اللعنة تطاردُ الكتب

كه يلان محمد
أقدار الكتب متفاوتة قد يذهبُ بعضها إلى غياهب النسيان ولا يجدُ من يمضي في غابة صفحاته وقتاً أو يؤانسُ مايضمه من الأفكار.بالمقابل ثمة عناوينُ حظها أفضل تتصدرُ المشهد لمدة، ولكنها قد تخسر موقعها في الواجهة جراء التحول في الذائقة وبالتالي تخلي المكان لغيرها.كأنَّ ما هو قانون للحياة البقاءُ للأصلح ينسحبُ على المكتبة أيضاً.لايقرأ باستمرار إلا ما هو أفيد للعقول في مختلف العصور.لعلَّ الأغربَ في مسيرة الكُتب أنَّ أكثرها تأثيراً هو ما يحرق أو يحظر أو يلاحقُ صاحبه، ولا مبالغة في القول بأنَّ حظ الكتاب يزدادُ عندما يُمنعُ من التداول ويتنكرُ لفحواه تحت غطاء عنوان مُستعار.بالطبع ليس كل ما يصادرُ يكونُ كتاباً ثميناً بالضرورة، فالجلبة المفتعلة تضعُ الكتاب ومؤلفه على منصة النجومية مؤقتا. ولاشكَّ قد يسدي سوء التقدير لموضوع شائك خدمة كبيرة لإصدار أدبي أو فكري غير أنَّ المؤلفات المؤثرة لاتكمن قيمتها في تدوير الثيمات الإشكالية بقدر ماتستمدُ أهميتها من كسر الجليد وضرب الرؤوس المتحجرة وتنظيف مدخنة العقل من السخام. وذلك من خلال الارتياد نحو مناطق مُلغمة بالمحرم الديني أو السياسي أو الجنسي، ومن المعلوم أنَّ هذه المواضيع الثلاثة قد أثارت الجدل على مرِّ التاريخ.رصد الكاتب العراقي “علي حسين” في مؤَلَفه الأحدث “كتب ملعونة” مسيرة الأعمال الفكرية والأدبية التي غيرت خارطة المعرفة البشرية وطالت مغامرة أصحابها بقعاً وعرة في أجواز الفضاء وسرائر النفس.يفتتحُ صاحب “غوايات القراءة” رحلته في كواليس الظروف التي اختمرت فيها الأفكارُ المزلزلة بالحديث عن الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر ومحاولاته التي باءت بالفشل لنشر قصيدته “كرة قدم أمريكية ” إذ تصل إليه رسالة من جريدة “لندن ريفو” تخبره بأنَّ قصيدته تكتنزُ طاقة جبارة وهذا مايمنع نشرها.ومن ثمَّ يشيرُ المؤلفُ إلى السؤال الذي كان يطرقُ رأس الشاعر التشيلي بابلو نيرودا.لماذا يخاف البعض من الكتب؟! مايقوله فولتير عن الكتب يضمرُ جواباً لهذا السؤال فبرأيه أنَّ الكتب تشتت الجهل هذا الحارس الأمين للدول ذات الأنظمة البوليسية.
الرقابة
انزياح الفكر عن التيار السائد يستدعي وجود الرقابة كما أن الالتفاف على عين الرقيب يفضي إلى مناورات في اللغة والكناية في التعبير، تفيدُ المصادرُ بأن ظاهرة الرقابة تعودُ إلى القرن الخامس الميلادي في روما غير أنَّ حرق الكتب يسبق هذا التاريخ بأشواط طويلة وكانت مؤلفات الفيلسوف اليوناني بروتاغواس وقوداً للنار فقد خالف رائدُ المدرسة السفسطائية آراء العامة رافضاً المعتقدات الدينية، ويبلغُ خوف الأمبراطور الصيني “هوانغ تي” من الكتب إلى حد يصدر قراراً بإبادة كل المصنفات حرقاً.كذلك تلتهم النارُ كتب هوميروس وفرجيل بقرار من كاليغولا.ويبدو أنَّ الأباطرة والسلاطين زادت مخاوفهم من الفكر لذلك يتم تقنين الحظر وكان جستينيان الأول مبادراً على هذا الصعيد إذ أطلق سلسلة من الإجراءات المتشددة بمنع اقتناء مؤلفات “نسطور” التي وُصمت بالهرطقة.قد لاتقع في سجل الأدب على اسم يعادلُ الكاتب الفرنسي ماركيز دي ساد بمواقفه ورواياته الحافلة بالقسوة والتوحش.لذا كرس علي حسين القسم الأول من كتابه لتناول جوانب من حياةِ مؤلف ” الفلسفة في المخدع” التي كانت مثقلة بالمعاناة الناجمة من الطيش.صادف أنَّ تصل رواية “جوستين” إلى نابليون وما إن يتصفحها حتى يصفها بأوضع كتابٍ ظهر على الإطلاق بخياله المريض ويعاقبُ على صاحبها بالسجن،ويذكرُ علي حسين بأنَّ ماركيز لم يخرجْ من المعتقل إلا إلى المصحة التي أمضى فيها أيامه الأخيرة.والغريب في الأمر أنَّ رقدة ماركيز لم تدُم في مأواه الأخير نبش قبره ونقلت الجمجمةُ إلى ألمانيا واشترتها مجموعةُ تؤمن بالسحر. واعتبرت ماركيز من كبار السحرة.يُقطعُ خيط المتابعة عن شخصية دي ساد و يُسحب الستار عن الشيخ السبعيني وهو يحاكم أمام القضاة بتهمة إفساد عقيدة الشباب.لم تِلنْ عريكة سقراط وأدرك منذ البداية ان انتصار الفكر يكلفه ثمناً باهظاً،وبموقفه هذا ضرب فيلسوف أثينا مثالاً للبطولة والشجاعة.
تشملُ حملة الملاحقات مزيداً من الشخصيات وتتسعُ لائحة المحظورات لعناوين أدبية.وبالتالي لم يعد التَشددُ مقصوراً على المؤلفات الفكرية. فيصبح الأدبُ على مرمى عين الرقابة.ففي العام 1557 يطالب أحدُ القساوسة بمنع “الديكاميرون” لبوكاشيو.ولايرفعُ عنها الحظر إلا بعد تنقيحها.وعلى هذا النحو يمتدُ الحصارُ نحو الكتب العلمية فقد صدر ” ثورة الأجرام السماوية ” لكوبرنيكوس عام 1543 ولم يسجلْ عليه التحفظ إلى أنَّ ذاع صيت الكتاب وحظي بالاحتفاء والمتابعة ما أثار غضب المؤسسة الدينية،ويُختم عليه بتوقيع الرقيب.ومن نافلة القول بأنَّ غاليليو كاد أن يطيحوا برأسه عندما نشر كتابه “رسول من النجوم” أما ديكارت يوفر على نفسه عناء الصراع المرير مع الأكليروس لذلك يتلف كتابه ” انسجام العالم” ويقول “ليس من الحكمة أن يفقد المرءُ حياته عندما يكون بإمكانه انقاذ حياته دون التخاذل” لكن الوقاية المسبقة لاتنفع صاحب “المقال في المنهج” تدرجُ مع تصاعد حدة المعارك الفكرية مؤلفات ديكارت في قائمة الكتب المصادرة.
نحو التنوير
مطاردة المفكرين والفلاسفة أخذت منحىً عنيفاً مع بوادر عصر التنوير بدأ ديكارت بنثر الشك في كل المعتقدات والمسلمات اللاهوتية وما لايمكن أن تشكَّ في حقيقته هو التفكير الذي سيكون مدماكاً في بناء منهجه المعرفي.ومن البداهات التي لاتحتاج إلى التذكير بأنَّ مباديء هذه الثورة العقلية لاتطابق المنظومة العقائدية المقفلة.لذا فمن الطبيعي أن يتوارى ديكارت عن الأنظار ويتنقل بين المنافي. وهو ينصح من يبحث عن السعادة بالابتعاد عن عيون الناس.يعتقدُ رينيه ديكارت بأنَّ رأس الإنسان صندوق للأفكار فالحكيم يجب أن يتأكد من سلامة مايتراكم في الرأس ويتخلص مماهو معطوب تماما كما ينظفُ البقالُ سلة الفاكهة من التفاحات العفنة.يتقاطع درب الأديب المصري طه حسين مع ديكارت فيقتدي بمنهجه في قراءة المرويات التاريخية والأدبية والحال هذه فمن المحتوم أن يصطدم مؤلف “دعاء الكروان” مع أصحاب المناهج التقليدية وتنهال عليه الاتهامات من كل الجهات يذكر أن قصة عميد الأدب العربي تأتي في ذات السياق الذي يتناول فيه “علي حسين” اللحظة الديكارتية. كما تتجاور على صفحات كتابه قصة انخراط فولتير في طريق التنوير مع ماعاشهُ أنداده جون لوك وروسو من التوتر والمكابدات.ينشرُ فرانسو ماري أروويه قاموسه الفلسفي باسم مستعار.غير أنَّ هذه المراوغات لاتجدي نفعاً في زمن التكفير واشتدت الحملة على جان جاك روسو وأقيمت المحرقة لكتبه في باريس وجنيف وامستردام وانبرى مطران باريس كريستوف دموبون لاستعراض ماورد في كتابه “إميل” من الآراء المنافية مع الأسس الدينية.غير أنَّ روسو لم يتنصل من موقفه ولم يألُ جهداً للدفاع عن نفسه.فالبحث عن بدايات التنوير يقود إلى باروخ سبينوزا فدور الأخير كان ريادياً في فك الانسدادات العقائدية، والأهم في حياة مؤلف “رسالة في إصلاح العقل” هو البعد الأخلاقي والتعمق في أغوار الطبيعة البشرية يخبرنا علي حسين بأنَّ سبينوزا عندما يبلغ الرابعة والعشرين من عمره يكون شخصا غير مرغوب فيه لدى عائلته.وهو يغادرُ مدينته امستردام ويستقرُ في ليدن ولاينشرُ في حياته سوى كتابين تفادياً للتشابك مع رجال الدين مع ذلك ينجو بأعجوبة من طعنة رجل متعصب.
يفردُ حسين مفصلاً من كتابه لمتابعة ارتدادات مؤلفات ماركس وأنغلز لافتاً إلى تأثير البيان الشيوعي على حراكات اجتماعية ونضوج الوعي الثوري في أوروبا يكتب إيسيا برلين “لايمكن لأي حركة أو قضية سياسية أخرى أن تدعي بأنها أنتجت أي شيء يدانيه من حيث البلاغة أو القوة” ومايشدُ الانتباه في هذا الإطار هو الصداقة الفكرية والإنسانية العالية بين قطبي اليسار.لاتنتهي رحلة علي حسين بتغطية الكتب والمؤلفات الفلسفية والفكرية بل يضيف إلى مسافة رحلته الممتدة في مراحل تاريخية مختلفة روايات كان مصيرها ناراً أو قائمة الحظر هنا يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى دكتور جيفاكو، وكل شيء هاديء في الميدان الغربي، ورحلة في قلب الليل. هذا إضافة إلى الأعمال الأدبية والفكرية التي احتدم حولها الجدل في أروقة المحاكم



