الطين الذي أعاد امرأة إلى الضوء

فؤاد ميرزا
في سنة 1926 كانت بعثة التنقيب تعمل في أور، تنزع عن المدينة طبقة أخرى من ترابها، حين خرج قرص من الكالسيت الأبيض، مكسوراً ومجروح الأطراف. على أحد وجهيه مشهد شعائري، وعلى الوجه الآخر نقش يذكر امرأة باسمها ومقامها ونسبها: إنخيدوانا، الكاهنة العليا للإله نانا، وابنة سرجون الأكدي.
لم تخرج من الأرض سيرة كاملة. لم يخرج وجه نستطيع أن نتأمله كما نتأمل صورة فوتوغرافية، ولا يوميات تخبرنا بما كانت تحب وتكره، ولا رسائل بينها وبين أبيها. خرج اسم وصورة رسمية وبقايا كلمات قاومت أكثر مما قاومت مدن ودول كاملة.
هذا هو المشهد الذي يستوقفني. ليس لأن القدم وحده يمنح الأشياء قيمة، ولا لأننا نحتاج إلى زينة سومرية نعلّقها على صدر الحاضر. الذي يثيرني أن امرأة عاشت قبل أكثر من أربعة آلاف وثلاثمئة سنة وصلت إلينا من خلال شيء يبدو أضعف من السيف والعرش: الكلمة.
كان أبوها سرجون يبني سلطة واسعة بالجند والتحالف، وكانت هي تعمل في قلب مؤسسة دينية وسياسية كبرى. اختفت الحدود التي صنعتها الجيوش، وتبدلت الدول واللغات والآلهة، وبقي اسمها يعود كلما طُرح السؤال: متى صار للنص صاحب نعرف اسمه؟
من السهل أن نضع أمام اسم إنخيدوانا عبارة جاهزة: «أول شاعرة في التاريخ»، ثم نمضي. لكن الأمر أكثر تعقيداً وأجمل من هذه العبارة.
قبلها كانت هناك أناشيد وأدعية وقصائد لا نعرف أسماء أصحابها، وربما كانت هناك نساء ورجال ينشدون ويؤلفون ولم يترك الطين أسماءهم لنا. كما أن النصوص المرتبطة بإنخيدوانا وصلت في نسخ متأخرة عن زمنها، ولهذا لا يزال الباحثون يناقشون مقدار ما كتبته أو صاغته بنفسها ومقدار ما أعاد الكتبة اللاحقون تحريره.
الأدق، في رأيي، أن نقول إننا نقف أمام واحدة من أقدم الشخصيات التاريخية المعروفة بالاسم التي ارتبطت بنصوص أدبية كبيرة. أهميتها ليست في الفوز بمسابقة «الأول»، بل في تلك اللحظة البعيدة التي بدأ فيها الاسم البشري يخرج من خلف النص.
نعرف اسمها، لكننا لا نعرف الاسم الذي ربما ناداها به أهلها وهي طفلة. لا نعرف سنة ولادتها على وجه الدقة، ولا عمرها حين أصبحت الكاهنة العليا لنانا في أور. وهذا المجهول لا ينبغي للكاتب أن يسارع إلى ملئه بالخيال. لا توجد طفولة موثقة يمكن أن نخترع لها نوافذ وحدائق وحوارات مع سرجون. المجهول هنا جزء من الحقيقة.
كان منصب إنخيدوانا أكبر من وظيفة دينية بالمعنى الضيق الذي نفهمه اليوم. المعبد في مدن بلاد الرافدين لم يكن مكان عبادة فحسب. كان اقتصاداً وإدارة وأرضاً وطقساً وذاكرة، ومصدراً من مصادر الشرعية السياسية.
لذلك لم يكن تعيين ابنة سرجون كاهنة عليا في أور مجرد تكريم عائلي. كان يحمل معنى سياسياً واضحاً: السلطة الأكدية الجديدة تدخل مدينة سومرية عريقة، لكنها لا تستطيع حكم الذاكرة بالسيف وحده. لا بد من لغة أخرى، ومن طقس ورمز ومؤسسة.
هنا تظهر إنخيدوانا في منطقة شديدة الحساسية، بين سلطة أكدية صاعدة وبين تقاليد سومرية أقدم منها. النصوص المرتبطة باسمها وصلت إلينا بالسومرية، مع أنها ابنة البيت الأكدي. كانت تقف بين لغتين وبين ذاكرتين. وربما كان هذا الموقع، أكثر من أي بطولة فردية نريد اختراعها لها، واحداً من أسرار أهميتها.
أقوى ما ارتبط باسمها أدبياً هو النص المعروف بـ«تمجيد إنانا “.
هنا لا يبقى الصوت مختبئاً خلف المعبد. تظهر إنخيدوانا باسمها، وتتحدث عن موقع فقدته وعن طرد وإقصاء وألم. تنتقل القصيدة من مديح الإلهة إلى جرح إنساني مباشر. المرأة التي كانت في قلب النظام تجد نفسها خارجه، وتحاول أن تجعل من الكلام قوة تواجه القوة التي نزعت عنها مكانها.
هذا ما يجعل النص قريباً منا رغم آلاف السنين.
لسنا مضطرين إلى الإيمان بآلهتها لكي نفهم الخسارة. الإنسان الذي يفقد موقعه، ويشعر بأن مكانه المألوف صار ضده، وأن صوته لم يعد قادراً على إيقاف ما يحدث له، لا ينتمي إلى الألف الثالث قبل الميلاد وحده.
لكن ينبغي أيضاً ألا نحول إنخيدوانا إلى شاعرة معاصرة ترتدي ثياباً سومرية. عالمها كان يرى الآلهة جزءاً من السياسة والحرب والشرعية. النص ديني وطقسي بقدر ما هو شخصي. إنسانيته لا تحتاج إلى أن ننتزعه من زمنه.
يسمي النص رجلاً هو لوغال آني ويحمله مسؤولية إقصائها. وتظهر صورة الخنجر ونزع شارات المنصب. بعض الباحثين قرأ الخنجر بوصفه تهديداً بالموت أو إشارة إلى الانتحار، لكن الاحتياط واجب هنا. نحن أمام شعر وطقس، لا أمام محضر قضائي.
المؤكد أن خسارتها لم تكن خلافاً صغيراً بين شخصين. منصبها كان دينياً واقتصادياً وسياسياً، وإزاحتها كانت تمس صلة السلطة الأكدية بأور نفسها.
ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر حداثة في قصة إنخيدوانا.
نحن اليوم نضع اسم الكاتب على غلاف الكتاب ونميل إلى تخيل أن النص خرج من رأسه ويده وحدهما. لكن ماذا لو كانت القصيدة قد بدأت صوتاً في الليل، داخل طقس، ثم حفظها منشدون، وسجلها كتبة، وأعاد نسخها طلاب بعد قرون؟
الدراسات الحديثة تفتح هذا الاحتمال. وقد تكون إنخيدوانا «ولدت» الأغنية بالصوت قبل أن تتحول إلى علامات على الطين. ثم جاءت الأيدي بعدها: يد الكاتب، ويد الناسخ، ويد الطالب، ويد عالم الآثار، وأخيراً يد المترجم الذي أعادها إلى لغات العالم الحديث.
وهنا لا يعود السؤال: هل كتبت كل علامة بيدها؟
السؤال يصبح: ما معنى أن يكون للإنسان صوت ينسب إليه نص، ثم تستطيع جماعة كاملة أن تحمله بعده؟
هذا السؤال قديم جداً، لكنه يبدو وكأنه خرج من زمننا. نحن نعيش اليوم بين الكاتب والمحرر والمنصة والخوارزمية والقارئ الذي يعيد نشر النص ويقتطع منه ويعيد تشكيله. تغيرت الأدوات، لكن فكرة أن النص يعيش داخل شبكة من البشر والمؤسسات لم تبدأ معنا.
المفارقة أن الشيء الذي حفظ إنخيدوانا هو نفسه الذي جعل العلماء يشكون في نسبة بعض النصوص إليها.
النسخ التي نملكها من «تمجيد إنانا» جاءت في معظمها بعد حياتها بقرون. الناسخ قد يغيّر كلمة، والمدرسة قد تعدل لغة، والجيل اللاحق قد يعيد صياغة ما استلمه. لذلك يوجد جدل علمي حقيقي حول مقدار ما يعود إليها.
لكن هذا الجدل لا يلغي الحقيقة الأهم: وجود إنخيدوانا التاريخي ثابت، ونصوص مرتبطة باسمها ظلت تُنسخ وتُدرس بعد قرون من حياتها.
دخل «تمجيد إنانا» في التعليم المتقدم للكتبة. وحين يصبح النص جزءاً من المدرسة، لا يعود مجرد تجربة فردية. يدخل في ذاكرة ثقافية تتعلم منه أجيال لم تر صاحبه قط.
كم من ملك كان أشهر منها في حياته ولم يعد أحد يقرأ كلماته؟ وكم من إنسان قوي مات اسمه لأن أحداً لم ير في كلامه ما يستحق النسخ؟
هنا لا ينتصر الشعر على السياسة في حكاية رومانسية سهلة. فالسياسة نفسها صنعت جزءاً من موقع إنخيدوانا. لكن الزمن يعيد ترتيب الأهمية بطريقته.
إنخيدوانا وجلجامش
ولا يمكن الحديث عن أدب بلاد الرافدين من دون أن يطل جلجامش من بعيد.
هل أثرت إنخيدوانا في ملحمة جلجامش؟
لا يوجد دليل مباشر يسمح بهذا القول. ولا أريد أن أصنع صلة جميلة لا يسندها شيء.
العلاقة الأصدق هي أنهما ينتميان إلى عالم أدبي واحد عرف النسخ والتعديل والتراكم عبر أجيال. حكايات جلجامش السومرية سبقت الصيغ البابلية، ثم أعيد تشكيل الملحمة حتى وصلت إلى الصيغة التي ارتبطت في التقليد اللاحق باسم سين-ليقي-أونيني.
وهناك، مع ذلك، قرابة في الروح تستحق التأمل. في «تمجيد إنانا» يبدأ الجرح بفقد المنصب والطرد، ثم يتسع إلى سؤال عن الشرعية والنجاة واستعادة النظام. وفي جلجامش يبدأ الجرح بموت إنكيدو، ثم يتسع إلى سؤال عن الموت وحدود الإنسان.
في الحالتين لا تبقى المصيبة شخصية طويلاً. تكبر حتى تتحرك معها المدينة والآلهة والطبيعة والموت. وهذا، في رأيي، أحد الأشياء التي تجعل أدب بلاد الرافدين قريباً منا حتى الآن.
امرأة قديمة في زمن حديث
اختفى اسم إنخيدوانا قروناً طويلة، ثم أعاد علم الآثار وفك الخط المسماري والترجمة بناءه قطعة بعد أخرى. لم يصل تأثيرها إلينا كسلسلة مستقيمة من شاعر إلى شاعر. ما حدث أقرب إلى موت طويل ثم ولادة ثانية.
اليوم تعود إنخيدوانا إلى الجامعات والمتاحف وكتب تاريخ الأدب، وتدخل من جديد في سؤال المرأة والكتابة والمؤلف والسلطة.
وتذكرني أحياناً بنازك الملائكة، لا لأن نازك نسخة حديثة منها، بل لأن كلتيهما وقعت لاحقاً في أسر كلمة «الأولى». إنخيدوانا تُختصر في «أول شاعرة»، ونازك في سؤال: من كتب أول قصيدة تفعيلة؟
وفي الحالتين يصبح السؤال الزمني أضيق من المنجز.
ليست قيمة إنخيدوانا أنها وقفت أولاً على خط وهمي، بل أن اسمها بقي مرتبطاً بنصوص استطاعت أن تعيش بعد السلطة التي أحاطت بها. وليست قيمة نازك في أن نمنحها ميدالية زمنية، بل في أنها كتبت الشعر وناقشت شكله وحاولت أن تفهم تحولاته.
الأثر أكبر من كلمة «الأولى».
إنخيدوانا لا تحتاج إلى أن نجعل منها عالمة فلك أو رياضيات، ولا ناشطة نسوية بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولا بطلة روائية نملأ حياتها المفقودة بما نشتهي. يكفي ما نعرفه عنها.
امرأة عاشت في أور، ابنة ملك، وكاهنة في مؤسسة كبرى، ارتبط اسمها بنصوص ظلت تُنسخ بعد قرون من موتها.
كانت الدول تتغير حولها. اللغة نفسها صمتت كلغة يومية. المعابد تهدمت. وخرج اسمها من الطين مرة أخرى.
ربما هذه هي الحكاية التي تستحق أن تبقى: حين صار للصوت اسم، أصبح في وسع الإنسان أن يغيب ويبقى شيء منه في الكلام.

