ثقافة وفن

حكايا اللون وجمالياته في تجربة ستار لقمان

د.شوقي الموسوي
يُعد الفن التشكيلي المعاصر في العراق، منذ مراحله التأسيسية الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، ممارسة معرفية وحوارية تتجاوز حدود التعبير الذاتي، ولا يمكن اختزاله في كونه نشاطًا جماليًا محضاً.. فالوعي الجمالي يرفض اختزال الفن في المتعة الخالصة – بحسب طروحات غاداميرا الجمالية – ويدعو إلى جعله حدثاً زمكانياً يكشف عن الحقيقة، حيث لا ينفصل الجمال عن الفهم، ولا عن التاريخ الذي ينتمي إليه كلٌّ من العمل والمتلقي معًا.
وبهذا المعنى، يغدو الرسم العراقي الحديث والمعاصر، ضمن اشتغاله على الذاكرة والمكان والرمز مجالًا خصبًا لتفعيل القراءة التأويلية، إذ لا يمكن فصل المشهد البصري عن أفقه الحضاري والاجتماعي والتاريخي، بوصفه سعيًا لإعادة صياغة العلاقة بين المحلي والكوني، وبين التراث والتجريد، وبين الرمز واللون.
ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى الفن التشكيلي المعاصر عموماً، وتجربة الفنان ستار لقمان على وجه الخصوص، بوصفها تجارب حوارية تتجاوز نية الفنان الفردية، ولا تُختزل في قصد منتجها، بل تكتسب معناها داخل تاريخ من الفهم المتجدد، اذ يشارك الجمهور في إتمام دلالتها… ومن هنا، لا تظهر الرموز والمفردات العراقية المستمدة من الريف، أو المدينة، أو من الأسطورة، في تجربة لقمان كإحالات مغلقة أو دلالات جاهزة، بل كحضور مفتوح يستدعي التأويل، وتعدد القراءات فيعيد إنتاج ذاته عبر الأزمنة، ضمن ما يمكن تسميته بمفهوم (اللعب الحر)، الذي لا يعني العبث، بل يشير إلى امتلاك العمل الفني حركته الذاتية، بحيث لا يُفرض المعنى من الخارج، وإنما يتكشف عبر التفاعل.
وفي تجربة ستار لقمان الاخيرة (إطلالات الذاكرة)، ضمن معرضه الشخصي المقام في أروقة قاعة أكد للفنون ببغداد من عام 2026 مـ المحتفية بالتجريد الرمزي، يغدو اللون والخط، ضمن منظومات الإيقاع، والتكرار، والتضاد…. جزءاً من لعبة جمالية ينخرط فيها المتلقي دون أن يهيمن عليها كلياً. فاللوحة لا تُقدَّم بوصفها رسالة مكتملة أو خطاباً مغلقاً، بل تتمظهر كحدث بصري يدعو إلى المشاركة، ويضع المشاهد داخل أفق من التوقع والانزياح. وبهذا المعنى، لا يُقرأ الرمز بوصفه علامة إحالية بسيطة، بل ككيان دلالي لا يكتمل إلا بالفعل التأويلي.
فقد تمظهر الرمز في تجارب الفنان ستار، بوصفه حاملاً لذاكرة جمعية وحضوراً وجودياً… فالنخلة والنهر والبيت الطيني والقارب والطير والهلال والقمر والمدينة والريف والمفردات البغدادية، لا تُقدَّم كعناصر وصفية أو تسجيلية، بل كرموز تفاعلية تعيش داخل اللوحة، وتطالب المتلقي بإعادة اكتشافها.. إنها رموز تفتح أفقاً للفهم، وتستدعي خبرات معاشة تتجاوز حدود المكان والزمان. ولم يتعامل ستار لقمان مع مفردات الريف والأهوار العراقية بوصفها موضوعات تصويرية مباشرة، بل يستحضرها ضمن بناء تجريدي لوني، يجعل من اللوحة فضاءً حوارياً يتقاطع فيه الإنسان مع الطبيعة والذاكرة. فنلحظ حضور أشكال بيوت القصب والطين، والزوارق، والطيور، والقرويين، والنهر، والقمر والهلال، بوصفها آثارًا أو أطيافاً أو إيقاعات لونية تتوزع داخل السطح التصويري، بحيث يتحول العمل الفني إلى تجربة لعب رمزي لا يكتمل معناها إلا في فعل التلقي.
وتتداخل هذه المفردات الريفية في حوار بصري مع المشاهد المدنية، يربط الهامش بالمركز، والطبيعة بالمدينة، والتجريد بالتعبير، في بنية تشكيلية لا تُقرأ بوصفها توفيقاً شكلياً، بل كأفق تأويلي يشارك في إنتاج المعنى داخل لغة بصرية معاصرة.. وإذا كانت هذه المفردات، بما تحمله من مرجعيات مكانية وثقافية، تؤسس جانباً من البنية الدلالية في تجربة ستار لقمان، فإن حضورها التشكيلي لا يتحقق بمعزل عن اللون الذي يعيد صياغتها داخل فضاء اللوحة، ويمنحها قدرتها على التحول من صورة مستعادة إلى أثر بصري. فمن خلال اللون تتغير طبيعة الأشياء وعلاقاتها، وتتراجع حدودها الواقعية لمصلحة بناءٍ تتجاور فيه الكتل والمساحات ضمن إيقاع لا يفصل بين ما تحمله المفردة من معنى وما تكتسبه من قيمة جمالية. وهنا تحديداً تبدأ حكاية أخرى داخل العمل؛ حكاية لا ترويها الأشياء وحدها، وإنما يرويها اللون بما يمتلكه من قدرة على الإظهار والإخفاء، وعلى بناء المسافة بين المرئي وما يستدعيه من دلالات.
وإذا كانت المفردة في تجربة ستار لقمان تستمد حضورها من محيطها العراقي، فإن اللون هو الذي يمنح هذه المفردة حياتها الثانية داخل اللوحة، ويحررها من حدود مرجعها الواقعي، لتدخل في نظام بصري لا يقوم على المطابقة بقدر ما يقوم على إعادة تشكيل المرئي. فاللون لديه لا يأتي لاحقًا للشكل، ولا يؤدي وظيفة تزيينية تكتفي بإغناء سطح اللوحة، وإنما يتقدم بوصفه قوة بنائية تنشئ الشكل وتفككه في آنٍ واحد، وتحدد درجات ظهوره واختفائه. ولهذا تبدو القوارب والبيوت والأجساد والأقمار أحيانًا واضحة في مرجعياتها، ثم لا تلبث أن تذوب أطرافها في المساحات المحيطة بها، وكأن اللون يستردها من التشخيص ليعيد إدخالها في فضائه الخاص.
وتكشف الأعمال عن احترافية واضحة في بناء العلاقات بين الالوان، وبين ومضات لونية أكثر تشبعاً. فالمساحات اللونية الباردة التي تشغل مساحات واسعة لا تنتج سكوناً مطلقاً، لأنها تُخترق ببقع لونية صارخة يظهر أحيانا في مساحات صغيرة، لكنها فاعلة في إعادة توزيع الثقل البصري… ومن خلال هذه العلاقات لا تتحدد قيمة اللون بمقدار المساحة التي يحتلها، وإنما بموقعه وقوة حضوره وتفاعله داخل المجال التصويري؛ فقد تصبح بقعة زرقاء صغيرة أكثر قدرة على استقطاب العين من مساحة ترابية واسعة، لأن الفنان يبني فاعلية اللون على التضاد والعلاقة، لا على الكم.
وعليه، فإن جمالية اللون عند لقمان لا تقوم على الانسجام بمعناه التقليدي وحده، بل على قدر من التوتر المحسوب بين المتجاورات اللونية.. فالحار لا ينفصل عن البارد، والمضيء لا يستقل عن المعتم، واللون الصريح كثيراً ما يظهر محاطاً بدرجات مطفأة تزيد من كثافته البصرية. وفي بعض الأعمال يتقدم الأزرق ليؤسس فضاءً واسعاً وبارداً يحتضن العلامات، بينما تهيمن في أعمال أخرى ألوان، تغيّر حرارة المشهد كله من دون أن تتغير بالضرورة مفرداته الأساسية.. ومن هنا يصبح اختلاف المناخ اللوني اختلافاً في كيفية رؤية الموضوع نفسه، لا مجرد تنويع في معالجته.
ولعل هذا ما يُظهر لنا قدرة الفنان ستار لقمان، على التمرحل بين مشاهد بصرية تتسم بدرجة عالية من الاختزال اللوني وأخرى تبلغ فيها الألوان مستوى عالٍ من التشبع والكثافة، من دون أن تفقد التجربة وحدتها الأسلوبية.. فهذه الوحدة لا يصنعها تكرار مجموعة لونية ثابتة، وإنما تصنعها الطريقة التي يفكر بها الفنان من خلال اللون؛ أي ذلك الميل إلى جعل العلاقات اللونية وسيلة لتنظيم السطح وإنتاج الإيقاع وتحديد مواقع الجذب والسكينة فيه.
ويكتسب اللون في تجربة الفنان بعداً آخر حين يتداخل مع الملمس، إذ لا تبدو المساحات اللونية متساوية في طبيعتها المادية؛ فثمة مناطق كثيفة لونياً تظهر فيها آثار الفرشاة، تقابلها مساحات أكثر هدوءاً وانبساطاً. وهذا التفاوت يجعل اللون محسوساً بقدر ما هو مرئي. ومن هنا تتشكل علاقة ترابطية تفاعلية بين اللون والخط؛ فالخط الأسود أو الداكن لا يؤدي دائماً وظيفة إحاطة الشكل وتثبيت حدوده، بل يدخل في حوار مع المساحة اللونية، فيقطعها حيناً، ويتوارى داخلها حيناً آخر. وبذلك تتبادل العناصر وظائفها داخل اللوحة، فلا يعود ثمة فصل صارم بين الخط واللون، وإنما تنشأ اللغة التشكيلية من تداخلهما.
إذ تتراجع كثافة العلامات أمام فضاء لوني ممتد، وتصبح المساحات الهادئة عنصرًا فاعلًا في التكوين، لا خلفية محايدة له.. فالصمت هنا لا يعني غياب الحدث التشكيلي، بل تأجيله وإبطاء إيقاعه، بحيث تمنح العين زمناً أطول للانتقال بين العلامات القليلة ليصبح اللون نفسه مولداً للحركة والانفعال.
وهذا التنوع يكشف أن الفنان لا يتعامل مع اللون وفق دلالة رمزية ثابتة؛ وإنما تتحدد دلالة كل لون من خلال علاقته بما يجاوره وموقعه داخل التكوين، من أجل منح التجربة مرونة تأويلية؛ لأن المعنى لا يستقر في اللون منفرداً، وإنما ينشأ من شبكة العلاقات التي ينتظم داخلها. ومن ثم فإن قراءة اللون عند ستار لقمان تستدعي النظر إليه بوصفه علاقة قبل أن يكون صفة.
ويبدو أن هذه الحساسية تبلغ مستوى أكثر تجريداً عندما تتراجع الأشياء إلى حواف حضورها، فلا يبقى من البيت سوى كتلة أو قوس، ومن القارب سوى انحناءة، ومن الماء سوى امتداد لوني، ومن الأفق سوى فاصل بين مساحتين. عندها لا يعود التجريد قطيعة مع الواقع، وإنما يصبح طريقة في اختزاله إلى طاقته البصرية الأساسية..
ونلاحظ في المقابل، حين تستعيد الشخوص حضورها داخل بعض الأعمال، فإنها لا تنفصل لونياً عن المحيط، بل تتكون من المناخ ذاته الذي تتكون منه بقية المفردات.. فالأجساد تتجاور فيها المساحات اللونية، وتنتقل بعض ألوانها إلى القوارب والبيوت والفضاءات المحيطة، الأمر الذي يخفف الفصل التقليدي بين الإنسان وبيئته. ومن خلال هذا التبادل يصبح اللون عامل وحدة بين العناصر المختلفة.
وعلى هذا الأساس، يمكن فهم حكايا اللون في تجربة الفنان ستار لقمان بوصفها حكايات لا تعتمد على التسلسل أو السرد المباشر، وإنما تنشأ من تحولات اللون ذاته؛ من اتساعه وانكماشه، ومن كثافته وشفافيته، ومن اشتعاله وخفوته، ومن دخوله في علاقات توافق أو تضاد مع الألوان المجاورة.. فالحكاية هنا لا تُروى قبل أن تُرى، وإنما تنمو داخلها كلما انتقلت العين بين مستويات اللون وآثاره، لتصبح الجمالية وسيلة لإنتاج الدلالة، لا غطاءً لها.
وهكذا، لا يعود اللون عند ستار لقمان عنصراً من عناصر العمل يمكن عزله عن بقية مكوناته، بل يتحول إلى المجال الذي تلتقي داخله المفردة بالذاكرة، والخط بالكتلة، والواقع بالتجريد.. وربما تكمن خصوصية تجربة الفنان في هذه المسافة تحديداً؛ حيث لا يفقد اللون صلته بالعالم، ولا يبقى أسيراً له، وإنما يعيد صياغته وفق حساسية بصرية تجعل من اللوحة حكاية لا تُستنفد في موضوعها، لأن ما تقوله الألوان يظل أوسع مما تسميه الأشياء.
الخاتمة:
إن تجربة ستار لقمان، في مجملها، لا تقدم اللوحة بوصفها موضوعًا للمتعة البصرية فحسب، بل بوصفها حضورًا واقعيًا يكشف عن حقيقة الوجود الريفي والنهري بوصفه نمط عيش ورؤية للعالم. وهي، بذلك، تنخرط في حوار مفتوح مع المتلقي، حوار يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويؤكد أن الفن ليس خطابًا أحاديًا مغلقًا، بل حدثًا تأويليًا مستمرًا لا يُفهم خارج تاريخه، ولا خارج سيرورة إعادة صياغة المعنى والهوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى