فيديو سباحة شاب مغربي يتصدر المنصات ويضلل وسائل الإعلام.. ما حقيقته؟ | أخبار

في وقت تتصاعد فيه تداعيات موجة العبور الجماعي للمهاجرين من المغرب إلى سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، تصدر مقطع فيديو قيل إنه يوثق رحلة محفوفة بالأخطار لأحد الشبان المغاربة، منصات التواصل الاجتماعي.
وظهر الشاب في المقطع ممسكا عصا “سيلفي” بيد واحدة، وهو يشق بالأخرى طريقه في المياه، في مشهد بدا وكأنه يختصر قصة آلاف الشبان الذين يخوضون كل عام رحلة شاقة إلى المجهول بحثًا عن ضفة أخرى وحياة مختلفة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
لم يمض وقت طويل حتى تصدر المقطع منصات التواصل الاجتماعي، وتناقلته حسابات ووسائل إعلام عربية وأجنبية بلغات مختلفة، لتتجاوز مشاهداته عشرات الملايين خلال ساعات معدودة، في انتشار لافت تزامن مع تصاعد الأزمة عند الحدود.
وقد تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار المقطع منذ لحظة ظهوره وصولا إلى تصدره منصات التواصل الاجتماعي.
فهل يوثق المقطع فعلا لحظة عبور شاب من السواحل المغربية إلى سبتة؟ ومتى وأين التقطت هذه المشاهد بالضبط؟
كيف انتشر المقطع؟
تبين أن أول نسخة للمقطع نشرها حساب “Visegrád 24” على منصة إكس في 31 يوليو/تموز المنصرم، وحذفها لاحقا مرفقة بتعليق باللغة الإنجليزية وصف الشاب بأنه “مهاجر مغربي غير نظامي يوثق بنفسه عبوره سباحة إلى سبتة ودخوله إسبانيا بشكل غير قانوني”.
وحقق هذا المنشور وحده أكثر من 20 مليون مشاهدة، ليتحول إلى المصدر الرئيسي للقطة، الذي اعتمدت عليه غالبية الحسابات في إعادة التداول لاحقا.
وبعد ساعات قليلة، أعاد حساب “Clash Report” نشر المقطع بتعليق مشابه، واصفا إياه بأنه توثيق لمهاجر مغربي يصور نفسه أثناء سباحته نحو إسبانيا في خضم موجة كبيرة من عمليات العبور غير النظامي.
ومن هذين المصدرين، تدحرج الفيديو ليصل إلى عشرات المنصات الإخبارية والحسابات العربية والأجنبية، التي أعادت نشره بصيغ متقاربة تصفه بأنه مهاجر مغربي يوثق لحظة وصوله إلى سبتة أو رحلته نحو إسبانيا، ليحصد المقطع ملايين إضافية من المشاهدات والتفاعلات عبر مختلف المنصات.
كما انتشر مقطع فيديو آخر، التقط من زاوية مختلفة للشاب خلال نفس الرحلة، مما أعطى مصداقية للمقطع الأول وقصة الشاب كاملة.
تحديد موقع التصوير
في مقابل هذا الزخم الإعلامي الواسع، تحققت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة من المقطع وسياق نشره. ومن خلال تحليل المعالم الظاهرة في الفيديو، من مبان ومنشآت ساحلية، ومطابقتها مع خرائط جغرافية، تمكن الفريق من تحديد موقع التصوير عند إحداثيات تقع على الساحل البحري لمدينة الجديدة المغربية، حيث تطابقت المعالم الظاهرة في خلفية المشهد مع الموقع بدقة.

كما طابقنا المعالم وشكل الصخور ولون المياه مع صور أخرى مؤرشفة من أغسطس/آب 2025 على “خرائط غوغل” لتؤكد موقع التصوير.

وباستخدام أداة قياس المسافات في تطبيق “غوغل إيرث”، تبين أن المسافة بين هذا الموقع وسبتة تتجاوز 400 كيلومتر، وهو ما يستبعد تماما أن يكون المقطع قد التقط بالقرب من حدود مدينة سبتة.

نتائج البحث المعمق
لم يتوقف التحقق عند البعد الجغرافي، إذ كشف تعميق البحث أن المقطع الأصلي للفيديو المتداول (الأول) التقط في 4 يوليو/تموز الماضي (أي قبل أزمة الهجرة بحوالي شهر) وأنه مقتطع من فيديو آخر مدته 1:24 ثانية نشر على فيسبوك، مما يؤكد أن الفيديو لا علاقة له بموجة العبور الأخيرة، وإنما أعيد تداوله في سياق مغاير لسياقه الأصلي.
كما ساعدنا البحث العكسي في العثور على حساب الشاب، إذ تبين من خلال تحليل محتواه أنه يعتاد السباحة في المنطقة ذاتها، وتبين أن الموقع الذي أرفقه مع المشاهد يقع مع الإحداثيات المرفقة.
وعبر تفقد الحساب الذي يحمل اسم “Yassine Pro” عثرنا على النسخة الأصلية من المقطع المتداول (الثاني) الذي وجد منشورا في 29 يوليو/تموز الماضي، أي قبل بدء الأحداث كذلك، بما يقطع الشك في أن هذه المشاهد لا تمت بصلة لأي محاولة هجرة حديثة.
مصور المقطع يدحض الادعاءات
ومع اتساع انتشار الفيديو على نطاق واسع، ظهر صاحب المقطع بنفسه عبر حسابه على فيسبوك ليرد على الرواية المتداولة بمقطع فيديو جديد من نفس موقع التصوير، أكد خلاله أنه لم يغادر المغرب بشكل قاطع، مشددا على أنه لا يشجع على الهجرة غير النظامية ولا يدعو إليها.
ولم يكتف صاحب الفيديو بالنفي، بل أعاد نشر عدد من التقارير الإخبارية التي تناولت المقطع عبر حسابه في “إنستغرام” معلقا عليها بالاعتراض على الرواية التي رافقته، ومؤكدا أن جهات إعلامية عديدة قدمت الفيديو على أنه توثيق لوصوله إلى إسبانيا، في حين أنه لم يغادر السواحل المغربية أصلا.
حقيقة القصة
وبناء على ما توصلت إليه وحدة المصادر المفتوحة من تحليل جغرافي وزمني دقيق، يتأكد أن الفيديو المتداول لا يوثق أي عملية عبور نحو سبتة، بل صُور بالفعل على الساحل المغربي في مدينة الجديدة، البعيدة عن الحدود الإسبانية بأكثر من 400 كيلومتر.
كما تأكد أن المقطعين المتداولين، الأول والثاني، سبق نشرهما على حساب الشاب قبل اندلاع أزمة الهجرة الأخيرة بأسابيع، وأن ما جرى تداوله لم يكن سوى مشاهد سباحة اعتيادية أعيد توظيفها في سياق مغاير لسياقها الأصلي، بالتزامن مع تصاعد موجة العبور غير النظامي نحو سبتة.
وكان وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا قد أعلن، السبت، ارتفاع عدد قتلى أزمة طالبي اللجوء في سبتة إلى 67، محملا شبكات التهريب مسؤولية ما جرى.



