“داغـسـتـان بـلــدي” نص حي ينبض شعراً

جمال العتّابي
بغضّ النظر عن يوم ولادتي، فإني أعدّ ولادتي الحقيقية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ “ولادة أشعاري”، فحياتي تبدأ مع القصيدة وهي مكرّسة لها حتى النهاية. ربما حين قمت أنا، ابن الأحد عشر عاماً، وقبل أن أعرف استعمال الحزام في البنطلون ولم أكن قد امتطيت الجواد بعد، بكتابة أول قصيدة، وأنا مستلق على جلد ثور كان ممدوداً على سطح الكوخ.
هكذا يتحدث الفتى “رسول حمزاتوف” المنحدر من منطقة تتناقل أجيالها على مرّ العصور الشعر والحكمة مشافهة. فيها ولد حمزاتوف عام 1923، في قرية صغيرة نائية منسية بين أحضان جبال داغستان، كان والده شاعراً، يكتب الشعر باللغة الآفارية القومية، يروي حمزاتوف الإبن أن والده كان يلجأ إلى اللغة العربية إن أراد التغزّل بنساء أخريات كي لا تفهمها الأم، ورث رسول الموهبة الشعرية من أبيه. في الرابعة عشرة من عمره، نشرت الصحف المحلية أولى قصائده. في العشرين صدر ديوانه الأول « حب لاهب، وحقد حارق»، ثم توالت دوواينه وكتبه الأخرى. التي يزيد عددها على 40 مطبوعاً، كتب معظمها بلغته الآفارية التي يعدّها رمزاً للأرض والتاريخ، لحكايات الأجداد وأغنيات الطفولة.
تخرّج في معهد غوركي للآداب، هناك تعرّف على الأدب العالمي، نال شهرة محلية واسعة، منها انطلق إلى العالمية. فهو يعدّ أشهر شعراء العالم، وأصبح رئيساً لاتحاد أدباء وكتاب داغستان، ظلّ يشغل هذا المنصب حتى وفاته في 2003. حصل على عشرات الجوائز والألقاب، منها جائزة لينين التي لم تمنعه من أن يعتمر ويزور قبر النبي في المدينة المنورة عام 1995. إذ وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية.
اشتهر بكتابه “داغستان بلدي” وداغستان تعني بالتركية: بلد الجبال. يروي حمزاتوف قصة كتابه هذا، حين كتب له أحد محرري المجلات رسالة يطالبه فيها أن يكتب عن داغستان ـ حاضرها المشرق، ماضيها العتيق، جبالها ومياهها ومزارعها وأهلها. شرط ألّا تتعدى المادة 9 أو 10 صفحات، ينجزها رسول خلال ثلاثة أسابيع. يبدو أن هذا الطلب أغضبه وأثار قريحته، فانتهى بملحمة تزيد على خمسمائة صفحة أخذت منه سنوات لكتابتها.
حين كتب رسول حمزاتوف كتابه الشهير “داغستان بلدي”، لم يكن يدوّن سيرة مكانٍ فحسب، بل كان يكتب سيرة الروح وهي تتشكّل في حضن الجبال. هناك، يعلو صوت الإنسان ليختلط بنداء الطبيعة، وُلدت تلك الذاكرة التي لم تنطفئ، بل ظلّت مشعّة، تُضيء دروب الشعر، وتمنح اللغة دفئها الإنساني.
في هذا الكتاب، لا يعود الوطن جغرافيا محددة، بل يصبح حالة وجدانية، نبرة في الصوت، يقول حمزاتوف: “إذا أطلقوا النار على لغتي، فسأموت أنا أيضاً”، وهي عبارة لا تُقرأ بوصفها انفعالاً عاطفياً، بل إعلاناً وجودياً عن وحدة الكائن بلغته. اللغة هنا ليست وسيلة، بل مصير، ليست أداة، بل هوية كاملة، تنبض بالحياة أو تنطفئ معها.
لقد أدرك حمزاتوف أن الذاكرة ليست خزيناً للماضي، بل طاقة متجددة تعيد إنتاج الحاضر. لذا كان “داغستان بلدي” كتاباً مفتوحاً على الحكايات، والأمثال، والسير الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى عفوية، لكنها تنطوي على حكمة شعبٍ بأكمله. إن كل قصة فيه ليست سوى نافذة على عالم أوسع، حيث الإنسان يقف في مواجهة الزمن، مسلحاً بالكلمة.
من هنا، تتجلّى خصوصية هذا النص: فهو ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا كتاباً في التأملات المجردة، بل هو مزيج نادر من الشعر والنثر، من الحكمة والتجربة، من الفردي والجمعي. يقول حمزاتوف في إحدى تأملاته: «الشاعر بلا وطن، كبلبل بلا شجرة»، وكأنّه يختصر بذلك فلسفته كاملة: لا وجود للشعر خارج جذوره، ولا معنى للصوت إن لم يكن صدى لأرضٍ ما.
تتوهج الذاكرة في كتابه بوصفها ضوءاً لا يخبو. فهي ذاكرة الأب، الذي كان شاعراً أيضاً، وذاكرة الأم، التي شكّلت أول معجم للحب والحنان، وذاكرة القرية، التي علّمته كيف يصغي إلى الصمت، وكيف يرى في التفاصيل الصغيرة عالماً كاملاً. هذه الذاكرة لا تُستعاد بحنينٍ باكٍ، بل تُعاد صياغتها بوعيٍ جديد، يجعل الماضي حاضراً في كل لحظة.
لعلّ ما يمنح هذا العمل فرادته، هو تلك اللغة التي تمزج البساطة بالعمق. فحمزاتوف لا يكتب بلغة معقّدة، لكنه يكتب بلغة صافية، قادرة على أن تحمل أثقل المعاني دون أن تنكسر. يقول: ليست القصيدة ما تكتبه، بل ما يبقى منها في قلب القارئ، وهنا تتجلّى رؤيته للشعر بوصفه أثراً، لا نصاً، تجربة، لا صياغة.
إن “داغستان بلدي” ليس كتاباً عن داغستان وحدها، بل عن كل الأمكنة التي تسكننا، وعن تلك العلاقة الخفية بين الإنسان وأرضه. لقد استطاع حمزاتوف أن يجعل من قريته الصغيرة مرآة للعالم، ومن تجربته الشخصية لغةً كونية يفهمها الجميع. وهنا تكمن عظمته: في قدرته على تحويل الخاص إلى عام، والمحلي إلى إنساني.
وفي ثنايا هذا العمل، تتردد نغمة الوفاء، بوصفها قيمة مركزية. وفاء للأصدقاء، للذكريات، للغة، وللأرض التي منحت الشاعر اسمه الأول. يقول: “يمكنك أن تغادر الجبال، لكن الجبال لا تغادرك”، وكأنّه يذكّرنا بأن الانتماء ليس قراراً، بل قدرٌ يسكن في أعماقنا.
كان حمزاتوف شاعراً للإنسان، قبل أن يكون شاعراً للوطن، لكنه أدرك أن الطريق إلى الإنسان يمرّ عبر الوطن. لذلك جاءت كتاباته مفعمة بروح التسامح، والانفتاح، والدفاع عن الكرامة الإنسانية. لم يكن ينحاز إلى خطابٍ أيديولوجي ضيق، بل إلى الإنسان في جوهره، إلى ذلك الكائن الذي يبحث عن معنى لحياته وسط ضجيج العالم.
حين نطالع “داغستان بلدي” اليوم، نشعر أننا لا نقرأ كتاباً من الماضي، بل نص حي، ما زال ينبض بأسئلة الحاضر. كيف نحافظ على ذاكرتنا في زمن النسيان؟ كيف نصون لغتنا في عالم تغيب فيه الهويات وتصادر الحريات؟ وكيف نكتب أنفسنا دون أن نفقد جذورنا؟
لقد رحل رسول حمزاتوف، لكن ذاكرته ما زالت تتوهّج في كلماته، مثل نارٍ هادئة، لا تحرق، بل تُنير. لقد ترك لنا كتاباً يشبه الحياة: بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، مفتوحاً على التأويل، ومفعماً بالإنسان.



