ثقافة وفن

(أن تكتب لتُنقذ حياة).. هل العدالة كانت متاحة للسود؟

علاء المفرجي
يستقل إيميت تيل القطار من منزله في شيكاغو لزيارة عائلته في موني، ميسيسيبي؛ وبعد أسابيع قليلة عاد إلى منزله ميتًا. قُتل لأنه كان فتىً أسود البشرة، ويُزعم أنه صفّر لامرأة بيضاء. اختارت والدته، مامي تيل، عرض وجه ابنها المشوه في نعش زجاجي، «ليرى العالم ما فعلوه بطفلي».
أصبحت جريمة قتل إيميت تيل ورفض والدته السماح بنسيان قصته أساطير أمريكية. لكن ثمة منعطفًا قاتمًا بالغ الأهمية في أسطورة تيل نادرًا ما يُذكر: لويس تيل، والد إيميت وزوج مامي، جندي خلال الحرب العالمية الثانية، أُعدم في إيطاليا بتهمة الاغتصاب والقتل.
في عام ١٩٥٥، عندما كان كل من وايدمان وإيميت في الرابعة عشرة من عمرهما، رأى وايدمان صورة مروعة لوجه إيميت الميت المشوه. بعد عقود، عندما اكتشف أن لويس تيل قد حوكم عسكريًا وأُعدم شنقًا، دفعه ذلك إلى التحقيق في المصائر المتشابكة بشكل مأساوي للأب والابن. كتاب «الكتابة لإنقاذ حياة» هو «جزء منه استكشاف وجزء منه تأمل، سردٌ دقيق لمحاولة وايدمان معرفة المزيد عن حياة لويس تيل القصيرة») وتسليط الضوء على الحقائق التي ظلت غامضة.
تُعد هذه رواية (أن تكتب لتٌنقد حياة.. ملف لويس تيل) للكاتب الامريكي جون إدغار وايدمان والصادرة عن المدى بترجمة مصطفى ناصر، واحدة من أبرز الأعمال الأدبية الأمريكية المعاصرة التي تمزج بين السيرة الذاتية، والتاريخ، والتخييل. نُشرت سنة 2016، وهي ليست رواية تقليدية ذات حبكة واضحة، بل عمل تأملي يبحث في التاريخ المنسي والعدالة العرقية في الولايات المتحدة. يركّز الكتاب على قصة لويس تيل، والد الفتى الشهير أيميت تيل ويعيد قراءة مأساتهما معًا في إطار أوسع من العنصرية والتاريخ الأمريكي.
الموضوع الرئيسي للعمل هو البحث عن الحقيقة والعدالة في ظل تاريخ مشوَّه أو ناقص. حيث يروي الكاتب قصة إيميت تيل، الفتى الأسود الذي قُتل بوحشية سنة 1955 بسبب ادعاء أنه صفّر لامرأة بيضاء، وهي حادثة صدمت المجتمع الأمريكي وأسهمت في إشعال حركة الحقوق المدنية. ثم ينتقل إلى قصة والده لويس تيل، الذي أُعدم سنة 1945 من قبل الجيش الأمريكي بتهم الاغتصاب والقتل أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن الهدف ليس مجرد السرد، بل إعادة التحقيق في قصة الأب التي بقيت غامضة ومثيرة للجدل.
الرواية لا يمكن تصنيفها بسهولة، فهي تجمع بين البحث التاريخي (الملفات العسكرية، الوثائق)، والسيرة الذاتية من خلال تجربة الكاتب الشخصية، والخيال الأدبي والذي هو ملء الفراغات التي لا تغطيها الوثائق، فالكاتب يعترف بأن كثيرًا من التفاصيل غير معروفة، ولذلك يستخدم الخيال كأداة لفهم الحقيقة. وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى ما يسمى بـ “السرد الهجين”.
يمتاز الكتاب بأسلوب غير خطّي، حيث ينتقل بين الماضي والحاضر، ويمزج بين صوت الكاتب وصوت الشخصيات، كما يستخدم التأملات الفلسفية والسرد الشعري، ويعتمد على القفز الزمني والربط بين أحداث متباعدة، ليؤكد أن الماضي لا ينفصل عن الحاضر.
والرواية تكشف كيف أن النظام القضائي والعسكري الأمريكي تعامل بتمييز مع السود، سواء في قضية الأب أو الابن. حيث أن إيميت قُتل دون عقاب حقيقي للجناة، ولويس ربما أُدين بمحاكمة غير عادلة، وهو سؤال مهم تطرحه الرواية: هل العدالة كانت متاحة للسود أصلًا؟. تكمن أهمية هذا الكتاب في إعادة تسليط الضوء على شخصية منسية (لويس تيل)، تقديم قراءة جديدة لتاريخ العنصرية في أمريكا، وكسر الحدود بين الأدب والتاريخ، طرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول الحقيقة والعدالة.
ووايدمان أيضا، مؤلف كتاب ” الإخوة والحراس ” الحائز على جوائز، “بارع في التأمل الهادئ… وكتابه رائع لبصيرته وقوته”. يُعد كتاب “الكتابة لإنقاذ حياة” مزيجًا من البحث والمذكرات والخيال، وهو قراءة أساسية و”مذهلة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى