ثقافة وفن

بدر شاكر السياب..الماء الذي حمل جيكور إلى العالم

فؤاد ميرزا
لو دخلت جيكور صباحاً، قبل أن تعرف اسم بدر شاكر السياب، لرأيت ماءً ونخلاً وطيناً وبيوتاً صغيرة. مكاناً لا يوحي بأن واحداً من أبنائه سيبدّل شيئاً عميقاً في إيقاع القصيدة العربية. من هناك خرج شاب نحيل يحمل فقداً مبكراً وذاكرة شديدة الالتصاق بالأشياء، ثم حمل القرية معه إلى بغداد وبيروت والكويت ولندن. كلما ابتعد عنها اتسعت داخله، حتى غدت جيكور أكبر من مساحتها، وبويب أوسع من جدول، والمطر أكثر من طقس.
كُتب الكثير عن ريادة السياب وعن الشعر الحر والتفعيلة. وظل السؤال القديم يتكرر: من بدأ أولاً؟ نازك الملائكة أم السياب؟ ومع أهمية السؤال في تاريخ الأدب، فإن السياب الذي يعنيني يبدأ في مكان آخر. يعنيني ذلك الشاعر الذي استطاع، خلال حياة لم تتجاوز ثمانية وثلاثين عاماً، أن يجعل بقعة صغيرة قرب أبي الخصيب تتسع داخل اللغة، وأن يحمل طفولته وخوفه وحبه وخصوماته ومرضه معه من قصيدة إلى أخرى.
سيرته لا تبدو لي طريقاً مستقيماً. فيها تيارات تتحرك تحت السطح ثم تظهر بعيداً عن مكانها الأول. طفولته تعود حين يمرض. القرية تخرج من قلب المدينة. السياسة تترك ندبتها في الجسد. والأسطورة القديمة تستيقظ فجأة وسط شارع حديث. ومن الصعب، بعد قليل من القراءة، أن نفصل الشاعر عن ذلك الرجل الذي كان يصغي إلى الماء، ويخاف الوحدة، ويغير رأيه، ويخطئ، ويشتاق.
فقد السياب أمه وهو طفل. أخذ النقاد هذا الفقد طويلاً إلى قصائده حتى أصبح أحياناً مفتاحاً جاهزاً. وما يستوقفني أكثر هو شيء أصغر: ماذا يحدث للأشياء حين يغيب الوجه الأول من البيت؟
ربما تبدأ هي بحفظه.
رائحة الغرفة. ظل النخلة. الباب. التراب بعد المطر. صوت الماء.
جيكور من هذه الزاوية ساعة داخلية. كلما اختل الحاضر عاد إليها السياب ليقيس المسافة بين الرجل الذي صار إليه والطفل الذي تركه هناك. والمكان، عندما يدخل الذاكرة بهذه القوة، لا يبقى في الخلف. يسافر مع صاحبه، يتبدل معه، ثم يفاجئه بعد سنوات في مدينة بعيدة.
لهذا يستطيع شخص لم ير جيكور أن يشعر بأنه مر بها ذات يوم. أعطاها السياب ذلك النوع النادر من المحلية التي تتجاوز الخريطة لأنها شديدة الالتصاق بتفاصيلها. بيت يفقد شيئاً من قدرته على الحماية. جدول صغير يواصل الجريان بعد أن يتغير كل شيء حوله. نخلة يعرف ظلها أكثر مما يعرف اسم الشارع.
بويب مثال واضح. على الخريطة جدول محدود. في شعر السياب أخذ يتسع نفسياً مع صاحبه. الماء الذي مر أمام الطفل سيعود في المطر والبحر والدموع والمرض. لا يؤدي الوظيفة نفسها في كل مرة. في الطفولة يحمل شيئاً من الحنان. وفي الوطن يختلط بالخصب والجوع. وفي المرض يكاد يصبح فاصلاً شفافاً بين جسد يضعف وحياة تستمر خارجه.
ومن هنا يمكن أن نقترب أيضاً من تجديد السياب بعيداً عن الحساب العروضي وحده. ما حدث لم يكن تغيير شكل السطر فقط. الزمن نفسه داخل القصيدة تغير. السطر يضيق ويتسع مع النفس. الكلمة تعود بعد عشرة أسطر وقد صار لها وزن آخر. الوقفة تصبح جزءاً من المعنى. التكرار يحمل ذاكرة ما سبقه.
في أفضل قصائد السياب يصعب أن نستخرج الفكرة ونترك الموسيقى على الطاولة. المعنى يجري داخل النبض نفسه.
وحين نصل إلى «أنشودة المطر» نسمع ذلك بوضوح. كلمة المطر لا تعود كما كانت. تمر بالأرض والجوع والانتظار والخصب والموت، ثم تعود إلى الأذن وهي تحمل ما مرت به. التكرار هنا حركة داخل الزمن. يشبه المطر وهو يضرب سطحاً ثم سطحاً آخر. الماء واحد، أما الصوت فليس واحداً.
العراق في القصيدة يظهر أحياناً زمناً أكثر مما يظهر خريطة. طفولة بعيدة، جوع حاضر، انتظار، خوف من خراب قد يتكرر. ربما لهذا بقيت القصيدة بعد اللحظة التي ولدت فيها. الرمز ظل مفتوحاً لأنه عاش أولاً في تجربة محسوسة، قبل أن يدخل كتب النقد.


الصورة الأكثر شيوعاً للسياب تضعه بين النخيل والمطر وجيكور. غير أن في شعره مدينة أخرى.
في «حفار القبور» و«المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» تتحرك عين مختلفة. الشوارع والغرف والوجوه تحت ضغط الجوع والحرب والحاجة. الفقر لا يبقى فكرة. يدخل الجسد ويغير المشية والنظرة والرغبة وطريقة الإنسان في رؤية الآخر.
وهذا مهم لفهم السياب. الشاعر الذي حمل ماء القرية داخله لم يبق أسير القرية. رأى المدينة أيضاً وهي تنتج وحدتها الخاصة. الحشود حول الإنسان لا تنقذه دائماً من العزلة، والضوء الكثير لا يعني أن العتمة اختفت.
هناك يصبح الإنسان عنده هشاً، وقد يصبح مؤذياً أيضاً. الخائف يتراجع. المحروم يحلم بالخلاص وقد يشارك، في لحظة أخرى، في صنع قسوة جديدة. الشعر الاجتماعي عند السياب يبقى حياً حين يصل الحدث إلى اللحم والشارع والليل، ويضعف حين يقترب أكثر مما ينبغي من البيان.
والسياسة جزء من هذه القصة. دخل الحزب الشيوعي العراقي في شبابه، ودفع أثماناً في العمل والاستقرار والأمان، ثم ابتعد عنه ودخل في خصومات حادة معه. بعض كتاباته السياسية تبدو اليوم ابنة جرح شخصي بقدر ما هي ابنة موقف فكري.
هذا التناقض لا يزعجني في قراءة شاعر كبير. على العكس، يعيده إلى حجمه الإنساني.
في هذه النقطة تضيء قراءة فوزي كريم جانباً مهماً من تجربة السياب. يتحدث كريم عن «شاعر المتاهة» في مقابل شاعر يدخل القصيدة وفي يده راية جاهزة. السياب في لحظاته الأعمق أقرب إلى الأول. يدخل النص ولا يعرف دائماً أين سيخرج منه. يكتب فيما السؤال ما زال حياً.
هذه الفكرة تفسر شيئاً من حرارة شعره. حين تصبح الفكرة جاهزة أكثر مما ينبغي يضيق النص. وحين يعود الرجل إلى خوفه ورغبته وذاكرته وحيرته، تتسع القصيدة.
جيكور وبويب والجدة ووفيقة والشناشيل والمطر والمرض لم تدخل قصائده لتثبت نظرية. جاءت أولاً من الحياة، ثم اقتربت منها الأسطورة حتى أصبح للسياب عالم شخصي يكاد يمتلك قوانينه الخاصة.
يتحدث فوزي كريم أيضاً عن عالم سفلي في شعره، وعن أزمنة وأمكنة تصل جذورها إلى سومر وأكد. ويمكن رؤية ذلك من دون تحويل السياب إلى درس في الأساطير. بويب يبقى بويب، لكنه يحمل وطناً وخوفاً وطفولة وموتاً. وجيكور تبقى قرية، ثم تصبح مع السنوات غرفة سرية يعود إليها الشاعر من مدن بعيدة.
الأشياء لا تفقد أسماءها الواقعية. تكبر فقط.


درس السياب الإنكليزية وقرأ الشعر الحديث وترجم منه. ويظهر أثر ت. س. إليوت وغيره في تكوينه. لكن عبارة «تأثر بإليوت» تشرح القليل إذا توقفت عندها القراءة. ما جاءه من الخارج دخل إلى ذاكرة ممتلئة أصلاً بالعروض العربي والقرآن والتراث والأسطورة ولهجة الجنوب والنخيل والطين.
خرج من الاحتكاك شيء آخر.
ربما كانت الترجمة بالنسبة إليه نافذة واختباراً في الوقت نفسه. منها رأى طرائق جديدة لتحريك الصوت والأسطورة وتعدد الأصوات. غير أن القراءة العالمية لم تسحبه بعيداً عن مكانه. أعادته إليه بعين أوسع.
صار بوسع الجدول الصغير أن يقف إلى جانب أنهار بعيدة من دون أن يغير اسمه.
وهذه إحدى أجمل مفارقات السياب. الحداثة عنده لم تحتج إلى محو القرية. جيكور نفسها دخلت العالم.
ثم بدأ الجسد يضيق.
في السنوات الأخيرة أخذ المرض من السياب قدرته على الحركة تدريجياً. تنقل طلباً للعلاج، والأسرة تنتظر، والمال قليل، والوقت صار له صوت مختلف.
في البداية كان الشاعر يغادر الأماكن ثم يعود إليها بالذاكرة. في المرض أصبح الجسد نفسه مكاناً يصعب مغادرته.
هنا أصل إلى المنطقة الأكثر إيلاماً في تجربته.
الرجل الذي وسّع جيكور حتى حملت عالماً كاملاً وجد نفسه في النهاية داخل مساحة جسدية تنكمش يوماً بعد يوم، فيما القصيدة تواصل السفر.
الموت الذي مر سابقاً عبر تموز والأساطير اقترب من السرير والزوجة والأطفال والليل. تقل المسافة بين الرمز والحياة. حتى البيت القديم تتغير وظيفته. يعود من الطفولة ليصبح مقياساً لما كان يسمى الأمان.
ليس في الألم بطولة أبحث عنها. ما يستوقفني هو ما يفعله المرض بحواس الإنسان. المشي الذي نقوم به من دون انتباه يتحول إلى فكرة حين يصبح صعباً. الزمن الذي كان واسعاً يبدأ بالانكماش. النافذة تصبح أبعد. الليل أطول.
السياب شاعر حواس قبل أشياء كثيرة أخرى. يسمع الماء، يرى لمعان الأشياء، يشعر بثقل الطين وبظل النخيل وببرد المرض. ولهذا ظلت أفكاره الكبيرة قريبة من اليد والعين والأذن.
الأسطورة تلمس الأرض عنده. السياسة تمر بالجوع. الوطن يظهر في بيت أو مطر أو شارع. والموت يجد سريراً.
عند السياب تجد الفكرة مادتها قبل أن تجد اسمها.
صيدة، باحثة عن شكل يكفيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى