الهوية بوصفها سؤالًا أخلاقيًا ..قراءة في المجموعة القصصية آشوري في لييج

بشرى الهلالي
ثمة أعمال سردية تجعل المكان بطلها الرئيس، وأخرى تجعل الحدث محورًا لحركتها، غير أن مجموعة «آشوري في لييج» تنتمي إلى نوع مختلف، فهي تجعل من الهوية مركزًا تدور حوله الشخصيات والأمكنة والأزمنة. لا يكتب أسعد الهلالي عن الغربة بوصفها انتقالًا من وطن إلى آخر، ولا يجعل اللجوء مجرد تجربة إنسانية يطغى عليها الحنين والفقد، بل ينفذ إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث تتحول الهوية نفسها إلى سؤال أخلاقي مفتوح.
فالشخصيات لا تبحث عن مكان جديد بقدر ما تبحث عن معنى جديد لوجودها، ولا تعاني من فقدان الوطن وحده، بل من فقدان اليقين الذي كانت تمنحه الهوية حين تبدو حقيقة لا تقبل المراجعة. فلا يعود المنفى مجرد انتقال من الموصل أو بغداد إلى لييج، أو من العراق إلى بلجيكا، بل يتحول إلى انتقال أشد قسوة، من يقين الهوية إلى ارتيابها، ومن الانتماء بوصفه مسلّمة إلى الانتماء بوصفه سؤالًا مفتوحًا..
ومن هنا، ليست الغربة الثيمة الرئيسة في هذه المجموعة، بل النتيجة الطبيعية لأزمة أعمق، أزمة الإنسان الذي يحمل وطنًا متشظيًا، وتاريخًا مثقلًا بالعنف، وهويةً لم يعد يعرف إن كانت نعمة أم عبئًا.
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يبتكر الكاتب حبكة غير مألوفة حين يعثر الراوي في مدينة لييج على دفتر يعود إلى جده الذي زار بلجيكا قبل أكثر من قرن لشراء السلاح. غير أن الدفتر لا يتحول إلى وثيقة لاستعادة أمجاد الماضي، بل إلى وثيقة لمحاكمة هذا الماضي. فلقاء الجد بالشابة الفرنسية بريجيت يفتح بابًا للمراجعة الفكرية، ويفضي به إلى إدراك أن الاختلاف الديني لا يبرر إقصاء الآخر أو قتله، وأن الإنسان لا يصبح بريئًا لمجرد أنه لم يضغط على الزناد، فالموافقة على العنف لا تقل خطورة عن ممارسته. وهكذا تتحول الهوية من رابطة مغلقة إلى مسؤولية أخلاقية تقتضي مراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين.
ولعل ذلك يفسر أن الوطن لا يحضر في هذه المجموعة بوصفه مكانًا مفقودًا، بل بوصفه صورةً تتآكل في الذاكرة. فالكاتب لا يكتب عن حنين تقليدي إلى العراق، ولا يكتفي بإظهار قسوة المنفى، بل يقدم تصورًا أكثر إيلامًا، حين يجعل الوطن يموت في الداخل قبل أن يغادره صاحبه. لذلك تأتي العبارة الصادمة: «انتحر العراق في داخلي»، لتعلن أن الخسارة الحقيقية ليست فقدان المكان، وإنما فقدان القدرة على الإيمان به كما كان.
هذه الرؤية تتكرر بأشكال مختلفة في معظم قصص المجموعة. ففي “الشاليه 11” يجتمع لاجئون من أعراق وأديان متعددة داخل فضاء واحد، ظن كل منهم أنه ترك ماضيه خلفه، لكن جريمة قتل واحدة تكشف أن الماضي لا يهاجر، وأن الخوف والكراهية والأحكام المسبقة تعبر الحدود مع أصحابها. وفي قصة “لاجئون” فلا يكتفي الكاتب بتصوير مأساة الاقتلاع من الوطن، بل يطرح سؤالًا أكثر قسوة: هل يستطيع اللاجئ أن يصبح ابنًا لوطن جديد، أم سيبقى معلقًا بين وطن لفظه ووطن لا يمنحه سوى حق الإقامة؟ هنا تصبح الهوية حالة من التعليق الدائم، لا تنتمي إلى مكان بقدر ما تنتمي إلى الشعور المستمر بالاقتلاع.
أما مدينة لييج، فلا تؤدي في المجموعة وظيفة المكان البديل، كما قد يبدو لأول وهلة. إنها لا تمنح الشخصيات هوية جديدة، ولا تفتح لها باب الخلاص، بل تتحول إلى مرآة تعيد تشكيل ما حملته معها من الشرق. فكل شارع بلجيكي يستدعي شارعًا عراقيًا، وكل مشهد أوروبي يعيد فتح جرح قديم، حتى تختلط بغداد بلييج، والموصل بنهر الميوز، فلا يعود الانتقال الجغرافي قادرًا على محو المنفى الداخلي.
ولذلك يكتشف البطل، رغم حصوله على الإقامة، بأنه سيظل غريبًا. فاللغة، والقوانين، والعبارة الترحيبية المتكررة: «مرحبًا بكم في بلجيكا»، لا تمنحه شعور الانتماء، بل تؤكد له أنه سيبقى ضيفًا، وأن الهوية الجديدة ليست إلا إقامة قانونية، لا إقامة وجودية. وهنا يكشف الهلالي عن أحد أكثر أوجه المنفى تعقيدًا؛ فاللاجئ لا يفقد وطنه فقط، بل يفقد أيضًا القدرة على امتلاك وطن آخر.
ومن أجمل ما يميز المجموعة أن الوطن لا يُختزل في الجغرافيا. إنه يتجسد في الأم، وفي اللغة، وفي الوجوه التي تركها المهاجر خلفه. ففي قصة “15 أغسطس 2017” تتداخل صورة الأم مع صورة الوطن، ويغدو الحنين إليها حنينًا إلى الجذور نفسها. فالفقد لا ينتهي بالموت، بل يستمر ما دامت الذاكرة قادرة على استحضار الغائب، وكأن الإنسان يحمل وطنه في داخله حتى بعد أن يغادره. ومن هنا تبدو الغربة فقدانًا للعلاقات الإنسانية قبل أن تكون فقدانًا للمكان.
وفي “DJ” ينجح الهلالي في تقديم أحد أكثر مشاهد المجموعة دلالة. فوسط الموسيقى والرقص، يعجز البطل عن الانخراط في لحظة الفرح، لأن الوطن يسكنه أكثر مما يسكنه المكان الجديد. تتزاحم في ذاكرته وجوه الأم والأقارب، وأحياء الفقر، وأصوات الحياة التي تركها خلفه، فيتحول الرقص إلى معركة مع الذاكرة، ويصبح السؤال الأخير: ” المركب حتودي على فين؟ … وتجيب منين؟ … وأنا دلوقت.. رايح ولا جاي؟ وهو سؤال يختزل اغترابًا وجوديًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
غير أن الكاتب لا يقف عند حدود التجربة العربية، بل يفتح النص على أفق إنساني أوسع. ففي “ثيرافادا” تنقلب الصورة التقليدية، فالغربي الذي يعيش في بلد مستقر يبحث عن خلاصه الروحي، بينما يحمل اللاجئ العربي مأساة الحرب والموت في داخله. هنا تتقاطع وهنا تتقاطع التجربتان الإنسانيتان، ويكتشف القارئ أن القلق الإنساني لا جنسية له، وأن الخواء الروحي قد يكون أشد قسوة من الفقر أو المنفى. وبذلك تتحول الثقافة الأخرى من فضاء للاختلاف إلى فرصة للتعارف وإعادة النظر في المسلمات، وهو ما يمنح المجموعة بعدًا إنسانيًا يتجاوز ثنائية الشرق والغرب.
وتحضر ثيمة الحب في أكثر من قصة بوصفها الوجه الآخر للحياة. ففي “هي… يا… ما..” و”جوع العصافير” لا يصبح الحب خلاصًا رومانسيًا، بل محاولة يائسة لإنقاذ الإنسان من القسوة التي تطوقه. إنه أمل يطارده الأبطال، حتى وإن كان محكومًا بالخيبة، لأن البحث عن الحب يظل، في النهاية، بحثًا عن معنى للحياة نفسها.
فنيًا، تتميز المجموعة بتنوع فضاءاتها السردية، وتداخل الأزمنة، وتوظيف الوثيقة والذاكرة والاسترجاع، في بنية سردية متماسكة، دون أن تفقد وحدتها الداخلية. فالقصص، على اختلاف موضوعاتها، تنتظم حول سؤال واحد: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في عالم تتنازعه الحروب، والهويات المغلقة، والمنفى، والفقد؟
لا تقدم “آشوري في لييج” إجابات جاهزة، بل تدعو القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي تربى عليها، في معنى الوطن، وفي حدود الهوية، وفي العلاقة بالآخر، وفي جدوى العنف الذي يبرره التاريخ أو الدين أو السياسة. ومن هنا تتجاوز المجموعة كونها سردًا عن اللجوء أو المنفى، لتصبح دفاعًا عميقًا عن الإنسان، أيًّا كانت هويته، وتأكيدًا أن الهوية الحقيقية لا تُقاس بما نرثه من أسماء وانتماءات، بل بما نختاره من قيم تمنح الحياة معناها الإنساني الأرحب..


