حين يصبح الحنين إلى البوهيمية حنيناً إلى الذات

علاء المفرجي
ليست باريس في كتاب الشاعر هاشم شفيق «باريس.. الحنين إلى الأوقات البوهيمية» ليست استعادة لمدينة الذاكرة، ولا مجرد خلفية جغرافية لسيرة شخصية، وإنما تبدو كأنها شخصية أخرى من شخصيات الكتاب؛ مدينة تتقدم وتتراجع، تتبدل ملامحها، لكنها تظل ثابتة في ذاكرة الشاعر بوصفها المكان الذي شهد واحدة من أكثر مراحل حياته اضطراباً وحرية وشغفاً. ولذلك فإن الكتاب، الصادر عن دار المدى، يتجاوز في بنيته حدود المذكرات الشخصية ليصبح استعادة لزمن ثقافي وشعري كامل.
منذ عنوان الكتاب، يضعنا هاشم شفيق أمام مفردة أساسية هي الحنين. غير أن الحنين هنا ليس إلى باريس وحدها، بل إلى زمن كان فيه الشاعر أكثر شباباً، وأكثر اندفاعاً نحو المجهول، وأقل اكتراثاً بما يمكن أن تمنحه الحياة من استقرار. باريس التي يستعيدها هي باريس أواخر السبعينيات، حين وصل إليها شاباً عراقياً في الثامنة والعشرين، حاملاً أحلام الشعر، وباحثاً عن حياة مختلفة عن تلك التي تركها خلفه في بغداد. كانت المدينة آنذاك فضاءً واسعاً للكتاب والفنانين والمهاجرين العرب، ومكاناً تلتقي فيه الثقافة بالحياة اليومية، والشعر بالتشرد، والحلم بالجوع.
يقسم شفيق تجربته الباريسية إلى مراحل، تبدأ بالرحلة الأولى ثم الرحلة الثانية التي يمنحها عنوان «المرحلة البوهيمية الثانية». وفي هذه التسمية شيء من إعادة اكتشاف الذات؛ فالبوهيمية عنده ليست زينة أو صورة رومانسية عن حياة الفنان، وإنما هي نمط وجود فرضته الظروف من جهة، واختاره الشاعر من جهة أخرى. إنها حياة الرصيف والغرفة الصغيرة، والعمل المؤقت، والصداقات، والكتب، والمقاهي، والبحث اليومي عن الطعام والمال، وفي الوقت نفسه البحث عن معنى شخصي للحرية.
ولعل أجمل ما في الكتاب أن شفيق لا يحاول تجميل تلك المرحلة. فهو يستعيد الجوع والتشرد والبحث عن غرفة، والعمل في مهن متواضعة، والعيش في غرفة صغيرة بلا حمام أمام حدائق لوكسمبورغ. ويستعيد كذلك عالم الطلبة والمطاعم الجامعية والمترو والشوارع، بحيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى وثائق شخصية عن حياة شاعر عربي في باريس. وقد عمل في تلك الفترة بائع جرائد، ومصححاً ومراجعاً للكتب، ومدرساً، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
لكن الكتاب لا يجعل من البؤس بطولة، ولا من الجوع أسطورة. أهميته تكمن في أن الشاعر ينظر إلى تلك التجربة من مسافة زمنية طويلة، فيرى ما لم يكن قادراً على رؤيته آنذاك. فالإنسان الذي كان يبحث عن وجبة أو غرفة أو عمل مؤقت، أصبح بعد عقود قادراً على النظر إلى تلك الأيام باعتبارها جزءاً من تكوينه الشعري والإنساني. وهنا يصبح الحنين، في جوهره، حنيناً إلى الشخص الذي كأنه الشاعر أكثر مما هو حنين إلى المكان.
ثم ينتقل الكتاب إلى الزيارات الخاطفة إلى باريس من خلال يوميات وانطباعات لاحقة. هنا يتغير موقع الكاتب تماماً: لم يعد ذلك الشاب الذي يكتشف المدينة للمرة الأولى، بل صار زائراً يعود إلى مكان يعرفه جيداً، لكنه يكتشف في كل عودة أن المدينة تغيرت وأنه هو أيضاً تغير. ومن هذه المفارقة تتولد إحدى أجمل ثيمات الكتاب: هل نحن الذين نعود إلى المدن، أم أن المدن هي التي تعود إلينا عبر الذاكرة؟
وفي قسم «يوميات مفكرتي الجديدة عن باريس»، وضمن «أوراق ثلاث»، تتسع الرؤية لتصبح باريس موضوعاً للتأمل أكثر من كونها مجرد مكان للذكريات. فالشاعر لا يكتفي باستعادة ما حدث، وإنما يعيد تركيب علاقته بالمدينة، مستعيناً بالزمن والذاكرة وما تراكم بين الرحلة الأولى والرحلات اللاحقة. وهكذا تصبح الكتابة نفسها وسيلة لقياس المسافة بين باريس التي عاش فيها شفيق شاباً وباريس التي يراها اليوم.
أما النصوص الرديفة عن باريس وفرنسا التي يختم بها الكتاب، فتمنح العمل فضاءً أوسع، لأنها تخرج من التجربة الذاتية المباشرة إلى تأملات وانطباعات تتصل بالمدينة والبلد وثقافتهما. وبذلك لا ينتهي الكتاب عند حدود السيرة، بل يترك أبواباً مفتوحة على أسئلة الثقافة والمنفى والمدينة والذاكرة.
