ثقافة وفن

بُـلـنـد الحـيـدري الضلع الرابع في الريادة الشعرية

علاء المفرجي

كتب الشاعر الرائد بُلند الحيدري قصيدة بعنوان (هذا أنا) .. منها: ـ ملقى ـ هناك حقيبتان/ وخطى تجوس على رصيف لا يعود إلى مكان/ من ألف ميناء أتيت/ ولألف ميناء أصار/ وبناظري ألف انتظار/ لا…/ ما انتهيت/ لا… ما انتهيت فلم تزل/ حبلى كرومك يا طريق ولم تزل/ عطشى الدنان/ أنا أخاف/ أخاف ان تصحو ليالي الصموتات/ الحزان/ فإذا الحياة/ كما تقول لنا الحياة:/ يد تلوح في رصيف لا يعود إلى مكان/ ***/ لا…/ ما انتهيت/ فوراء كل ليالي هذي الأرض لي حب/ وبيت/ ويظل لي حب وبيت/ وبرغم كل سكونها القلق الممض/ وبرغم ما في الجراح من حقد/ وبغض/ سيظل لي حب وبيت/ وقد يعود بي الزمان.
بُلند الحيدري من رواد الشعر العراقي والعربي الكبار، وإذا كانت المؤسسات الثقافية لم تكرمه، فقد كرمه معاصروه بشهادات مهمة، كمثل ما قاله عبدالوهاب البياتي عام 1952 «بلند الحيدري شاعر مبدع في أساليبه الجديدة التي حققها، وفي طريقته التي لا يقف معه فيها إلا شعراء قلائل من العراق». وقال عنه بدر شاكر السياب: «يقف بلند الحيدري في طليعة الشعراء العراقيين الذين جددوا الشعر العراقي. هذا الشاعر الممتاز الذي أعتبر العديد من قصائده الرائعة أكثر واقعية من مئات القصائد التي يريد منا المفهوم السطحي للواقعية اعتبارها واقعية». وكتب نزار قباني «بلند الحيدري لن يتكرر، لأن الملائكة لا يتكررون». فيما كتب الناقد نذير العظمة: «بلند الحيدري زميلٌ من مرحلة الرواد، وقد كان من المؤسسين للحداثة الشعرية، لا سيما في أواخر الأربعينيات ومطالع الخمسينيات. في قصائد «أغاني المدينة الميتة»، يعتمد على التركيز لغةً وتعبيراً وصورة، ولكن الصدور عن التجربة الذاتية وحدها على ما يبدو لا يكفي في المرحلة الحديثة، ولا بد من كسر إطار الذات والخروج إلى التجربة الحضارية الشاملة، وأعتقد أن ما أنتجه في لندن خطوة في هذا الاتجاه»

سيرته
بُلَنْدُ الحيدري (1926 – 1996)، شاعر عراقي، كردي الأصل واسمه يعني شامخ في اللغة الكردية. والدته فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري التي كانت تشغل منصب شيخ العرب في إستانبول. ولد في بغداد في 26 أيلول سبتمبر 1926 – وتوفي في لندن يوم 6 أغسطس 1996 على إثر عملية جراحية على القلب لم تكلل بالنجاح.
والد بلند كان ضابطا في الجيش العراقي، وهو من عائلة كبيرة أغلبها كان يقطن في شمال العراق ما بين أربيل وسلسلة جبال السليمانية، ومن هذه العائلة برز أيضا جمال الحيدري الزعيم الشيوعي المعروف والذي قتل في انقلاب الثامن من شباط فبراير عام 1963 مع أخيه مهيب الحيدري. وهناك إلى جانب بلند الأخ الأكبر صفاء الحيدري وهو شاعر بدأ كتابة الشعر بالطبع قبل بلند وله دواوين شعرية عديدة مطبوعة في العراق، وصفاء هذا كان يتصف بنزعة وجودية متمردة، ذهبت به للقيام بنصب خيمة سوداء في بساتين بعقوبة لغرض السكنى فيها، وهناك في بعقوبة تعرّف على الشاعر الوجودي المشرد حسين مردان الذي بدوره عرّفه على بلند.
ريادته في الشعر الحر
احتدم الجدل حول من له سبق الريادة في كتابة قصيدة الشعر الحر من بين شعراء الجيل الأول للحداثة العربية في كل من مصر والعراق ولبنان. وتبرز، في هذا الإطار، المواجهة «المقالية» بين الشاعرين بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، حول من الأسبق في كتابة قصيدة التفعيلة.وإن اتفق المتجادلون والمختلفون «حولَ الأسبقية» في شيء، فإنه سيكون بالتأكيد إغفال دور الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري، الذي أُهدر حقه في الاعتراف بسبقه وصدور ديوانه «التفعيلي» الأول «خفقة الطين» عام 1946، سابقاً بذلك نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وغيرهم.وعن هذه «الريادة المفقودة» لبلند الحيدري، وأسباب عدم الاعتراف بها، وعن الشاعر نفسه، بحثت الشاعرة والناقدة الكويتية تهاني فجر في كتابها «ضلع المثلث… بلند الحيدري والريادة المفقودة»، الصادر عن دار العين في القاهرة.
مؤلفاته
خفقة الطين-شعر—بغداد 1946. أغاني المدينة الميتة-شعر-بغداد 1951. جئتم مع الفجر-شعر-بغداد 1961. خطوات في الغربة-شعر-بيروت 1965. رحلة الحروف الصفر-شعر-بيروت 1968. أغاني الحارس المتعب-شعر-بيروت 1971. حوار عبر الأبعاد الثلاثة- شعر- بيروت 1972. زمن لكل الأزمنة- مقالات- بيروت 1981. أبواب إلى البيت الضيق- شعر- لندن.
ريادة لم ينصفها النقاد
في مقالة بعنوان (بلند الحيدري.. ريادة لم ينصفها النقاد) يقول “شوقي بزيع”: “يصعب على نقاد الشعر ودارسيه أن يتجاهلوا الدور الطليعي الذي لعبه الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري لا في تحديث الشكل الشعري فحسب، بل في مقاربة الأسئلة العميقة لعلاقة الإنسان بالوجود، كما بتخليص الشعر من رطانته التعبيرية وترهله الإنشائي. ومع ذلك فإن المرء ليتساءل عما إذا كان ذلك الستار من النسيان الذي يحيط باسم الحيدري وبدوره الريادي يعود لعدم قدرة تجربته على مجاراة الزمن وتحولاته، أم لدواعٍ أخرى خارجة عن نطاق الإبداع ومتصلة بعزوفه عن الإعلام وعدم اكتراثه بالنجومية، أو بانتمائه السياسي والقومي. فالشاعر الذي ينتمي إلى الجيل نفسه الذي تنتمي إليه نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، لا يُذكر من قبل النقاد بوصفه أحد الأضلاع الثلاثة للحداثة الشعرية، بل بوصفه رابع هؤلاء وتابعهم في أحسن الأحوال. وإذا كانت الناقدة الكويتية تهاني فجر قد عزت الظلم اللاحق بصاحب «أغاني المدينة الميتة» إلى قوميته الكردية فإن سياق الأمور لا يؤكد هذا التفسير، لأن ذلك الانتماء لم ينعكس سلباً على شعراء مماثلين مثل جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، وصولاً إلى سليم بركات. لا بل يُحسب لهؤلاء، على العكس من ذلك، تضلعهم في العربية ووقوفهم على جماليتها بما يفوق الكثيرين من أقرانهم العرب. ولا بد قبل الدخول في تفاصيل تجربة بلند وركائزها الفنية والمعرفية، الإشارة إلى المفارقة القائمة بين المكانة الاجتماعية والسياسية الرفيعة لعائلته الكبرى المقيمة بين السليمانية وأربيل، وبين معاناته الصعبة الناجمة عن انفصال أبويه وهو لا يزال يافعاً في الرابعة عشرة من عمره. وقد أحدث رحيل أمه المبكر، ومن ثم رحيل أبيه بعدها بقليل، جرحاً عميقاً في نفسه كما في مضامين شعره وتجربته التي اتسمت بالمرارة والحزن الميتافيزيقي والتبرم من الحياة. ورغم أن ظروفه الحياتية القاسية قد أجبرته على ترك الدراسة قبل إنهاء المرحلة المتوسطة، فإن بلند لم يستسلم لأقداره تلك بل قرر أن يعوض عن ذلك النقص بتعميق قراءاته وإثراء ثقافته واطلاعه بكل ما يضع مشروعه الشعري على طريق التطور والتجدد. نزوعه الوجودي وشعوره العميق بالغربة والاستلاب كانا نتيجة طبيعية لوحدة نفسه وانثلام روحه ونزوعه الدرامي والمأساوي. ومع ذلك يحق لنا أن نسأل عما إذا كان لحرمان الشاعر الشاب من الدراسة والدخول إلى «جنة» دار المعلمين العليا، التي دخلها أقرانه مثل نازك والسياب والبياتي ولميعة عباس عمارة، دورٌ ما في الغبن اللاحق به وفي إبعاده عن دائرة الضوء. ويحق لنا أن نتساءل من جهة ثانية عما إذا كان بلند قد دفع غالياً ثمن تواضعه وتواريه وعدم اكتراثه بالنجومية، كما بتسويق صورته والترويج لها في وسائل الإعلام”.
ويضيف: “في مجموعتيه الشعريتين «خطوات في الغربة» و«رحلة الحروف الصفر» الصادرتين في ستينات القرن الفائت، يبدو بلند الحيدري أكثر تمكّناً من أدواته الفنية وأكثر اقتراباً من هواجس الحداثة وقضايا الإنسان المعاصر. وهو في هذه المرحلة يتأرجح بين رومانسيته السابقة وبين التعبيرية المتصلة بشروخ النفس وتصدعات الواقع المحيط به. وقد عكست قصائد تلك المرحلة مدى النضج الذي أصابه الشاعر بفعل انكبابه على القراءة واكتساب المعارف الفلسفية والفكرية والأدبية المتنوعة، كما بدا واضحاً تأثره بعلم النفس الفرويدي وبالفلسفة الوجودية عبر سارتر وكولن ولسن وغيرهما. وكغيره من الرواد يرى في الشعر طريقة لتغيير العالم والتصدي للقضايا الكبرى كالاستلاب والقهر وتجويف المعنى الإنساني وغربة الكائن بشقيها الجسدي والروحي. وهو ما نجد تمثلاته في قول الشاعر: «هذا أنا ملقى هناك حقيبتان وخطى تجوس على رصيفٍ لا يعود إلى مكان من ألف ميناءٍ أتيتْ ولألف ميناءٍ أُصار وبناظري ألف انتظار». على أن بلند سيعمد في مجموعته الأخرى اللاحقة إلى التعبير عن مفهوم التمزق الداخلي بواسطة اللغة نفسها حيث تتشظى المفردات وتسقط بعض حروفها، كما بواسطة تقطيع الإيقاع الوزني وتسريعه وفقاً لمقتضيات الحالة أو المعنى. ففي قصيدة «وحشة» يستفيد الشاعر من التقنيات المعاصرة ليعبر عن الحوار المقطوع بين الإنسان والإنسان أو بينه وبين ذاته «ويرنّ الصوت يرنّ يرن من أنت؟ أنا أنت لقد أخطأت وأخطأت وأخطأت لا أنت أنا وأنا لا أعرف من نحن… هل نحن اثنان أم جيلٌ أم جيلان يتمدد بينهما الزمنُ لا أدرك ما تعني لكني سأظلّ أنازع في السماعة». على أن تصدي بلند الحيدري لشتى الموضوعات والأسئلة المعقدة لم ينعكس تعقيداً في لغته وأسلوبه اللذين نحيا باتجاه البساطة والوضوح وقرب التناول، كما أن إلمامه بالموسيقى الذي اكتسبه من علاقاته الوثيقة مع موسيقيين رواد من وزن منير بشير وسلمان شكر، انعكس بوضوح في اختياره للبحور والإيقاعات الرشيقة والخفيفة على الأذن، فيما أن اهتمامه بالمسرح أكسبه قدرة ملحوظة على كتابة القصيدة المركبة ذات الأصوات المتعددة، وعلى توظيف الحوار في خدمة التنامي الدرامي للنص. كما يبدو القلق والتوتر سمتين بارزتين من سمات ديوانه «أغاني الحارس المتعب». وليس الحارس المعني بالعنوان سوى الشاعر نفسه الذي يحاول من ألف عام أن يرد التلف والاهتراء عن روح الأمة وتاريخها المجهض”.
في مقهى الوقت الضائع
وفي مقالة بعنوان (بلند الحيدري في مقهى الوقت الضائع «واق الواق») يقول “منصف الوهايبي”: “قرأت بلند منذ أواخر الستّينيات، وكنّا نتغنّى بقصائده في تروتسكي وغيفارا خاصّة. والتقيته مرّتين، أولاهما في المغرب والثانية قبيل رحيله بعامين في جرش في الأردن. كان محدّثا بارعا يمتلك مقدرة على التعبير وقوّة وصف وتمثيل، لا تخفيان؛ «يتدفّق» ويكاد لا يسكت، ولا حديث له إلاّ عن نفسه؛ ولكن دون أن ينتقّص من الآخرين أو ينال منهم ويُزري بهم، بل كان فيه لطف وناحية إنسانيّة ملحوظة. كان ذلك في عمّان عام 1994، وكان لا يَنِي يردّد على مسامعنا كيف حُكم عليه بالإعدام، وأنّه نجا بأعجوبة. وكان عبد الوهّاب البيّاتي يُسرّ لنا بأنّ ما يزعمه بلند «نفْج» (من نفَج أي افتخر بما ليس عنده) ولا سند له من الواقع؛ وإن كان قد اعترف في حوار له بأنّ بلند هو «الشاعر المبدع في أساليبه الجديدة التي حقّقها، وفي طريقته التي لا يقف فيها معه إلاّ شعراء قلائل من العراق». على أنّ ما يعنينا في هذه الفسحة، أنّ بلند يكاد يكون اليوم شاعرا منسيّا”..
بنيوية التراث و آلياته في شعره
وفي ملخص دراسة وضعها الكاتبان الأيرانيان علي خالقي وعبدالعلي آل بويه لنكرودي، عن (بنيوية التراث و آلياته في شعر بلند الحيدري):
الشاعر المعاصر ينظر الي التراث الشعري نظرة متقدمة؛ فلم يعد التراث عنده مجرد قوالب و أنظمة للوزن و اللغة و إنّما هو المواقف الحيّة المعبرة عن الرؤية و الإنسان. فلذلك يستهدف هذا البحث إلي تحليل التراث ودراسة عناصره الفنّية في أشعار الشاعر العراقي المعاصر بلند الحيدري، و كيفية توظيفه في قصائده الشهيرة التي يحضر فيه التراث وعلاقته بالحاضر. من ثمَّ يهتمّ بالشخصيّات الأدبية و التاريخية و الشعبية و الصوفية و نهاية الحديثة المستدعاة اهتماماً شاملاً حتّي يعرّف المتلقي مدي الصلة الوثيقة للشاعر بالتراث في العراق، و حنينه الشديد بالوطن. يتطرق هذا البحث، معتمداً المنهج الوصفي التحليلي، إلي الأفكار والأساليب الفنّية للشاعر وأخيراً علاقة التراث الماضي بالحاضر لديه متقصياً أبياته الشعرية من غضون دواوينه. تشير النتائج الهامّة لهذا البحث أنّ بلند الحيدري يوظّف التراث توظيفاً حيّاً إبداعياً و ذلك علي وعيه الذاتي والحضاري وأنّ اللجوء للشخصيات التراثية عنده يدلّ علي مدي اتساع الحدقة الشعرية، والرؤية الإبداعية، وعدم الإنفلاق علي الذات الفردية، واستنكاه الأبعاد الإنسانية الشاملة، وتوظيفها لإضفاء صورة حية علي الواقع، والرؤية الفلسفية تجاه الحياة و الإنسان المعاصر.
بلند الحيدري شاعر الحزن الأبدي
وكتبت الناقدة د. نادية هناوي:
لقد ظل بلند الحيدري في كتابة الشعر الحر حريصًا فنيا على اتباع نهج الشعراء الرومانسيين الغربيين مثل كيتس وبايرون وشيلي وبليك، وكذلك تأثر بنهج الشعراء الرومانسيين العرب مثل الياس أبو شبكة وعمر أبو ريشة ومحمود علي طه والشابي، فضلا عن شعراء الديوان وأبولو والمهجر. وكان عبد المعطي الهمشري وشبلي الملاط والأخطل الصغير وإبراهيم ناجي هم قدوته في كتابة القصيدة الوجدانية.
أما الشاعر جميل صدقي الزهاوي فكان له تأثيره الكبير في بلند وزملائه الرواد لا من ناحية تجديده الفني في كتابة الشعر المرسل حسب، بل أيضا من ناحية نظم المطولات الشعرية. ومعروف أن رواد حركة الشعر الحر كانوا مولعين منذ بواكيرهم بكتابة المطولات، لأنهم وجدوا فيها ما يلبي طموحهم في التحرر من صرامة نظام القريض. وهذا ما يجعل حركة الشعر الحر بمثابة الاختمار الطبيعي لما كان الزهاوي قد جرَّب السير فيه شعريا أبان الربع الأول من القرن العشرين.
ولقد كان بلند الحيدري أكثر الرواد نزوعًا نحو الرومانسية في التعبير عن الذات الفردية تعبيرا شابه الغموض والتعتيم. وارتهنت شعريته ارتهانا وجوديا بهذا النهج فلم يحد عنه البتة بدءا من ديوان (خفقة الطين) عام 1946.
وكان لاتسام شعر الحيدري بالروح السوداوية أن جعله ذا فلسفة خاصة في رؤية العالم والحياة والوجود، فكان كثير الحزن والتشاؤم، يشعر بالإحباط المرير والخيبة، ولا يرى في المستقبل أي أمل. واتضحت أبعاد هذه الفلسفة في ديوانه (أغاني المدينة الميتة) 1950 ومطولته( حوار عبر الأبعاد الثلاثة) 1956 ثم دواوينه اللاحقة( خطوات في الغربة) و(رحلة الحروف الصفر) 1968 و(الحارس المتعب) و(آخر الدرب). وما من قصيدة لبلند الحيدري إلا وهي محملة برومانسية سوداوية، ينفِّس من خلالها عن أحزانه ويبث شجونه، معلنا نفوره من الواقع وتمرده عليه واشمئزازه من الحاضر المأساوي وغربته عن المجتمع وعزلته عن الآخرين (وغدا/ سأرجع للفناء كأنني/ ما جئت إلا كي أكون فناء/ ولأشتري كفنا أضم بجوفه/ أدوار عمر قد مضين هباء/ ماذا جنيت لأحمل النير الثقيل؟ / تيمنا ورجاء)
وكان لمداومته على هذا المسلك أن جعل شعره ذا وتيرة واحدة، فلم يحظَ بما حظي به شعر زملائه الرواد من عناية النقاد واهتمام الدارسين هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يستطع أن يثبت حضوره أمام التجارب الشعرية اللاحقة المتميزة بكتابة قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر والتي كانت من القوة ما جعلها تغطي على شعر الحيدري في حين ظلت قصائد السياب والملائكة والبياتي شامخة أمام هؤلاء الشعراء على ما لهم من تميز واحتراف سواء كانوا من الذين جايلوا الرواد مثل سعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر ومحمود البريكان وكاظم جواد وحسين مردان وياسين طه حافظ وحميد سعيد وصلاح فائق وعبد الرحمن طهمازي وفاضل العزاوي أو الذين جاءوا بعدهم مثل كاظم الحجاج ورعد عبد القادر وعبد الزهرة زكي وموفق محمد وطالب عبد العزيز وغيرهم.
وعلى الرغم من ذلك، فإن النقد الأدبي لم يجر على بلند الحيدري ولم يتغافل شعره، بل عدَّه كبار النقاد العراقيين والعرب رابع رواد حركة الشعر الحر بيد أن حصة الأسد في كثير من النقود كانت موجهة صوب مسألة الريادة في كتابة الشعر الحر. وأُعطيت إليها الأولوية على حساب مسائل أُخر تتعلق بفنية الحيدري في كتابة قصيدة التفعيلة، مما كان قد برع في توظيفها وتوغل عميقا داخلها. ومن ذلك مثلا جمعه بين شفافية الرومانسية وغنائيتها من جانب والنزعة السوداوية الناجمة عن التعمق في الأفكار الفلسفية من جانب آخر. ومن المسائل أيضا توجهه نحو نظم المطولة الشعرية التي يأنف غالبية الشعراء من كتابتها ولا يغامرون في الخوض فيها سوى أولئك الذين يمتلكون فلسفة خاصة في الحياة، ومن هؤلاء الزهاوي الذي كتب عدة مطولات شعرية، فكشف فيها عن طول باعه في كتابة الشعر المرسل.
الموهبة وحدها لا تكفي
فيما كتب الشاعر علي محمود خضير:
لا تكاد تنطبق مقولة «الموهبة وحدها لا تكفي» على شاعر بمثل انطباقها على بلند الحيدري. الشاعر الذي قدم للشعر العربي تجربة جوهرية في ظرف مصيري، لكنه لم يحظ، في المقابل، ما يوازي تلك الإضافة وذلك الإخلاص.
وإذا عرفنا أن ديوان الحيدري الأول «التفعيلي»، «خفقة الطين»، قد صدر منتصف عام 1946 قبل «عاشقة الليل» لنازك الملائكة 1947 و»أزهار ذابلة» لبدر شاكر السياب 1947، فلنا أن نسأل عن سر «إقصائه» عن مسرح الريادة ومجدها على مدى 75 عاماً. ولعل تمعننا بجدية في سيرة الرجل وشهادات معاصريه يكشف لنا بعضاً من الحقيقة المفقودة. فالرجل على رغم مبدئيته وشجاعة مواقفه (حد التهور)، لم يكن رجل حلبات منافسة ولا مريد معارك أدبية. كان مخلصاً للشعر وقضية الإنسان المدحور، ولم يكن ذلك وحده كافياً لتصدر الريادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى