ثقافة وفن

قراءة في ” المختارات الشعرية” لفاضل السلطاني

د. رشيد العناني*
ما أن اطلعت على قائمة المختارات الشعرية لفاضل السلطاني «عند منتصف الذاكرة» (بغداد، 2024) حتى قررت أن أقرأها من نهاية الكتاب عودا إلى البداية، ذلك أن المختارات التي تغطي فترة 40 عاما من 1970 إلى 2010 والمنتقاة قصائدها من خمس مجموعات نشرت ما بين 1980 و2019، والتي يبلغ مجموعها مئة قصيدة – تلك المختارات مرتبة ترتيبا تنازليا، بدءً بالمجموعة الأحدث (2019) متراجعةً في نهاية الكتاب إلى القصائد المنتخبة من المجموعة الأقدم (1980). ومن هنا قراري أن أقرأ بادئا من القصائد المبكرة وليس من آخر ما كتب الشاعر. ذلك أني أحب القراءة الكرونولوجية لأي كاتب في أي مجال. أحب أن أرصد التطور الزمني لأي مبدع. تطور الأفكار والتقنيات. الثابت والمتحول في نظرته للحياة الخ. ومع ذلك فأنا أفهم أو أتصور أني أفهم لماذا اختار الشاعر أن يبدأ من حيث وصل. فالرحلة بالنسبة له لا يمكن إلا أن تكون استرجاعية، أما القارئ فالفرصة أمامه أن يختار في أي اتجاه يشاركه تجربته الشعرية.
من المفارقات أن أول قصيدة مختارة من مجموعة “قصائد” 1982 عنوانها «وداعا». هاهو الشاعر “يودّعنا” وقد تواًّ التقينا. لكن لعل كل التجارب الشعرية تبدأ بالوداع. لأن الشعر هو لحظة انفصام. لحظة فارقة. لحظة انتقالية. لحظة تُودَّع فيها أشياء وتُستقبل أشياء. لحظة يولّي فيها الشاعر وجهه نحو قِبْلة جديدة. ولو كانت اللحظات تتتابع الواحدة من الأخرى في سلاسة بلا صدع ولا شرخ، لما وُلدت قصيدة واحدة.
هاجس العراق يطغى في مجموعة “النشيد الناقص” (1992) التي كُتبت أكثرية قصائدها في عقد الثمانينات ما بين الجزائر ودمشق. كان عقد بداية السقوط للعراق الحديث. اُفتتح بالحرب العراقية الإيرانية التي أنشبت سنانها في البلد فلم تتركه إلا لتسلمه لحروب أخرى أكثر شراسة نهاية بالغزو الأمريكي البريطاني في 2003 والذي لم تتجاوز البلاد عواقبه حتى اليوم. لعل العراقيين كانوا في عقد الثمانينات يظنون أنهم قد شهدوا وقاسوا أسوأ ما يمكن في الحرب مع إيران، إلا أن أهوالا أخرى كانت تنتظرهم بغير فاصل زمني يُذكر. كانت الثمانينات بداية الشتات العراقي في أصقاع الأرض، وهو ما نحس به في التجربة الشعرية للسلطاني. في قصائد الثمانينات في “النشيد الناقص” نجد نموذجا للقصيدة الوطنية الحقيقية وليس القصيدة الحماسية التملقية المماهية بين شخص الزعيم وبين الوطن والتي ناءت بها صفحات الصحف وشتى المطبوعات في سنوات الحرب العراقية الإيرانية. نجد القصيدة “الوطنية” التي ربما لا يناسبها وصف “الوطنية” بسبب ما وقر في الوعي العام من تصور سطحي للقصيدة الوطنية. لا تجد هنا إشارة إلى معارك بعينها أو انتصارات وهزائم. لا تغني ببطولة ولا تمجيد لزعيم أو شهيد. إنما نجد هنا حب الوطن والأسى عليه، حاضرا وتاريخا، في بوتقة واحدة. كل شيء، كل فترة من التاريخ، كل مَعْلَم من الجغرافيا، كل معاناة فردية أو جماعية، كل مهاجر مشتت، كل حب مُحبط – كل هذا يجتمع في الخيال الشعري بصوره ومجازاته باستحضاراته واستشرافاته فيصبح كلُّه الوطنَ الغائب، المعذّب المُفتخر به، المُفتقَد والمبكيّ عليه.
كل هذا يصبح الوطن الذي فيه “تفيض الحياة مماتا” والذي بأهله “تكبر الأرض حتى تفيض بكم/ وطنا وشتاتا”. عشر كلمات لا غير تجسد حال العراق في تلك الفترة الحالكة من تاريخه (قصيدة “الولادة الثانية). وفي “مقطع من سيرة ذاتية” يتنبأ الشاعر بوحدة ومنفى سيطولان، وهي نبوءة تحققت لآلاف العراقيين: «الوحدة الأولى ستدخلها / وتهرم في فيافيها». في ثنايا القصيدة ثمة حنين شديد للوطن وناسه، وثمة عطف على الباقين فيه ومعاناتهم: “الكون ممتد هنا (أي في المهجر) / كم ضاقت الدنيا هناك”. أما قصيدة “ماذا سيصطاد العراق؟” المكتوبة في الجزائر عام 1984 حين كانت الحرب في عامها الرابع فهي صرخة من المهجر تهيب بالعراق أن يرجع من حافة الهاوية، التي كان أمامها بعدُ أربعةَ أعوامٍ أخرى من الهلاك. لا يكتفي الشاعر باللحظة الراهنة بل يجعل منها مناسبةً لاستعراضٍ تاريخي يندمج فيه الحاضر والماضي: “ماذا سيصطاد العراق مبحرا من ألف عام؟” وغنيٌّ عن القول أن التساؤل إنما هو عما سيجنيه العراق من تلك الحرب المهلكة، “أوردة مائية؟ لؤلؤة الأبناء / وهي تغوص في القرار؟…أأسماكا ترود البحر؟ / بعضا من محار؟ أحذية رماها الناس؟» ثمة سخرية هنا من تلك الحرب الضروس وعائدها المنتظر. هذه «وطنية» حقّة. هي الوطنية الجديرة بالحس الشاعري العالي على إدراك المنغمسين في اللحظة. ثم ينبجس من القصيدة نداء من القلب. من مواطن ملهوف على بلده: «عُد يا عراق، أنت لست سيد السفينة / ولا أمير البحر، لا برج هناك / ولا سدّ يردّ عنك المدّ، عارٍ أنت مثل الموج (…) الكل عاد / وأنت وسط البحر من ألف عام». في المنفى يطبع الحنين كل شيء ولكن ليس بدون السخرية المريرة: “شيئا من هيل البصرة في الشاي؟ / شيئا من دم بغداد على الفخذ؟” أو “إنّا الآن بعيدون ولكن / تعرفنا كل القارات / أترانا نفتح مملكة للمنفى / أم مملكةً للأموات؟” (قصيدة “إلى سعدي يوسف”)
في المنتخبات من مجموعة “محترقا بالمياه” المنشورة سنة 2001 تستمر هواجس الهجرة والغربة والحنين إلى الوطن المنكوب، فمأساة العراق الحديث التي بدأت مرحلتُها الأخيرة بالحرب مع إيران استمرت فصولها المتداخلة طوال عقد التسعينات بعد غزو الكويت وتحريرها وفرض العقوبات الاقتصادية على العراق، وحين صدرت هذه المجموعة كان العراق على وشك أن يتلقى الضربة القاصمة في شكل الغزو الأمريكي البريطاني في 2003 وما أعقبه من احتلال وانهيار للحياة المدنية والسلم الاجتماعي لم يتعافَ العراق منه حتى اليوم. تستمر هواجس المنفى والحنين ولكنها تمتزج بهاجس وجودي متكاثف يجعلك تحس أن أزمة الشاعر ليست مجرد الاغتراب عن الوطن في ظروف صعبة، وإنما هي اغتراب عن العالم، عن الوجود بشروطه المتعارف عليها. اغتراب عن القدرة على الرضا والسعادة. عزوف عن الانخراط في العالم. قصيدة “يوما ما” تبدأ بداية تقريرية بالصوت الشعري معلنا في عزم “يوما ما / سأغادر هذا المنفى/ للبيت». بداية خادعة في تفاؤلها لأن النص ينتهي بيأس يوازن أو يرجح تفاؤل البداية: “يوما ما / سأغادر هذا المنفى / للموت.” وفي قصيدة أخرى نرى حساب السنين وقد ضاع في المنفى الطويل “بعد حين / تكمل الأرضُ دورتها / غير أني نسيتُ العدد” وحين يتذكره في ” المنفى في عامه السابع عشر» فإن ذلك لا يكون إلا في نغمة ساخرة: «ما زال هذا المنفى فتىً قاصرا / لم يبلغ الثامنة عشرة بعد / فكفي عن إغوائه / أيتها المدن الحكيمة!” لكن الإشارات إلى المنفى وتعيين الحزن بالبعد عن الديار لا يلبث أن يفسح المجال لإحساس كوني متجرد بالوحشة، انفصام كامل عن العالم في قصيدة “نشيد آخر”: «أنت تمضي وحيدا / وحدك الأحدُ / دارت الأرضون عليك / وطال بك الأمد / غير أنك تمضي وحيدا / ينهب الأرضَ خطوُك (…) وهم ساكنون / أنت تحيى الجنونَ / وهم ساكنون يعقلون / إنهم فرحونَ / ولكنك الحزنُ في الأرض./ كن حزينا تَكُن / في ظلالِ الإله.” وهو ما تقرره أبيات صريحة في قصيدة «نزهة في المغرب العربي»: «أبدّل أرضا بأرض / وأصهر جنسا بجنس / فلا الأرضُ أرضي ولا الجنس جنسي.»
مع الوصول إلى مختارات المجموعتين الأخيرتين، «لا أحد يعود» (2017) و»ألوان السيدة المتغيرة» (2019) نكون قد ألفنا مفردات عالم فاضل السلطاني تمام الألفة كما تتبدى من مختاراته عبر عدة عقود من الشعر. هو شاعر غنائي من الطراز الأول تنسال من قصائده عذوبةُ شجية تعينه عليها لغةٌ حديثة تثريها أخيلة وإحالات شتى على التراث الشعري العربي والغربي، وعلى التاريخ القريب والبعيد بدون إلغاز ولا تقعر، فمن فاتته الإحالة لن تفوته القصيدة في مجملها ومن أدركها فقد اكتسب معنى فوق معنى. في شعره أيضا تختلط الواقعية بالسريالية والرمزية في سلاسة فائقة وكأنما بعصا ساحر. هذا شعر يتجاوز حداثة المؤسسين من ستينات وسبعينات القرن الماضي ليخاطب قرننا الحادي والعشرين بانهياراته وتفككاته وهزائمه وغياب البطولة والأمل والحلم والمقاومة عن مسارحه.
ثمة حساسية جد رهيفة في مجمل القصائد. حساسية هشّة. أو حساسية مُدرِكة إدراكا حادا لهشاشة الوجود. ومن هنا هشاشتها أيضا. ثمة صوت حزن خفيت يعمُّ القصائد ويتسلل في خفة غير منظورة من قصيدة إلى أخرى على اختلاف الموضوعات والمواقف. الحزن يقطر من القصائد. حزن مُصفّى. ينزل قطرةً قطرةً من كل بيت. من كل صورة. لا تشوبه شائبة من فرح أو طمأنينة. حزن الوطن. حزن الحب. حزن المنفى والغربة. حزن الموت. حزن تاريخي. حزن معاصر. حزن للذات. حزن للآخرين. أحزان شتّى تندمج جميعا في واعية تدرك الحزن الكامن في أصل الوجود والذي منه يفيض على الموجودات.
ثمة لوعة وحنين وشعور بالفقد. ليس دائما لشيء محدد أو لشخص أو مكان. لكني أعني إحساسا وجوديا عاما بالفقد، وحنينا وجوديا لشيء غير متعين. شيء غير مُكْتَنَه. حنين أتصوره يبقى طاغيا حتى لو اجتمع حول الشاعر كل المتعينات التي يحنُّ إليها. الصوت الشعري في القصائد صوت متأمل. صوت يتوقف عند الموجودات والذكريات والأشخاص والأماكن والأزمنة. يتوقف ويتأمل وينغمس في الحزن. لا يعْبر بالأشياء وإنما دائما يتمهل ويتوقف وينقّب عن الحزن الكامن وراء كل مظهر يوحي بالخطأ أن في الكون شيئا غير الحزن وهشاشة الوجود.
في العالم الشعري لفاضل السلطاني يتداخل الأحياء والأموات. الأجساد والأشباح. حتى لا نعود ندري من الميت ومن الحي. من مستحق الرحمة: أمَنْ مات أم من بقي حيا. قصيدة “العودة” في مجموعة “ألوان السيدة المتغيرة” مثال على ذلك. لكنها مثال من ضمن أمثلة كثيرة. فنفس التداخل نجده في القصيدة التي تليها مباشرة في الديوان، “حفلة في سوهو” على شدة الاختلاف بينهما. ثم مرة ثالثة في القصيدة التالية لهما مباشرة، “احتفال”، والتي تحمل عنوانا ساخرا، فهو حفل يقيمه الشاعر في ذهنه يدعو إليه الأموات من الأحباب والأصحاب. أم ترى هم الذين يدعونه في غرفته؟ هي ومضة خاطفة يولدون فيها ويكبرون ويموتون جميعا في تلك الغرفة السحرية من غرف الواعية الشعرية. من الميت؟ من الحي؟ من فوق الأرض ومن في باطنها؟ من أين تصدر تلك الهمهمات وومضات الرؤى؟ لا أحد يدري. حتى القصيدة نفسها لا تدري. وهي لا تريدنا نحن أيضا أن ندري. لأنها على ما يبدو – مثل قصائد الشاعر في مجملها- لا تؤمن بإمكانية المعرفة أو اليقين أو الفواصل والحدود بين الأشياء والموجودات. إنما كل شيء متداخل مع كل شيء آخر. والكل ينطوي في هشاشة الوجود الباهظة، إن شئنا أن نستعير عنوان رواية ميلان كونديرا الشهيرة. لا أرى شعر فاضل السلطاني مجموعةً من القصائد وإنما أراه قصيدة واحدة ممتدة، ذات مقاطع متداخلة تنبع من رؤية وجودية متسقة مع ذاتها، ومتجهة جميعا نحو مصبها الواحد في الإحساس بهشاشة الوجود.
*أستاذ فخري الأدب العربي الحديث في جامعة «:إكستر» البريطانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى