ثقافة وفن

بورتريه لم يغادر مقهى ياسين

جمال العتّابي
لم تكن الصداقة بين الفنان شاكر حسن آل سعيد والشاعر حسين مردان صلة عابرة بين رسام وشاعر، جمعتهما مصادفات الحياة الثقافية في بغداد، بل كانت جزءاً من مناخ شامل عاشته المدينة في خمسينيات القرن الماضي، حين لم تكن الحدود بين الشعر والرسم والموسيقى والفكر حادة كما أصبحت لاحقاً. كان الجميع تقريباً يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويتجادلون في القصيدة واللوحة والفلسفة والحياة، ويخرجون من المقهى وهم يحملون أسئلة أكثر مما حملوا إليه.
وحين يستعيد شاكر حسن آل سعيد علاقته بحسين مردان، فإنه لا يستعيد إنساناً وحده، بل يستعيد زمناً بكامله. الذاكرة عنده ليست أرشيفاً مرتباً، إنها أصوات وروائح وأمكنة وضحكات ومشاحنات وأصدقاء غابوا، حتى ليبدو حسين مردان في هذه الاستعادة صوتاً أكثر منه صورة: ضحكته العالية، لهجته الشعبية، تعليقاته الساخرة، طريقته في الحديث، ونبرته التي تختلط فيها الجدية بالهزل.إنها بغداد الخمسينيات، يوم كانت المقاهي امتداداً للحياة الثقافية.
يتقدم مقهى ياسين إلى قلب الحكاية بوصفه المسرح الأبرز لتلك الصداقة. كان المقهى مطلاً على شارع أبي نواس، فضاءً للقاءات الأدبية والصداقة اليومية. وملتقى لشاكر حسن آل سعيد وحسين مردان وبلند الحيدري وفريد الله وردي وآخرين.
فيه تتشكل أمامنا صورة جيل: شاعر، رسام، صحفي، موسيقي، أكاديمي أو فيلسوف يجلسون معاً بلا حواجز، كان حسين مردان في مركز هذه الجلبة.
ثقافته ممتزجة بشخصيته اليومية، ولهجته الشعبية جزءاً من حضوره، حتى إن عباراته ونكاته وتعليقاته كانت تكشف عن رؤيته إلى الإنسان بقدر ما تكشف عنها قصيدته.
كان هناك مقهى البرازيلية أيضاً، الذي ارتبط بأسماء أخرى، بمزاج ثقافي مختلف. كان مردان ينظر بشيء من الريبة إلى بعض مثقفي البرازيلية، ويرى فيهم نزوعاً برجوازياً. وهذه المعلومة الصغيرة تكشف شيئاً من الانقسامات الثقافية والاجتماعية التي كانت تتحرك تحت سطح الصداقات. مع ذلك لم تكن الحدود قاطعة.
كانت الجماعات تتداخل، والأصدقاء ينتقلون من مكان إلى آخر، والأسماء التي ستصبح لاحقاً علامات كبيرة في الثقافة العراقية، تتجادل وتضحك وتختلف: بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، جواد سليم، غائب طعمة فرمان، محمود صبري، حسين مردان، نهاد التكرلي، جواد سليم، شاكر حسن آل سعيد وغيرهم. هو مناخ تؤكده شهادات متعددة عن مقاهي بغداد في تلك المرحلة، فقد كانت مقهى ياسين والبرازيلية وغيرهما ساحات فعلية لتشكيل الاتجاهات الجديدة في الشعر والفن.
الصورة التي يرسمها شاكر حسن لمردان بعيدة عن صورة الشاعر الوقور المحاط بهالة أدبية. كان رجلاً صاخباً، ساخراً، شديد الاعتداد بنفسه، يملك حساً فطرياً بالمفارقة، وقدرة على تحويل الجلسة إلى مشهد مسرحي. بمقدوره أن يمنح الآخرين ألقاباً تظل عالقة بهم أياماً، وأن يحول حادثة عابرة إلى نكتة تتداولها الجماعة.
وراء ذلك الوجه المرح كان ثمة إنسان آخر: إنسان قلق، متمرد، شديد الحساسية، يحمل شعوراً بالعزلة لا تبدده الضحكات تماماً.
هذه المفارقة هي أجمل ما تلتقطه ذاكرة شاكر حسن: حسين مردان الذي يملأ المقهى بصوته قد يكون في داخله أكثر الجالسين وحدة.
حتى علاقته بالمرأة والحب، تبدو في شهادة آل سعيد جزءاً من ذلك التناقض. كان يتحدث عن الحب والجسد بلا مواربة، ويصرح بمغامراته العاطفية والجنسية بحرية أثارت من حوله كثيراً من الكلام. غير أن وراء هذه الجرأة كان ثمة بحث دائم عن معنى آخر للوجود، كأن التمرد على الأعراف لم يكن غاية في ذاته بقدر ما كان وسيلته لاختبار حريته الفردية.
لا يمكن فصل صورة حسين مردان عن ديوانه الشهير “قصائد عارية”، الذي تعرّض بسبب إلى الملاحقة والمحاكمة والسجن.
يستعيد شاكر حسن تلك الواقعة بوصفها جزءاً عضوياً من شخصية مردان، والمثير في شهادة آل سعيد أنه لا يتعامل مع هذه النزعة بوصفها بطولة خالصة، ولا يدينها أخلاقياً. إنه يراقب صديقه ويحاول فهمه: لماذا كان حسين مصراً على الذهاب إلى الحافة؟ لماذا كان يستفز المجتمع؟ ولماذا كان يعرّض ذاته للرفض؟ ربما لأن الحرية عنده لم تكن مفهوماً أدبياً، بل امتحاناً شخصياً. يتساءل آل سعيد: هل كان مردان وجودياً؟
لم يكن السؤال يعني انتماء الشاعر إلى مدرسة فلسفية منظمة، بل كان يتعلق بطريقة عيشه: تمرده على المألوف، إصراره على الاختيار، تحمله نتائج اختياراته، ومحاولته أن يصنع حياته وفق إرادته الخاصة. في إحدى مغامراته قرر مردان الهجرة من العراق نحو الغرب، متوهماً أنه بمقدوره عبور الصحراء نحو بلاد الشام سيراً على الأقدام. أخذ معه شيئاً من الخبز، وانطلق فعلاً. مترنماً بالربع الخراب، غير أن الطريق أنهكه قبل بلوغ غايته، وبعد تجاوز الفلوجة شعر بالتعب، وكاد أن يرديه. فاكتشف أن مغامرته أكبر من قدرته الجسدية، فعاد خائباً مكسوراً.
حادثة تبدو طريفة في ظاهرها، لكنها عند شاكر حسن ذات دلالة: كان حسين يريد أن يختبر الفكرة بجسده، لإثبات فلسفته العبثية، لم يكن مردان وجودياً، بل كان متمرداً.
في ذاكرة شاكر حسن أسماء أخرى: طالب الكيلاني بنقده اللاذع ومداخلاته العلمية، والموسيقي فريد الله ويردي، الصحفي عبد المجميد الونداوي، الشاعران كاظم جواد، وبلند الحيدري، والمترجم نهاد التكرلي.
كانت النقاشات تحتدم أحياناً، تتخللها الصرخات والضحكات والتعليقات الساخرة. تكمن أهميتها أنها تقدم صورة نادرة عن كيفية إنتاج الثقافة العراقية آنذاك.
كان مردان، في نظر آل سعيد، حاداً في أحكامه أحياناً، سريع النفور ممن لا يرضى عنهم، معتدّاً بذاته، قاسياً في السخرية، وربما متعجلاً في الحكم على الآخرين. لكنه، في الوقت نفسه، كان صاحب شخصية لا تشبه غيرها.
هنا تكمن قيمة الشهادة، انها لا تصنع تمثالاً للشاعر بعد موته، إنما تعيد إليه انسانيته:
يحب ويغضب، يسخر ويتفاخر، يحلم بالهجرة ثم يعود، يدخل في المناقشات ويعلو صوته، يروي مغامراته، ويعيش الشعر بوصفه موقفاً من الحياة.
إنها صورة لجيل عراقي كان يعيش الثقافة بوصفها فعلاً يومياً، جيل لم يفصل بين الفن والحياة.
وحين انطفأ المقهى وتفرّق رواده، بقي حسين مردان في الذاكرة وجهاً يطل من طاولة بعيدة في مقهى ياسين؛ كأن بغداد الخمسينيات لم تغادر تماماً، وإنما أغلقت باب المقهى وتركت أصوات أصحابه في الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى