رياضة

هل انتهت مرحلة «الإنفاق المفتوح» في الرياضة السعودية؟

لسنوات بدت السعودية وكأنها الوجهة الذهبية لصناعة الرياضة العالمية، بأموال وفيرة وصفقات ضخمة اجتذبت كبار النجوم. لكن التحولات الأخيرة تشير إلى تراجع هذا الزخم، مع انتقال واضح من سياسة الإنفاق المفتوح إلى حسابات أكثر حذرا تضع العوائد الاقتصادية في المقدمة.

عصر الإنفاق غير المحدود

وفي مقال له بعنوان “الجنة تغلق أبوابها”، نشر هذا الأسبوع على موقع “ويلت أونلاين” الألماني، أوضح الصحفي سفين فلوهر أنه كان شائعا في عالم الرياضة العالمية خلال السنوات الماضية أن تحقيق أرباح ضخمة يتحقق بالتوجه إلى المملكة العربية السعودية، “لكن هذا الواقع تغير مؤخرا، حيث قررت البلاد اعتماد استراتيجية جديدة”، كما يقول فلور.

وفي مرحلة سابقة، اعتمدت السعودية استراتيجية تقوم على استقطاب الأحداث الرياضية الكبرى بأي ثمن. من الفورمولا 1 إلى الملاكمة، ومن كرة القدم إلى الجولف وحتى رمي السهام، أصبحت المملكة منصة عالمية للأحداث الرياضية.

وقاد صندوق الاستثمارات العامة هذه الموجة من خلال ضخ مليارات الدولارات، ليس فقط لاستضافة البطولات، بل أيضا لإنشاء مسابقات جديدة، مثل «البطولة السعودية الدولية للغولف» (LIV Golf)، واستقطاب نجوم عالميين، على سبيل المثال من رابطة لاعبي الغولف المحترفين المسماة «PGA TOUR»، عبر عقود وهمية.

ويقول فلور إنه حتى الخاسرون في تلك البطولة حصلوا على جوائز مالية ضخمة. “حتى اللاعب في المركز الأخير حصل على 50 ألف دولار”. بل “العلبة” أي هي التي تحمل حقيبة لاعب الجولف عبر الملعب وتقدم له النصائح. هنا، على سبيل المثال، “عرضت علبة النجم الإسباني جون رام للتو ممتلكاته في ولاية كارولينا الشمالية للبيع مقابل 14 مليون دولار”.

وكان الهدف من هذا الإنفاق واضحا: تعزيز الحضور الدولي وإنشاء صناعة رياضية مربحة على المدى الطويل.

الجولف: مال كثير وفائدة قليلة

وتعد تجربة الجولف أوضح مثال على النجاح المحدود لهذه الإستراتيجية. ورغم استثمارات تقدر بما بين 5 و6 مليارات دولار، لم تنجح «بطولة السعودية الدولية للغولف» في استقطاب جمهور واسع.

طغت نسبة المشاهدة المنخفضة على تألق النجوم والجوائز الضخمة. ومع غياب الربحية، بدأت تظهر مؤشرات على انسحاب محتمل لصندوق الاستثمار، ما يهدد بإنهاء التجربة برمتها.

لاعب الجولف جون رام
رغم استثمارات تقدر بما بين 5 و6 مليارات دولار، لم تنجح «بطولة السعودية الدولية للجولف» في استقطاب جمهور واسعتصوير: بيتر باركس/ وكالة فرانس برس

كرة القدم: بدأ الزخم في الانخفاض

ولا يقتصر التغيير على لعبة الجولف فقط. وبعد طفرة الإنفاق الكبيرة في الدوري السعودي، بدأت الأرقام في الانخفاض بشكل ملحوظ. وفي موسم 2023/2024، بلغت قيمة العقود نحو 900 مليون يورو، لكنها تراجعت لاحقا إلى أقل من الثلث. كما اتجه الصندوق السيادي إلى بيع بعض الأصول، مثل نادي الهلال الذي تم بيعه لمستثمر خاص وسط توقعات بمزيد من الخصخصة وربما حتى التخلي عن الاستثمارات الأجنبية مثل نيوكاسل يونايتد “الذي يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. تم شراؤه عام 2021 مقابل 350 مليون يورو، ويعتبر اليوم أكثر قيمة بكثير”، كما يؤكد موقع “سيفن فلور” على موقع “ويلت أونلاين”.

انسحابات متتالية: مشاريع مؤجلة وأخرى ملغاة

ولا يقتصر التراجع على خفض الإنفاق، بل يشمل إعادة النظر في عدد من المشاريع الرياضية مثل:

إلغاء بطولات البلياردو والسنوكر

احتمال إنهاء استضافة نهائيات التنس للسيدات (WTA)

التخلي عن استضافة كأس العالم للرجبي 2035

التراجع عن مشروع الألعاب الآسيوية الشتوية

إنهاء الشراكات الرياضية الدولية، بما في ذلك التعاون المحتمل مع نجم كرة القدم الأمريكية توم برادي

وتعكس هذه القرارات تحولاً واضحاً من التوسع السريع إلى الانكماش.

المملكة العربية السعودية الرياض 2024 | حفل افتتاح كأس السوبر الإيطالي بين نابولي وفيورنتينا في 18 يناير 2024
حفل افتتاح كأس السوبر الإيطالي في يناير 2024 بين نابولي وفيورنتينا على ملعب الرياضالصورة: ألفريدو فالكوني/لابريس عبر تحالف زوما للصحافة/الصور

لماذا تغيرت الاستراتيجية؟

يقول سفين فلور: “هناك عدة أسباب لعدم ظهور الرياضة بشكل بارز في أوراق الإستراتيجية الجديدة للمملكة العربية السعودية”. “فمن ناحية، لم تكن خطة تحفيز السياحة بهذه الطريقة ناجحة بما يكفي لتبرير النفقات الضخمة”.

ورغم الرهان على جذب السياح عبر الرياضة، إلا أن الفعاليات لم تحقق النتائج المرجوة. ولم ينعكس الاهتمام بالبطولات بشكل كافٍ في أعداد الزوار أو الإيرادات.

تكاليف ومخاطر عالية. إن الاستثمار في الرياضة العالمية مكلف للغاية، ومع ارتفاع النفقات الدفاعية والتحديات الاقتصادية، هناك حاجة ملحة إلى إعادة ترتيب الأولويات.

التوترات الجيوسياسية. ضائع لقد أثرت الأزمات الإقليمية، مثل الحرب المرتبطة بإيران، على المشهد، بما في ذلك إلغاء أحداث مثل سباقات الفورمولا 1، وزيادة حالة عدم اليقين. يكتب فلور: “إن عائدات مبيعات السياحة والنفط تتراجع أيضًا، في حين تتحمل البلاد نفقات دفاعية هائلة. وفي مجال الرياضة، يمكن الآن إجراء تخفيضات سريعة وفعالة”.

ويبدو أن السعودية تتبنى نهجا أكثر واقعية، إذ لم يعد الهدف الشهرة بأي ثمن، بل تحقيق عائد ملموس ومستدام.

هل هو تراجع أم إعادة تموضع؟

وعلى الرغم من صورة التراجع الواضحة، فإن ما يحدث يمكن قراءته بطريقة مختلفة: ليس انسحاباً من الرياضة، بل إعادة تموضع استراتيجي. ولا تزال المملكة العربية السعودية تستعد لاستضافة الأحداث الكبرى مثل كأس العالم 2034، لكنها تسعى على الأرجح إلى تقليل الهدر والتركيز على مشاريع أكثر جدوى.

ما يحدث اليوم قد يعكس نهاية مرحلة «الإنفاق المفتوح» في الرياضة السعودية، وبداية مرحلة جديدة تقوم على التوازن بين الطموح والربحية. وبينما قد تخفت بعض الأضواء مؤقتا، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح هذا النهج الجديد في بناء نموذج رياضي مستدام، أم ستفقد السعودية جزءا من الجاذبية التي خلقتها على مدى السنوات الماضية؟

تحرير : عادل الشروات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى