موسيقى الاحد: أيام ڤاغنر في بودابست

ثائر صالح
الحلقة السابعة: زيغفريد
بدأ الجزء الثالث من رباعية النيبلونغ “زيغفريد” يوم 20 حزيران الماضي، بعد النفير الذي عزفته جوقة النحاسيات على شرفة قصر الفنون في بودابست كالعادة، وهو مماثل للتقليد المتبع في مهرجان بايرويت. دامت الامسية أكثر من ست ساعات بضمنها استراحتين طويلتين حتى يحصل المغنون والأوركسترا على بعض الراحة، واستغلالها لتهوية الصالة في تلك الأيام شديدة الحرارة في صيف بودابست.
تلد “زيغلينده” البطل “زيغفريد”، ابن “زيغموند” الذي قتله “هوندِنغ”، لكن زيغلينده تموت أثناء الولادة. يأخذ القزم “ميمه” الطفل ويتعهد بتربيته أملاً في استغلال البطل زيغفريد من أجل الاستحواذ على الكنز، فهو الوحيد الذي لا يعرف معنى الخوف والقادر على قتل التنين “فافنر” القابع في المغارة حسبما أخبره “ڤوتان” الذي يزوره متنكراً بهيئة شيخ جوّال، ويعطيه سيف زيغموند المكسور. يحاول ميمه إصلاح السيف دون نجاح، لكن زيغفريد الشاب يفلح في طرقه وإصلاحه، ويمسك السيف السحري “نوتونغ” بيده. يخلط ميمه خلال ذلك شراباً ساماً ليقتل به زيغفريد بعد الانتهاء من قتل التنين لينفرد بالكنز، ثم يأخذه إلى المغارة. يثقف زيغفريد قلب التنين بسيفه ويقتله، لكن يده تحترق من دم التنين، فيرفعها إلى فمه. تحدث أعجوبة، فقد أصبح قادراً على فهم ما تقوله الطيور وما تدمدم به الغابة. ينصحه الطير بأخذ الخاتم والخوذة فقط، ويحذره من مكيدة ميمه الذي اقترب منه ليعطيه كأس السم، فيضربه بالسيف ويقتله فوراً، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يعرفه في هذا العالم. يخبره الطير كذلك قصة الجميلة النائمة، ويقوده إليها.
يقف ڤوتان في طريق زيغفريد متردداً، هل يعطيه ابنته الحبيبة إلى قلبه؟ لكن البطل الشاب يحطم رمح ڤوتان رمز سلطته بسيفه السحري، ويمضي ليعبر جدار اللهب ويقبل “برونهيلده” النائمة بدرع الفالكيرات فتستيقظ. يقع زيغفريد في حب برونهيلده التي لا تتقبل الأمر في البداية، لكن حب البطل الشاب الجارف ينتصر في النهاية.
نجد في الجزء الثالث من الرباعية شيئاً من أجمل المقاطع التي كتبها ڤاغنر، مثل “همهمة الغابة” التي تعد بين أشهر الصور الموسيقية للتعبير عن الطبيعة، كذلك الثنائي الغرامي بين زيغفريد وبرونهيلده في الفصل الثالث، وقد استعمل ڤاغنر مادته الموسيقية في تأليف القصيدة السيمفونية الرقيقة المسماة “Siegfried Idyll” لفرقة الحجرة، وكانت هديته لزوجته كوزيما ليست بمناسبة ولادة ابنهما اللذان أسماه “زيغفريد” سنة 1869. نلمس في هذا الجزء كذلك بعض آراء ڤاغنر، فهو يصوّر بالتنين الجاثم على الكنز جشع المصرفيين المسيطرين على خزنة الأموال في المجتمعات الرأسمالية. ويشير كذلك تحطيم سلطة ڤوتان إلى النهاية القريبة لسلطة الجشع والذهب، والحلم بقيام نظام جديد تستند قيمه إلى المحبة والعلاقات الإنسانية السامية.
أجاد التنور الدنماركي ماغنوس ڤيغيليوس تقديم دور زيغفريد، غناءاً وتمثيلاً، وأدت دور برونهيلده السوبرانو البولندية ماجدلينا آنّا هوفمان، ومثّل آلبَريخ الباريتون الألماني يوخن شمَكِنْبَشَر الذي قدّم نفس الدور في الأوبرات الأولى والثالثة والرابعة من الرباعية باقتدار.
