عدد من الشتائم قياساً برواياتي الأخرى.

رواية (باب الطباشير) مشغولة بتقاطعات الذاكرة الفردية مع التحولات الاجتماعية. هل كنت تسعى إلى كتابة سيرة مدينة أم سيرة جيل؟

ـ في الفنّ عموماً يحضر “العالم” من خلال رؤية ذاتية، لا يوجد شيء في العمل الفنّي يمكن أن يكون معزولاً عن العالم، عالم منشيء العمل الفنّي، وهو عالمٌ مصطبغ بالذاتية. وفي الرواية، يبدو الأمر أكثر تركيباً واتساعاً، فهي تعكس ذات المؤلف بكلّ تأكيد، ولكنها تعكس أيضاً ذواتاً متعدّدة، على وفق تصور باختين عن تعدّد الأصوات في الرواية.

في “باب الطباشير” هناك قصّة شخصية، تخصّ علاقة علي ناجي بليلى، زميلته القديمة وحبيبته، ولكنها، هذه القصّة الصغيرة، مجرد موشور تنعكس من خلاله قصص البلد بأكمله، ليس في حياتنا وعالمنا هذا فقط، وإنما في نسخ أخرى مقترحة عن البلد في احتمالات أخرى، كان يمكن لأي منها أن يتحقق على أرض الواقع، لو أن عوامل معيّنة اختلفت وتغيّرت.

وهذه الرحلة ما بين القصّة الصغيرة والقصص الكبرى تعكس في نهاية المطاف مشاغل بلد يعيش في اللحظة الراهنة التي كُتبت فيها الرواية، بما يجعلها نوعاً من التأريخ للطبقة العميقة لحراك المجتمع والسلطة.

 

هل يمكن لنا اعتبار رواية القبو تأملًا في فكرة العزلة، أم أنها قراءة في هشاشة العلاقات البشرية تحت الضغط؟

ـ القبو في الرواية هو مجاز عن البلد بأكمله، الذي ما زال يقيم داخل القبو، قبو صدّام، حتى لحظتنا الحاضرة. فهو لم يقطع بشكل حقيقي مع حقبة نظام صدّام، وما زال يستعمل أدواته ومنظوره في رؤية الأشياء، وما زال يخوض صراعات صدّام نفسها، والتي كانت تخاض داخل المجتمع ومع العالم الخارجي.

ما زلنا، بعد ربع قرن من زوال نظام صدّام، بلداً اشتراكياً ريعياً وفق مفهوم حزب البعث ونظام صدّام، وما زالت السلطة تصنّف الناس الى موالين ومعادين، وما زالت المناصب في الدولة، الكبيرة والصغيرة، توزّع حسب الولاء السياسي لا الكفاءة، وما زالت شعبويات الخطاب العنصري والفئوي هي المادة التي يتم من خلالها صناعة الاتباع والموالين. وما زال لدينا “أعداء كونيون” علينا أن نوجههم هناك في الخارج، خارج البلد، أو خارج التصورات الواقعية، لا مواجهة مشاكلنا العميقة الحقيقيّة.

وما زال المجتمع ينجذب الى الشخصيات العصابجية الخوشية ويسير خلفها، وما زلنا ننظر الى كلّ شيء خارج القبو بريبة وتشكيك.

لقد غادر صدّام القبو، ولكننا بقينا فيه.

 

هل تعتبر نفسك كاتباً “ملتزماً” بقضايا بعينها، أم أنك تفضّل أن يظل النص مفتوحاً على احتمالاته؟

ـ الرواية أولاً يجب أن تكون رواية، أن تفي بالاشتراطات الفنية والمعرفية المطلوبة منها، وأن تجد نفسها ضمن السياق التاريخي للنوع الفني والأدبي للرواية العالمية.

ولكن، بما هي رواية، فهي نص أدبي يشتغل على التاريخ والمجتمع والأفكار والرؤى والأحلام والخيبات والجنون والعقائد والتجارب الحياتية الصغيرة، وتلك التفاصيل التي يمكن تسميتها “نفايات الحياة”.

إن الروائي لا يمكن له أن يكون كامل العدّة إن انطلق بتصوراته من بيئته المحلية، وما يفكّر به الناس من حوله، وإنما من الأرضية الانسانية الشاملة. يجب أن “يلتزم” الكاتب، أياً كان الحقل الكتابي الذي يشتغل فيه، بالرؤية الانسانية، ثم يهبط منها الى تفاصيل بيئته المحلية ليعيد قراءتها، وينتزع منها ذلك الانساني الموجود في تجارب الناس والمجتمع، ويبني عليها عمله الفنّي.

الكاتب المعبّأ، مسبّقاً، بمواقف عنصرية أو طائفية أو ايديولوجية، سيجعل عمله الفنّي رهن بقاء وحياة هذه المواقف العنصرية والطائفية والايديولوجية، فمتى ما تراجعت واختفت، انتهى العمر الافتراضي لعمله الأدبي والفنّي.

لا يقرأ اليوم إلا الباحثون والمشتغلون في حقل التاريخ الأدبي تلك الروايات التي توصف بأنها “روايات بعثية” تروّج لخطاب النظام السابق، على سبيل المثال، وكذلك أي رواية تتعامل مع فئات من المجتمع العراقي على أنهم أعداء وخصوم.

بالمجمل، وكما قال غابرييل ماركيز ذات مرّة، “إلتزام الكاتب الأساسي هو أن يكتب عملاً أدبياً جيّداً”، وأن يكون الروائي أميناً لاشتراطات عالم الرواية، وأن ينظر الى العالم من داخل هذه الاشتراطات، لا من مسبّقات ايدولوجية وفكرية، اياً كانت. وبعدها من حقّ الكاتب، على سبيل المثال، أن يكتب روايات خيال علمي تحدث في المستقبل، أو قصصاً عاطفية مجرّدة من أي بعد سياسي، أو أي خيار آخر يرتضيه، فهذا من حقّ الروائي، والالتزام مع “قضايا الوطن” ليس شرطاً أدبياً أصيلاً. ولكن غالبية الروايات العظيمة في الأدب العالمي، نلمس فيها انهماماً من الكاتب بقضايا عامّة تجري في بلده.

 

في روايتك الأشهر “فرانكشتاين في بغداد” كيف وُلدت فكرة إعادة توظيف أسطورة فرانكشتاين في سياق عراقي معاصر، وكيف صار الرمز حين يصير كائنًا حيًا ؟

ـ الجذر الأول لرواية “فرانكشتاين في بغداد” كما أشار أحد النقّاد ذات مرّة، موجود في رواية “إنه يحلم أو يلعب أو يموت” بمشهد تركيب قدمي “حميد” و”حمدان” المعاقين من حرب الثمانينيات، ليكوّنا كائناً خيالياً يركض في الحلم.

كذلك الجذر الأبعد في كتاب الرسوم الذي أصدرته في عام 2000 والذي اسميته “رأسي”، وكان يتضمّن 40 لوحة كاريكاتيرية عن علاقة الراس بالجسد، وفي كلّ رسمة كان الجسد مفصولاً عن رأسه ويتحاوران أو يتصارعان.

وكذلك في مادة سردية سيرية نشرتها منظمة الصليب الأحمر في كتاب مشترك مع كتّاب عراقيين آخرين، وأصدرته دار الساقي في لندن تحت باسم “جروح في شجر النخيل” صدر في العام 2010، وكانت مادتي بعنوان “صورة لجسد ناقص”، أتحدّث فيها عن الانثلام في الجسد، وعلاقتي مع عمّي المعاق من حرب الثمانينيات، وكيف كنت أرافقه الى مستشفى الرشيد العسكري، وصراعه النفسي مع فقدان قطعة من جسده، وتخيّله لمصير ساقه المفقودة وماذا تفعل هناك، في عالم البرزخ الذي سبقته إليه.

أما “صاعق التفجير” في الرواية فهو مشاهدتي، خلال عملي الصحفي في سنوات 2006 وما بعدها، لأشلاء الجثث في مشرحة الطبّ العدلي ببغداد، تلك الأشلاء الملقاة في غرفة ولا يطالب بها أحد.

إن هذا الجسد المجمّع من نفايات أجساد الضحايا تشكّل في رأسي وخيالي وصار يلاحقني لأكتب عنه، ثم جاء فيما بعد ذلك التناص مع رواية “فرانكشتاين” لميري شيلي، ليفتح الرواية على أفق أوسع، على وفق اشتراطات رواية “ما بعد الحداثة”، ما جعل الرواية إطاراً لتنافذ المحلّي والعالمي، كما هو واقع الاحتلال والحرب في العراق، في تلك الأوقات، فهو تنافذ ما هو محلّي وعالمي. ما جعل الرواية قابلة لقراءات أوسع، نقلت محنة العراق الى مساحة قراءة عالمية، وأيضاً جعلت الرواية، على وفق كلام أحد النقّاد الأميركيين، أفضل اعادة انتاج لرواية ميري شيلي على الاطلاق.

 

الشخصية “المركّبة” في الرواية بدت لكثيرين رمزاً سياسياً وأخلاقياً ووجودياً في آن. كيف كنت تراها أنت أثناء الكتابة؟

ـ هي كذلك بشكل من الأشكال، كما هي مرأة ذاتية. كنت مشغولاً أثناء الكتابة بالسؤال عن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الضحية عن الجلّاد، وكيف أننا كلّنا نحتوي على امكانات الجلّاد، ولكنها تظلّ نائمة، حتى تأتي اللحظة المنحوسة المناسبة.

أنا شخصياً أتحاشى الدوس على حشرة في الطريق، ولا أريد رؤية دجاجة تُذبح، ولكن هل هذا يعفيني من امكانات الاقدام على جريمة؟ حين تشعر بأن هذه الامكانية موجودة فانت تقف أمام رعب حقيقي.

الرعب ليس مشاهدة الجثث بعد تفجير ارهابي في شوارع العاصمة، كما حدث لي ولآخرين، ولا رؤية شارب ملتصق على عمود كهرباء، كما رأيت ذات مرّة، ودوّنته في الرواية لاحقاً، وإنما أن تكون أنت، تحت ظروف خاصّة، جزءاً من مشهد الجريمة، باليد أو اللسان أو التضامن، وهذا ما تورّط فيه غالبية العراقيين.

الجريمة ارتكبتها أقلية صغيرة من الناس، ولكن الجمهور المؤيّد، من هذا الفريق أو ذلك، للجريمة، كان واسعاً، وهذا يخلّص ويعرّف معنى “الحرب الأهلية”، ومعنى النسبية الفضفاضة للعدالة، والذي يعني ضياعها التام.

كنت، في تلك الأوقات، خائفاً من نفسي أولاً، وأريد مواجهة هذا الرعب الذي تمثله صورة افتراضية لأحمد سعداوي يقف على الضفّة الأخرى، ويملك من عدّة الكلام المنمّق ما يجعله يصوغ عبارات مؤثرة تبرّر الجريمة. كنت أريد أقصاء هذه الذات والسيطرة عليها، قبل أن أنصّب نفسي قاضياً لمحاكمة الآخرين.

الاطلاقة التي تذهب الى جسد الضحية من يد تضغط على الزناد، هي جريمة فرد واحد، ولكن الذراع المتّصلة باليد، والارادة بالقتل كانت تمتد الى مجتمع كامل، وأنا جزءٌ من هذا المجتمع، وجزءُ من الضحية التي سقطت. هذا هو فرانكشتاين العراقي.

 

هل توقعت أن تحظى الرواية بكل هذا الصدى العربي والعالمي؟

ـ كنت أتوقّع بالطبع أن تحقق الرواية استجابة ايجابية، ولكن لا يمكن لأحد أن يتوقّع مسارات تلقّي الرواية والى أين تصل.

بعد 13 سنة من صدور الرواية ما زالت تدوينات عن طبعاتها المختلفة تظهر بشكل يومي في منشورات قرّاء أو نقّاد على مواقع التواصل الاجتماعي في 33 لغة حول العالم، ويتم استعادتها سنوياً بمناسبات مثل “عيد الهلاويين” أو استعراض أهم الروايات العالمية، وتعاد طبعاتها الأجنبية مرّة بعد أخرى. لقد أخذت الرواية مسارها الخاص بعيداً عنّي، ولم أعد حتى قادراً على متابعة التفاعلات حولها.

الشيء الجيّد أن الرواية ساهمت مع روايات أخرى لزملاء مبدعين في تقديم صورة جيّدة عن الأدب العراقي، وزادت من فضول القراءة والترجمة من الأدب العراقي.

 

كيف أثّرت تجربة الترشيحات والجوائز في مسارك الأدبي؟ وهل ترى أن الجوائز الأدبية تصنع الكاتب، أم أن الكاتب هو من يمنح الجائزة قيمتها؟

ـ الجوائز مهمّة بكلّ تأكيد، لأنها تختصر المسافة أمام الكاتب الى الشهرة والانتشار، ولكن، إن وصل الكاتب الى هذه المكانة ولم يكن لديه شيء، أو كان بريق الشهرة أكبر من بريق الابداع، فإنه سرعان ما يغطس في العتمة، مثلما يحدث مع كثيرين.

هناك طبعاً كتّاب جيّدون لم يحالفهم الحظّ بنيل شهرة يستحقّونها، والشهرة خطرة مثلما هي مغرية وجذّابة، وأخطر ما في الشهرة أن يتحوّل الكاتب الى “خادم” لصورته المشهورة، ويفقد حريّته الأولى التي كتب بها عمله المشهور.

 

من خلال تجربتك في “فرانكشتاين في بغداد”، التي حظيت باهتمام عالمي وبلغات كثيرة، ما أبرز التحديات التي تواجه الرواية العربية في الوصول إلى العالمية؟

ـ أولاً: يجب أن نفكّر بوصول الرواية العربية الى القارئ العربي، فعلى الحيوية التي يتمتّع بها قطاع القرّاء العرب اليوم، قياساً بحقبٍ سابقة، إلا أن نسبة القرّاء الى المواطنين هي من الأقل عالمياً. ما زالت القراءة ليست شيئاً جوهرياً في حياة الشعوب العربية، والرواية جزءٌ من سوق القراءة المتنوّع. والمشكلة لها علاقة بالتعليم وأساليبه القديمة لدينا، وباهتمام المؤسسات الحكومية والأهلية وغيرها بترسيخ القراءة باعتبارها استثماراً بشرياً مربحاً.

ثانياً؛ هناك مشكلة مزمنة تتعلّق بسقف الحريات في بلداننا الذي يتيح للكاتب أن يتعامل بحرية مع الكتابة، ويواجه الأزمات الاجتماعية والسياسية وغيرها بالفحص والتحليل والنقد، وجعل الكتابة مشتبكة مع اللحظة الراهنة وقضاياها، الأمر الذي يثير فضول القارئ ويجذبه الى قراءة الروايات أكثر.

ثالثاً؛ يجب أن يكون هناك اهتمام من المؤسسات العربية نفسها بنقل الأدب العربي الى اللغات الأخرى، وعدم الاحتكام الى المصادفات، أو تريندات الجوائز التي تجذب الناشرين الأجانب، أو مزاج الناشر الأجنبي في انتقاء ما يناسبه ويناسب السوق الأجنبية من وجهة نظره، فهذا الناشر ليس جمعية خيرية، ويفكّر كثيراً بامكانات أن يبيع الكتاب المترجم من العربية، قبل أن يقدم على ترجمته.

رابعاً؛ هناك فقر شديد في الوكالات الأدبية التي تتولى إدارة أعمال الروائي العربي، وكذلك في قطاع التسويق والدعاية والاعلان. قد يكون الكاتب عبقرياً في الكتابة، ولكنه سيء في إدارة أعماله. إن شهرة كاتب مثل باولو كويلو مثلاً لم تعتمد على “عبقريته”، وإنما وكالات ترويج ودعاية تعاقد معها، ووكيل أدبي يعرف “من أين تؤكل الكتف”.

خامساً؛ إننا اليوم نعيش في عصر رقمي مختلف كليّاً عمّا كنا نعيشه قبل عقد من السنوات، وليس قبل عقود. وفرض المحتوى الرقمي، الصوتي والبصري، في وسائل التواصل الاجتماعي نفسه بقوّة، وأكل جزءاً كبيراً من وقت واهتمام المواطن العربي، وسحب جزءاً من القرّاء المحتملين الى استهلاك هذا المحتوى الرقمي، وعلى الكاتب العربي أن يواكب هذا التحوّل ويتعلّم التكيّف معه، والاستفادة منه في خدمة مشروعه الأدبي، وأن لا يواجهه بريبة أو استصغار وتجاهل.

 

في العقدين الأخرين في العراق، تسيدت الرواية المشهد الأدبي، هل أزاحت الشعر من عليائه، أم ان لك رأي اخر.

ـ جمهور القراء كان دائماً يقرأ الروايات، كأكثر جنس أدبي مقروء. في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وما قبلها، كانت القراءات أغلبها في روايات من الأدب العالمي أو العربي وبعض العراقي. الذي تغيّر أن هناك أسماء جديدة دخلت الى ساحة الكتابة الروائية العراقية، وصار هناك اهتمام أكثر بكتابة الرواية مرتبط بارتفاع سقف الحريّة النسبي ما بعد 2003، لأن حيوية الرواية متعلّقة بالحريّة، فالرواية بشكل من الأشكال هي تعليق على قضايا اجتماعية وسياسة وتاريخية، وهذه، في زمن الاستبداد والديكتاتورية، كانت حكراً على سرديات النظام، فيذهب الكاتب المبدع الى المجاز والاستعارة، ويكثر الشعر والشعراء، لأنه فضاء سيّال لا يمكن فيه إلقاء القبض على الكاتب متلبساً بورطة الايمان بسردية مناهضة للنظام.

قبل عقود، مثلاً، كانت قراءة المسرحيات في كتب منشورة، أمراً شائعاً، ولكن اليوم من النادر أن ينشر كاتب ما أعماله المسرحية في كتاب، ونادراً ما يتّجه القراء الى قراءتها. ولكن هذا لا يمثل عائقاً أمام المبدع المسرحي إن وجد في كتابة المسرحية فضاءً أكثر قدرة على التعبير عن حاجاته التعبيرية.

يُكتب اليوم أفضل الشعر العراقي، بعيداً عن الأضواء وعن مدى اهتمام الجمهور، وهذا أفضل للشعر، بعيداً عن موضة الأجيال والتيارات والصراعات الفكرية والفنيّة التي غطّت على الشعر العراقي من الاربعينيات من القرن الماضي حتى أواخر التسعينيات.

بالنسبة لي لأن الأعين غالباً تراقب ما أنتجه وأصدره من روايات، فأنا أجد حريّة كاملة في كتابة الشعر، بعيداً عن التوقّعات المسبّقة عمّا يراد منّي، ويفعل أصدقاء شعراء مبدعون الشيء نفسه؛ الكتابة في فضاء حريّة هائلة يمثله ضعف التوقعات المسبّقة. ومن يبحث عن الشعر الجيّد سيجده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى