ثقافة وفن

هيغل والإسلام

د. حسين الهنداوي
(1)
لا يوجد موقف اثار ذلك الكم الهائل والمدهش من السجالات الفكرية وكل تلك الآراء المتضاربة طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في الفكر الاوربي والغربي عموما، مثل الموقف من الإسلام. وتلك السجالات والتناقضات بلغت ذروتها في موقف اثنين من اهم مفكري اوروبا في نهاية القرن الثامن عشر. الاول كان الاديب الالماني الكبير يوهان فولفغانغ غوته Johann Wolfgang von Goethe (1749 – 1832)، الذي ذهب الى حد القول في مؤلفه الشهير «الديوان الشرقي الغربي»: “إذا كان الإسلام معناه أن نسلم أمرنا الى الله، فعلى الإسلام نعيش ونموت جميعاً”. وهو رأيٌ اكده غوته بصيغ اخرى مراراً، بل ذهب به الى ابعد من ذلك عندما كتب بالحرف الواحد في رسالة الى صديقه زلتر بتاريخ 20/9/1820: “فقط في الاسلام اجد التعبير الأفضل لافكاري الخاصة”.
المفكر المهم الآخر في ذات الفترة كان داعية التوسع الاستعماري الفرنسي والغربي للسيطرة على كامل حوض الابيض المتوسط وبالتالي على كل الشرق الاسلامي، المستشرق الكونت قسطنطين ڤولني C. F. Volney (1757 – 1820)، الذي اقنع نابليون بونابرت بمشروع الغزو الفرنسي لمصر واعتبر كتابه المعنون «رحلة في مصر وسوريا» الصادر عام 1787 بمثابة “انجيل” الحملات الاستعمارية الاوربية على الشرق. فعلى العكس تماما من رأي غوته اعلاه، هاجم فولني الاسلام والمسلمين بعنف وفجاجة استنكرها حتى بعض معاصريه،.
امام هذه الآراء والمواقف المتناقضة، يمكننا سلفا تصور حيرة الفيلسوف الالماني جورج فيلهلم فريدريك هيغل Hegel Georg Wilhelm Friedrich‏ (1770–1831) في سعيه لبلورة موقف فلسفي خاص به من الإسلام بمواجهة هذين المفكرين المعاصرين له والمفضلين جداً لديه؟ هل انحاز الى رأي احدهما من الاسلام ام تجاهلهما معا مبتكراً لنفسه رأياً مغايراً او آخر جديداً؟ ام سعى إلى التموضع بينهما مؤالفاً ومصالحاً بما يلبي منظوراته الخاصة به؟
تلك هي بعض الأسئلة الكثيرة التي نسعى الى الإجابة عليها بوضوح في هذه الدراسة الفلسفية الاولى من نوعها عن هذا الموضوع المحدد: منظور هيغل حول الإسلام، والذي تنبع الأهمية الاستثنائية لدراسته من واقع ان الفلسفة الهيغلية لم تكف حتى الآن عن امتلاك نفوذ متزايد في عقلنة سيادة الغرب وثقافته على العالم الحديث. وهذا يصدق بشكل عميق على “فلسفة التاريخ” الهيغلية، التي هي اليوم في قلب النظريات والأيديولوجيات السياسية الغربية الكبرى، وخاصة الليبرالية الرأسمالية، والماركسية الاشتراكية، بتياراتهما والوانهما. وفي كتابه: المعنى واللامعنى” كتب الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي منذ الأربعينيات ان الفلسفة الهيغلية هي مصدر “كل ما انجز من كبير في الفلسفة منذ قرن”، بينما يرى جاك دونت في كتابه “هيغل فيلسوف الجدل والصراع” أن الهيغلية “غيّرت مصير العالم».
ومن الضرروي ايضاً الاشارة هنا الى الجدل الحاد المندلع في الفكر الغربي منذ سنوات في اعقاب قيام المنظر الاستراتيجي الامريكي المحافظ فرانسيس فوكوياما بطرح فكرته التي تخلى عنها لاحقاً حـول ما أسماه بـ “نهاية التاريخ”، التي اعلن عبرها بشكل مراوغ الانتصار النهائي المزعوم للنظام الرأسمالي الحر، ونموذجه الامريكي خاصة، على النظم الاخرى لا سيما الاشتراكية، مستنداً على تفسيره الخاص، الذاتي والمبتسر، لاطروحات هيغلية في مجال مسيرة التاريخ الكوني وغايته.
من ناحية اخرى، معرفية بحتة، من الضروري ان نفهم لماذا وكيف دمج الفيلسوف الالماني هيغل الاسلام في فلسفته ضمن سعيها لطرح مفهوم منهجي صارم وموحد للتاريخ البشري. بلا ريب، لم يكن بامكان هيغل تجاهل العالم الاسلامي او اقصائه من فلسفته حول التاريخ او حول الدين او حول تاريخ الفلسفة، نظراً لأهميته الواقعية الكبرى في التاريخ الكوني والحياة العالمية وخصوصية الاسلام كروحانية متميزة ومتكاملة بذاتها آمن ويؤمن بها قسم كبير جدا من الانسانية الافاعلة ويتخذ منها هوية حضارية وسياسية لــه. بالفعل، فان قراءة موضوعية عميقة للواقع الفعلي تثبت بيسر ان أفكار هيغل حول الاسلام كدين او كروحانية خاصة وحول الفن والفلسفة والتنظيم السياسي والتربوي المتمخضة عن هذه الروحانية، كانت من العمق والشمولية والصرامة الى حد نستطيع القول معه ان نفوذ افكاره تلك لا يزال يطبع وبحدود كبيرة مجمل الافكار والاحكام في الغرب المعاصر حول الاسلام وعالمه، اي الشرق الاسلامي، ويؤثر تأثيراً ملموساً على طبيعة العلاقة ذاتها بين هذين العالمين، الغرب والشرق، على مختلف الاصعدة وكذلك النتائج المترتبة عليها.
والحال، اذا استثنينا بعض الاشارات النادرة والعرضية عموماً، نجد ان العلاقة بين هيغل والاسلام لم تحظ حتى كتابة دراستنا هذه بأي بحوث خاصة مماثلة لا في الشرق ولا في الغرب على حد علمنا. ولعل ندرة النصوص التي كرسها هيغل للاسلام وللعرب والمسلمين، والاحكام القسرية وحتى السطحية الظاهرية التي تطبعها اجمالاً، هي من العوامل الاساسية المباشرة التي دفعت المهتمين والمتخصصين بالفلسفة الهيغلية الى اهمال او تجنب الخوض في هذا الموضوع. ولذا فقج ظل الاستنتاج السائد غالباً هو ان هيغل لم يمتلك منظوراً فعلياً متطوراً وعميقاً حول الاسلام والشرق الاسلامي، او انه كان يجهلهما اجمالاً ما عدا بعض المعطيات التاريخية الخاطئة هي الاخرى، وبعض التصورات المشوشة والناقصة حـول ثقافات العرب والمسلمين ودولهم.
وهذا الاستنتاج بدا لنا ممكناً بالفعل للوهلة الاولى. ففي « دروس حول فلسفة الدين»، لم يخصص هيغل اي فصل للدين الاسلامي بل لم يذكره الا بضع مرات وبشكل عرضي بينما نجده، بالمقابل، يخصص وقفات مطولة لشتى الديانات الاخرى بما فيها “الاكثر بساطة” و”الاكثر بدائية” بين الاديان. وفــي دروس « تاريخ الفلسفة» و« فلسفة التاريخ» و« فلسفة الجمال» هناك فصول مخصصة للحضارة الاسلامية، تاريخاً وعطاءً الا انها تصدمنا باقتضابها، وعدم مركزيتها في التناول. اما في « فينومنولوجيا الروح» و«علــم المنطق» و« مبادئ فلسفة الحق»، فان الغياب شبه المطلق لموضوع الاسلام هو ما نستنتجه عندما ننتهي من تصفحها. وهذا الاستنتاج يصدق ايضاً بالنسبة لكتابات الشباب والمراسلات والتعليقات المنسوبة لهذا الفيلسوف.
الا ان قراءة اخرى اكثر عمقاً، قادتنا الى نتائج مغايرة تماماً. فقد اوصلتنا الى اليقين بان معرفته بالاسلام والحضارة الاسلامية لم تكن جزئية او سطحية او ناقصة جداً، بل جيدة نسبياً مقارنة مع معاصريه من المفكرين الالمان والغربيين عموماً. ففي الواقع ورغم غياب تطويرات مطولة حول الشرق الاسلامي، هناك استدامة لتفكير معمق ينتشر بشكل مثير في مجمل مؤلفات هيغل منذ كتابات الشباب حتى بعض آخر مراسلاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى