الشعر دليلنا الى جنائن الوهم ومعاني الجمال التي تستحيل الحياة بدونها

حاوره/ علاء المفرجي
شاعر عراقي ولد في ابي الخصيب بالبصرة عام 1953 ويعد من أهم الشعراء العراقيين من جيل ثمانينات القرن العشرين، إذ برز في كتابة قصيدة النثر ويعد أحد العلامات الفارقة في تجربة الشعر العراقي فيما يخص هذا النوع من الكتابة.
تقول الناقدة الدكتورة بشرى البساني عن الشاعر: «إن خيال الشاعر طالب عبد العزيز، وخيال الشعر الأصيل عموما لا يحضر أثناء الكتابة حسب، لأنه يعيش التجربة طويلا قبل إنجازها، يتفاعل معها، يشتغل بتفاصيلها في طبقات الوعي العميقة أو ما كانت تسمى باللاوعي، ثم ينتجها بحرية كاملة، حرية تمارس وعيها في فضاءات حرة ترفض كل أنواع التبعية سواء أكانت التبعية للتدين ام للسياسة أم الايدولوجيا؛ لأنها حرية نابعة من الداخل وليس من المصطلحات والمفاهيم، وهو بهذه الحرية يسبر غور الوجود وغور الموجود ويسبر غور ذاته معا، وهو في مسيرة السبر هذه يكتشف كل يوم جديدا في هذه الاقانيم ليشكل شعره من خلال رؤية تتسم بالقوة والتوازن في بناء القصيدة، قوة زمنية يستمدها من براءة الخلق الأول الذي أدركه معرفيا حيث النعيم مطلق والحرية شمولية، والتواصل أثيري دون أعباء تكبله، وتوازن متأتٍ من التوجه بهذه القوة العارفة نحو البرهة الحاضرة لإعادة تشكيلها فنيا برؤية جديدة بعيدا عن تشنجات الوعي الشقي الذي يعاني منه كثير من الشعراء والفنانين».
ويقول الشاعر كاظم الحجاج عن شعر طالب عبد العزيز: «منذ قصيدته (العشاء الأخير) حجز طالب عبد العزيز لنفسه كرسياً في حديقة الشعرية العراقية الرائدة دوماً بمنجزها. وكان كرسيه في الواجهة مباشرة. فكيف فعل ذلك؟ مع أن القصيدة تلك، لم تكن معي الآن ولا في أثناء تخطيط هذا التقديم، غير إني الآن أستطيع تلمس فرادتها في قصائده اللاحقة التي أملك الآن وحتى مجموعته الرائدة كذلك (تاريخ الأسى) بغداد 1994».
للشاعر عدد من المجاميع شعرية والنثر: تاريخ الأسى، عام 1994 عن دار الشؤون الثقافية بغداد. ما لا يفضحه السراج، عام 1999 عن دار ألواح في إسبانيا. تاسوعاء عن دار عبادي للدراسات والنشر في صنعاء.الخصيبي عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2012. قبل خراب البصرة دار آراس اربيل 2012.
ماهي المصادر والمراجع التي أسهمت في ميلك الى الشعر (حيواة، أحداث، تفاصيل اخرى)، وحين تعود إلى طفولتك، ما أول مشهد شعري أو إنساني ما زال يقيم في ذاكرتك؟
لا أعتقدُ بأنني أستطيع تحديد المصادر أو المراجع التي أسهمت في تكوين ميلي الى الشعر، لا أتذكر من ذلك شيئاً، لكنني تحسستُ شيئاً ما يعتمل في روحي، لا يشبهه شيءٌ آخر، هو فعل لم استطع تعريفه، حركة حروف، صفُّ كلمات، بناء جمل.. لا أظنه كان شعراً بالمعنى العملي؛ لما عرفته فيما بعد، وإذا كان ثمة ما يمكن تسميه فهو اختلاف في التفكير، أو زحزحة في وجهة النظر الافقية للأشياء، أو تذوقٌ بطعم آخر، وربما خوف من شيء، سعادة لا تدوم طويلاً، حيوان غير مرئي يقرضُ بأطراف الروح، يريد منها ما ليست تحوزه، ولم يكتمل بعد.. وربما كانَ بيتٌ الشعر، في الشاهد النحوي، بكتاب العربية للصف السادس الابتدائي(لغتي) أمّا إذا كنتُ استطيع نفي ذلك كله، والكذب فيه، فأقول هو اللحظة التي أفزعني فيها أوَّلُ نهد رأيته في حياتي، من هناك ابتدأت تتشكل صورة الشعر الأولى.
ما الذي بقي من ذاكرة المكان الأول في كتاباتك؟ خاصة المكان ألذي كان حاضراً بقوة في شعرك، فهل هو مادة للكتابة أم شريك في إنتاج القصيدة؟
لم يذهب المكانُ الأول بعيداً، لأنني لم أرتحل عنه، مازال قائماً بكل طفولته، وفتنته، على الرغم من فقدان الكثير البهيج منه، وزوال بعضه، لكنني، أقول بأنني لا استطيع الكتابة خارجه، كما أرى أنْ على الشاعر أنْ يكون مشبّعاً ومسكوناً بالامكنة، حيث يكونُ وحيث يحلَّ، وفي المكان القديم المألوف، أو الجديد المكتشف، حيث تكون اللغةُ قد اكتست ثوباً آخر، غير الثوب الذي عليها، وتصبح المفردة دالةً على وجودها فيه، بمعنى آخر؛ نحن نكتشف ذواتنا داخل المكان في لغتنا أيضاً، إذْ ليس المكان تجريداً في اللغة، هو سُكنى وقيامة، وهو يعمل على تحريك اللغة بحسب مشيئته. ربما يختلف المكان عند البعض فينتج لغةً مختلفة، مثلما ينتج انساقاً مختلفةً أخر، ولنا في ما قاله علي بن الجهم، القادم من البادية لبغداد في حضرة الخليفة المتوكل بالله ما يقرّبنا من فهم المكان أكثر:
” أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُدِّ وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ
أنتَ كَالدَلوِ لا عَدِمناكَ دَلواً مِن كِبارِ الدِّلا كَثيرَ الذَنوبِ “
هل ترى أنَّ الشاعر العراقي يحمل عبءاً تاريخيًا مضاعفًا؟ و هل استطاع الشعر أن يحفظ ما عجز التاريخ عن حفظه؟
ليس الشاعرُ العراقيُّ حسب من يحمل عبء التاريخ مضاعفاً؛ إنّما الاحقُّ بأنْ يحمله كلُّ شاعر، وفي أيِّ جغرافيا كانت، ذلك لأنَّ الشاعرَ ليسَ فِطْراً، يجفُّ ويهلكُ نهاية الموسم، هو روحٌ في الأرض التي أنبتته، وهو رمادها أيضاً، كلما هبَّت ريحٌ انتفض، وقام منه سَيمَرَّغٌ جديد. نعم، الشاعر العراقي يحمل عبءَ تاريخه الشائك، وهو ينوء بحمله وفيه، ويشقى به، لأنّه تاريخٌ منقسمٌ، نحنُ أمّةٌ تعاني من فهم في تاريخها، ومازال حاكماً في صيرورتنا، فنحن نتسلمهُ ولا نسائله، ولا نتوقف عند مآثره كما يجب، مثلما لا نتوقف عند مزابله كما يجب، وهناك من ركبه تأريخُه فانحنى يقدِّسه بكل ما فيه، وهناك من يرفضه، معتقداً أنه تخلص منه، وفي كلا الحالتين بقي التاريخ نقطة ضعفنا الكبرى، لم نتعامل معها كما تعاملت شعوب الأرض مع تواريخها. على الشاعر أنْ يتعامل بتجرّدٍ عن تاريخه، فهي وقائعُ وحوداث مضت ولم يكن مسؤولاً عنها، لذا، فأفضل وسيلة للتعامل معها هي قبولها بوصفها إرثاً موقوفاً، لا يجوز تقسيمه، أو فلوكلوراً ينظر له بعين محايدة، ومادةً لتأثيث الخيال، أو الاستشهاد بها بوصفها زينةً وزخرفاً، بعيداً عن القبول والرفض، هو حقيبة الجّدات الرحيمات اللولتي حفظن فيها جملة المآثر والمثالب، والحَسِنٍ والقبيح، والطهْر والرجس، وو هذه الثنائيات باذخة الجمال على الشاعر قبل غيره أن يجعل منها مادة نصوصه ولغته، وتفكيره، وقصائده لا بغرض المناكدة والتفضيل؛ إنما بغرض إخضاعها الى فهمنا الحاضر، وعلى وفق ما يجعل من حياتنا ممكنةً. عند ذلك سيكون بمستطاع الشعر حفظ ما عجز التاريخُ عن حفظه.
هل ترى انَّ النقد الأدبي مازال قادرًا على مواكبة التجارب الشعرية الجديدة؟ أم أنَّ النقد بشكل عام قد تراجع عن رصد المشهد الشعري؟
للأسف؛ ومنذ أكثر من ثلاثة عقود خرج النقدُ الادبيُّ من معايرة ومواكبة الثقافة! ما يكتب اليوم-اللهم إلا من بعض النقاد المعروفين- لا يدخل في خانة النقد؛ هي قراءات، انطباعات، آراء، مجاملات… الخ تصبُّ في مجملها خارج مجرى نهر النقد، وبقول أوضح؛ هي شيءٌ من ردود أفعال، ذات طابع اخواني، فيها إعجاب، وردُّ تحية، ومشاركة في تقديم عمل ما، قد يجدُ صاحبه فيه شيئاً مما يشكر ويجزى عليه، ذلك لأنه أنجز الكتاب وأصدره، وأهداه لهذا وذاك؛ يكون الواجب الأخلاقي قد اقتضي منهم كتابة شيء، هو معاضده، وتخفيف من وطأة الانكار والهجران، الذي لقيه صاحبه من دائرة النقد(الرسمية)التي عجزت بالفعل عن ملاحقة النص المكتوب شعراً ورواية وغير ذلك.
لكنْ، وعلى الرغم من الصورة القاتمة هذه نقولُ بأنَّ جهداً استثنائياً يقوم به الناقد د. حاتم الصكر، وثلة قليلة جداً تقع خارج دائرة الهجران تلك، ولا نريد أنْ نسمّي ما يكتبُه البعض في بعض الصحف الثقافية وصفحات التواصل الاجتماعي نقداً، أو أنَّ ما يحتفل به البعض من الأصدقاء بنتاج صديق لهم ضمن ما يكتب نقداً، فما كان النقد الذي عرفناه في سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي هكذا. ولكي لا نتهم ثقافتنا العراقية بقصور ما نقول: بأنَّ النقد في مجمل ثقافتنا العربية لم يعد على الصورة القديمة، كما أنني فهمت من حوار خاص مع الروائي علي بدر بأنَّ واقع النقد في الثقافة الأجنبية لا يختلف عن واقعه في ثقافتنا، أو أنّه بات بحسب موجهات دور النشر هناك.
هل تعتقد أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي خدمت الشعر أم أضرّت به؟ وما تأثير الذكاء الاصطناعي في ذلك؟
خدمته وأضرّت به، وهذه قضية ببعدين (معقول ولا معقول) لكنها لا تقتصر على وسائط التواصل فقط إنّما تتجاوزها الى الصفحات الثقافية، في بعض المطبوعات العراقية، ودور النشر أيضاً. في بلادنا العربية اختفت المقاييس باختفاء الرقابة الصارمة على المطبوعات، ولم تعد غالبية دور النشر تعتمد الخبراء والمصححين اللغوين حتى، وهناك استخفاف في إخراج الكتاب الشعري وغير الشعري، أمّا دور الوسائط في ذلك فهو الانكى والامر. حين نعود الى عقود القرن الماضي نجدُ أنَّ حدود النشر كانت صارمة، وهيئات التحرير في المجلات والصحف العراقية كانت رصينة، وصعبة الاختراق، وكان لوقوفنا أمام مكاتب أولئك الادباء الكبار بانتظار إشارتي القبول والرفض معنى من معاني أحترام الثقافة، وجوازاً على سراط ناريٍّ؛ قليل منا من حظي به. أمّا ما يخصُّ الذكاء الاصطناعي أجدُ أنَّه اختراق للوجدان، وفعلٌ مقصود في إخراج الروح والضمير الانسانيين من عملية الابداع، على أنَّ ذلك لا يعني أنْ ليس بمقدوره الاتيان بالجميل والمقبول والإنساني، لكنه يبقى من أفعال الآلة، غير الموثوق بها. مشاعرنا تجاه ما يكتب به ويستنتج منه يشبه معانقة دمية السليكون الصينية، التي صُنعت لتماثل المرأة(الحبيبة)نعم، قد تكون لها قدرة الحديث، والدفء، وانقضاء الوقت، واللحظة الحميمية.. لكنها تبقى وعاءً لتفريغ أحاسيس أريد لها أن تكون أحاسيس صادقة، لكنها تشعرنا بخيبتنا في النهاية.
هل الشعر فعل مقاومة أم فعل جمال؟ وما الذي يشغلك اليوم أكثر: سؤال الوجود أم سؤال الوطن؟
هو فعل مقاومة بمعناه الجمالي، لا بمعنى المقاومة التي نعرفها في أدبيات الحياة العامة، الشعرُ يَعجزُ عن فعل المقاومة تلك، هو يمرننا على مقاومة القبح؛ ونحو ذلك، وهو ودليلنا الى جنائن الوهم، ومعاني الجمال، التي تستحيل الحياة بدونها، وهو مادة وجودنا، وهو بقول آخر إله هيدجر:(وحده إله ما يمكن أن ينقذنا) كان هولدرين يرى بأنَّ إقامة الانسان على هذا الكون إقامةٌ شعريةٌ، هو الذي ترعرع بين يدي الآلهة. وبمعنى ما فأن الحكمة غالباً ما تنحني الى الجمال. منذ عقود طويلة ودّعَ الشعرُ زمن الشعراء المقاومين، المحمولين على الاكتاف. الشعرُ أنفاسٌ تهدهدُ الكون، تريد أنْ تقنع الرِّيحَ بألّا تتحول الى زوابع ملتبسة، وهو يجترحُ طريقاً وحيدةً لكنها بطيئةٌ، وقد لا تصل بأحد منّا، مع أنها ممكنة. لأسباب عدة؛ فقد الوطن معناه الذي كان عليه، خرج من حدود اللغة الى فضاء التفكير، وإذا وجدنا بيننا من مازال ينشده بوصفه خلاصةً، فأنا واحدٌ من الذين يبحثون في ثنيّة الحلم عن وطن ضامن لهم. وقد تبدو جملة هيدجر(اللغة بيت الكينونة) في موقعها تماماً، إذ يسكن الإنسان في حماها، والشعراء هم من يتكفلون بالسهر.
في كتابك النثري (قبل خراب البصرة) تبدو المدينة بطلةً للنص أكثر من كونها مكانًا للأحداث، هل كنت تكتب سيرة البصرة أم كنت تكتب سيرتك من خلالها؟
أعتقد أنني كنت بصدد كتابة السيرتين معاً(الشاعر والمدينة)وشخصياً لا أراني خارجها، فالبصرة تسكنني قبل أن أولد فيها ربما، وهي مدينة يفخر الانسان بالإنتساب لها، وهي مدينة مستقطبة، غير طاردة، وبتأريخ مشعٍّ جداً، وهي خزانة العرب كما في بعض أوصافها، لذا فأنا أحبّها إن كانت فردوساً أو لم تكن كذلك، لم تستطع آلة خراباتها الكثيرة تغيير صورتها في الزمن والكتب، هي مدينة مختلفة، لا أهل لي خارجها، فكلُّهم فيها، لم يهاجر أحدٌ منهم، على أنني مع من يقول بأنّها غير صالحة للسكنى، بسبب ارتفاع درجات الحرارة، واحتراب الطوائف والقبائل، وسوء أداء السسياسة، والتهميش الذي يتعرض له أبناؤها إلا أنني لا استطيع العيش خارجها.نعم، هناك منقلب كبير في واقعها، وهناك متغير ديموغرافي؛ أضرَّ بأهلها كثيراً، لكنني، كلما فكرت بالهجرة منها يجرني حبل موثوق الى أحد أشجارها فأعود القهقرى. في مكتبتي رفٌّ طويل يضمُّ كتب تواريخها، أنا تشبعت بها ماضياً وحاضراً، أنهاراً ونخلا، عشقاً وقهراً، أمناً وحروبا، وأحفظ عن أهلها تأريخَهم منذ سنة 11 هجرية الى اليوم.
كتبت أربعة كتب عن البصرة في الشعر والسرد (قبل خراب البصرة، الخصيبي، كتاب ابي الخصيب، قناطر – مدونة بصرية) وربما سأكتب كتباً أخر، لأنني أرى أنْ على الشاعر والكاتب أنْ لا ينشغل بأوهام انتقال الأمكنة، أو الحياة خارج المكان المتغير. كان الشاعر محمود البريكان يعيب على الشعراء تهويماتهم في الأمكنة والازمنة، يقول: أكتبوا عن ذواتكم. نحن عرفنا الكثير عن دبلن في كتب جيمس جويس، وعن القاهرة في كتب نجيب محفوظ، وعن كولومبيا في كتب ماركيز وهكذا، تتماهى كتب الشاعر والكاتب مع مدينته فلا يكاد يرى خارجها.
لماذا اخترت عبارة «قبل خراب البصرة» عنوانًا للكتاب؟ هل الخراب هنا تاريخي أم رمزي أم وجودي؟
إذا كنتُ قد تحدث عن البصرة فالمدينة تعرضت لأكثر من ثمانية وعشرين خراباً بحسب سليمان فيضي في كتابة(البصرة العظمى) وكنت قد شهدتُ خرابها الأخير، الذي ابتدأ في الحرب الإيرانية- العراقية ولم ينته الى اليوم، فهي من وجهة نظر شخصية تتعرض اليوم الى تخريب من نوع آخر؛ وإن بدت في حلتها الجميلة القشيبة اليوم! وقد لا يكون خراب البيوت والأسواق والبساتين وردم الأنهار وملوحة الماء وارتفاع الحرارة والرطوبة وغير ذلك من ارتدادات الطبيعة خراباً بالمعنى الفعلي، فالبصرة سبق وأن تعرضت لمثل هذه وتلك، إلا أنني استشعر عن قرب خراباً أخطر من ذلك، هو خراب الإنسان، فهو لا يُساس كما يجب، ولا يعتنى بآدميته كما يريد، ولعل أخطر ما يواجهه هو قناعاته بأنه لا يتعرض الى التخريب، وأنَّ ما يفعله، ويفعله به ولاةُ أمره هو الصواب، ولا أريد أن أفصح أكثر ففيه خراب جسدي. علينا أن لا نتجاوز الخطوط الحمر التي رسمت لنا، والتي هي الخراب بعينه. لذا فأنا في مواجهة أكثر من خراب. في كتابي(كتاب ابي الخصيب) تصديت بما استطعت أنْ أبوح به و أضمره الى خراب الروح البصرية، نتيجة الحرب الطائفية، وعبرت عن ذلك باختلاق شخصيتين خصيبيتين مختلفتين طائفياً؛ لكنهما من بيئة واحدة، وبتاريخ واحد، ومتحابان.هناك نسب وارومة بينهما، فهما يفلاحان بذات الأرض، ويسقيان بذات الماء، وتتطاول أشجار هذا على بستان ذلك، فيأكل من ثمر صاحبه، ويشرب من لبن بقرته، وتجمعهما جملة المشتركات، لكنهما بقيا يقاتلان بسيف التمر والماء واللبن ووو الوحشَ الطائفيَّ، الذي لم يعرفا من أين تسرب لمدينتهما. هناك معذبون مازالوا يطيعون إلاههم بحسب اليزابيث سمارت.
في (من الفندق إلى الحانة) يبدو السفر وسيلة لاكتشاف الذات أكثر من اكتشاف المدن، إلى أي حد تتفق مع هذه القراءة؟
هو كذلك، نعم، وهروب من المدن التي تضيق ربما، ووسيلة لأكتشاف الذات، كما تفضلت. وربما خارج الأسباب تلك فأنا أحبُّ السفر، وأحبُّ اكتشاف الأمكنة، التي لم أرها، حتى داخل البصرة.يبقى المكان عندي هاجساً شعرياً، أو كتابياً، لأنَّ المكان المتاح يصبح مالوفا، ويعتق في الروح، او يجمد في الذاكرة، والسفر يجلي العين، ويجدد خلايا القلب، ولو كنتُ أملك المال الكافي لما زلتُ بالرائح الغادي، أذرع الارضَ، وأعبر الفضاءات. لكنني لا أحسب نفسي رجل أسفار أو رحّالة، أنا باحث عمّا يحرّضني على الشعر، ويدعوني للكتابة، وكتابي (من الفندق الى الحانة) تجربة في تدوين ما يتيحه السفر بلغة تأخذ من الشعر أكثر مما تمنحه للأمكنة والأرقام. أتاحت التكنولوجيا الرقمية لنا الفرص البسيطة، لذا فأنا أكتفي –كمسافر- من الحقائب والامتعة بتلفون ولابتوب صغير. قد أسمّي السفر هروباً، أو هو الهروب عينه، فالشاعر بي يُنشد الفضاءَ الحرَّ؛ الذي يتاح له ضمناً في البلدان التي يقصدها، ولا أقول زوراً إذا صرّحتُ بأننا في العراق محرومون من أبسط المتع الشخصية، إذْ أنَّ خلوةً بسيطة مع امرأة وكاس نبيذ في البصرة قد تكلف المرءَ سمعته ومستقبل أسرته، فيما هي لا تعدو أن تكون نتفاً من الحرية التي يحقُّ لأيِّ مخلون آدميٍّ أن يتمتع بها.
لماذا اخترت للأسى أن يكون “تاريخًا” وليس مجرد حالة شعورية؟ وهل تمثل هذه المجموعة مرحلة تأسيسية في مشروعك الشعري، أم أنك تنظر إليها اليوم بوصفها بداية تجاوزتها؟
حملّ كتابي الشعري الأول(تاريخ الاسى)عنوان إحدى القصائد التي كتبتها في العام 1986 وأنا جنديٌّ في الحرب، والتي انبنت لبنتها الأولى من قراءتي لكتاب فيصل السامر(ثورة الزنج) وبعض الكتب الخاصة بتأريخ البصرة، فضلاً عن استحضاري لحياة أهلي في البصرة وأبي الخصيب بالذات، هي حكاية الفلاحين المكدودين الذين أنفقوا حيواتهم بين الأنهار والنخل، وهي تأريخ الاقوام البصريين، الذين تناوبوا على الأرض الرطبة المالحة، غارسين وبحارة وصاعدي نحل وقتلى حدود وسواهم. وهم أولئك الناس قلتُ فيهم:” الذين لا تفارقُ الابتسامةُ وجوهَ أسيادهم”. لم أخطط لأجعل من الكتاب تأريخاً، لكنه جاء كما تحدث به أكثر من قارئ وناقد، ثم أصبح كتاباً تأسيسياً، فقد عدتُ الى متونه في أكثر من قصيدة وكتاب، إذْ اتضح لي بأنَّني لم أستنفد المكان والناس في كتاب شعري واحد، فالمكان محرّضٌ، وتقلبات الدهور بالانسان ومُضيُّ أكثر من سبعين عاماً لي هناك؛ جعلني مسكوناً به، وعائد اليه، ما وجدتُ الى ذلك سبيلاً.
بين تاريخ الأسى وما لا يفضحه السراج وتاسوعاء والخصيبي وطريقان على الماء واحد على اليابسة، ما الخيط الذي يجمع هذه الأعمال جميعًا؟
أستطيعُ تلخيص تجربتي في ثلاث مفاوز (الطبيعة والوجود والحب) فأنا في المفاوز الثلاث تلك. الطبيعة تمنحني الحضن والدفء والأمومة والطفولة والظلال والتماهي والسكون والدعة… العوالم التي لا أريد مغادرتها، لذا، فحزني هو نتاج ما تم تجريفه وردمه واختفاؤه في روحي. أما الوجود؛ هذا الامتحان العسير، الذي لن نخرج منه بنتائج محترمة، هو وجودنا خارج الضمانات، وغير المطمئن في الحياة، ووقوفنا أسارى، مصفدين بين يدي ما يتهددنا دائماً، المالات المرعبة التي تصطف بانتظارنا، وهي تختارنا، أو وهي تفكر بالآلية التي تنتزعنا فيها من آبائنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأولادنا وأحفادنا ومحبينا في الرحلة العدمية التي نسميها الحياة والموت، هي التي لا نستطيع منها فكاكاً، هذه المصائر غير الرحيمة، وهي تترصدنا كلَّ ساعة؛ هي ما أقف عاجزا عن إدراكه، متعلقاً بالاسباب التي تجعلني اتفلت من قبضاتها. أمّا الحبُّ بمعانيه السامية النبيلة فهو عزائي الوحيد، الذي الوذ به كلما يئستُ من عدم قدرتي على الخلاص، وكلما حوصرت بأسباب الموت والحياة، هل أقول هو الجسد الانثى، لأنّه الوحيد القادر على حجب الوحوش، سأتذكر أنني قلتُ: كلما تجتاحني الذئاب تقتل كلباً في روحي.
من هم الشعراء الذين تركوا الأثر الأكبر في تكوينك الفني؟
كثيرون هم الشعراء الذين تركوا أثرهم في روحي، وأرى بأنني أخذت عن هذا شيئاً وذاك شيئاً آخر، ولا أدعي العصمة من أحد، فالشاعر اسفنجة خير له من أن يكون حجراً. أخذت عن الكبار في شعرنا العربي. المتنبي في أنفته، والشريف الرضي في علويته، وأبي تمام في وصفه، والمعرّي في عدميته، والسيّاب في أناشيده، ومظفر النواب في عاميّته، وسعدي يوسف في لغته وشكل قصيدته، وحسب الشيخ جعفر في موسكوفياته، وويتمان في نشيد الطبيعة، وكافافي في اسكندريته، وسان جون بيرس في بحاره ومراكبه، وأدونيس في استلال الأثر وابتكار المعاني الجديدة وغيرهم الكثير والكثير.. فأنا ابن السلالات العظيمة تلك.


