ثقافة وفن

في استقبال مئويته.. مـهـدي عـيـسى الـصـقـر السارد الذي سبق وعي النقد

علاء المفرجي
حياته ونشأته
العام القادم يحتفل الادب العراقي بمرور مئة عام على ميلاد القاص والروائي العراقي الكبير الراحل عيسى مهدي الصقر ولدالصقر في البصرة سنة 1927م، نشر أولى محاولاته القصصية في مجلة الأديب اللبنانية في الخمسينات من القرن الماضي، صدرت أولى مجموعاته القصصية (مجرمون طيبون) سنة 1954.
يعد القاص مهدي عيسى الصقر من قصاصي جيل الخمسينات المجدد في العراق فهو إلى جوار عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومحمود الظاهر ومحمود عبدالوهاب من القاصين الذين تمكنوا من المزج بين الواقعية لتسجيل أحداث اجتماعية مهمة وبين الفنية المعتمدة على المخيلة المحلقة في مناطق شعبية تستمد وعيها من المثيولوجي والغرائبي.
فقد عده الناقد الدكتور علي جواد الطاهر من أحد القصاصين المتميزين في الأدب القصصي، ولما ظهرت أولى مجموعاته القصصية في عام 1954 بعنوان «غضب المدينة» اسس رؤية نقدية للواقع، باسلوب فني جيخوفي حيث أن جيل الخمسينات كان واقعا تحت تأثير ثلاثة قصاصين كبار: إدغار آلان بو، وغي دو موباسان وأنطون تشيخوف. وكتاب القصة العراقيين وجدوا في فن تشيخوف القصصي اسلوبا فنيا يقربهم من القصة العالمية الحديثة. ويكشفون بفنيته عن ما تحت سطح الاحداث اليومية من واقعهم المغلف. كان تشيخوف بنبرته الشعرية، وجمله القصصية القصيرة المكثفة واحدا من أساتذة فن القص عالميا. ولما أسست هذه المجموعة الريادية للقصة القصيرة في العراق وجدت صداها في نقد ومقالات النقد العراقي إلى اليوم. القاص مهدي عيسى الصقر ابن بيئة جنوبية مشبعة بالعمال والعمل، بالأجنبي المحتل وبأبن البلد. وبقي حتى بعد أن تقاعد من الوظيفة وانتقل إلى بغداد في السبعينات رجلا ملتصقا بالتيار التقدمي للفن القصصي العراقي.من هنا يكتسب الحديث عن فنه القصصي طابعا اجتماعياً هو الحديث عن تنقلات التيار التقدمي في الفن بين الواقعي في الخمسينات وبين التجريبي في الستينات.
عمل القاص مهدي عيسى الصقر موظفا في شركة نفط البصرة لاكثر من خمس وعشرين سنة وهو المكان الذي مكنه أن يكون أدبه وكتاباته خاضعة لحركة الشارع بتياريه: الموظفون والعمل.. وقد مكنته وظيفته هذه من أن يفهم معاناة عمال النفط ومشكلاتهم فهما طبقياًً. فكان في الخمسينات قريبا من أوضاعهم ومن أفكارهم دفعه ذلك لأن يرتبط بالتيار التقدمي اليساري وشهد على مدى عقود مظاهرات عمال النفط والديكيار والسيكاير والسينالكو والموانئ العراقية فاستبطن تلك الأحداث لاحقا في نتاجه. لذا فهومن القاصين القلائل الذين بقوا ملتزمين بالتيار الواقعي في القصة. لإيمانهم أن الواقعية غينة بالدلالات. ولو تمكنا كما أشار مرة من الفن الواقعي وفهمنا أبعاده وفنيته المضمرة في أحشاء الحدث الشعبي لاستطعنا بالفعل أن نكون مجربين في تيارات فنية أخرى.
ولذا فالكتابة الواقية عند مهدي عيسى الصقر لا تعني التراجع أو الرؤية بعين الآخر، بل تعني المزج بين احداث معاشة لا ترى إلا بعين فنان ملتزم بقضايا إنسانية لا يمكن أن تطرح إلا من موقع تقدمي. في الستينات عندما طغى التيار التجريبي على فن القصة القصيرة، وكشف عن مستوى آخر للواقع لم تكن قصة الخمسينات قادرة على رؤيته لقصور أداتها عاد الصقر ليكتب القصة القصيرة ثانية ولكنه فضل عدم النشر، وفي رأيه أن التجريبية في القصة تنفلت في أحايين كثيرة من عقال الفنية والموضوعية. لكن التيار التجريبي في قصة الستينات تحول لاحقا إلى تيار راسخ في الثقافة الأمر الذي مهد للقاص مهدي عيسى الصقر العودة ثانية برؤية واقعية تجريبية. فهو قاص ما يزال يختزن الكثير من الأحداث التي لا يمكن أن تكتب إلا بالطريقة التجريبية المتقدمة وليس كما يفعل الشباب في الستينات.
سيرته الأدبية
و في أواسط السبعينات بدأ ينشر قصصا في مجلات عربية وعراقية من قصصه المتميزة«زيارة السيدة العجوز». والتي حملت عنوان مجموعته القصصية الثانية هي مجموعة قصصية وقف فيها على تنوع التيار الواقعي مع الكثير من البنية الشعرية الهادئة في النص. في بغداد وجد أن الظروف المغايرة لجو البصرة تمكنه من ان يعيد نشاطه القصصي ولكن بأسلوبية جديدة فقد زاد في نصة تغريب الواقع، والبحث عن أفق حداثي في الموضوع الواقعي والعودة إلى تاريخية الحدث وإلى التعامل الحذر والدقيق مع المكان وهو ما ميز تيارا في القصة التي يمكن أن تقرأ من خلالها بعض ما حدث في المجتمع العراقي. وداب في هذه الفترة على كتابة تخطيطات أولية لمشاريع قصص قصيرة وروايات، هنا بدأ الفن يضغط عليه بعدما كانت المخيلة. ولكنه لم يكن مستعدا أن يغامر بالنشر في فترة ملتبسة. يكتسب الحديث عن القاص مهدي عيسى الصقر جوانب مهمة من حياة الثقافة العراقية الحديثة. فهو من جنوب العراق ويعني ذلك كما انعكس في قصصة ورواياته أن البيئة الجنوبية كانت حاملة لنوى التحديث في الشعر وفي الفن المسرحي والقصصي. كما هي حاملة في الوقت نفسه لكل أقدام المحتلين الأجانب من فرس ومغول وإنكليز. ولذا كانت هذه البيئة وما تزال عرضة للتغيير الديموغرافي والجغرافي. ولا نعدم القول إذا قلنا أن البصرة وبقية المدن العراقية الجنوبية والشمالية قد تعرضت على يد حكام العراق ما يوازي ما تعرضت له على يد المحتلين. ضمن هذا المناخ المستمر منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم تتعايش الثقافات في مدينة البصرة وتتداخل التجارب. فهي مدينة ميناء ونفط ونخيل كما تجد فيها تجانسا غريبا لأقوام من مختلف شعوب العالم، فالمدن الميناء ذات طبيعة عالمية وأن حملت اسما محليا وتراثا عربيا. فهي كغيرها من موانئ العالم.
في هذا الجو وجد القاص مهدي عيس الصقر كما وجد كتاب آخرون: السياب وسعدي يوسف والبريكان ومحمود عبد الوهاب ويعرب السعيدي ومحمد خضير وعشرات من أدباء العراق الأرضية التي تنمو فيها المتناقضات وتتضح فيها خيوط السرد المختلفة المشارب. وقد مهدت هذه البيئة للقاص مهدي عيسى الصقر أن يجد في معسكرات الشعيبة وفي محلات البصرة القديمة مكانا وثيمة يستل منها قصصه وأحداثه. لعل روايته القصيرة الشاهدة والزنجي خير دليل على هذا التزاوج بين سكان المدينة وأحداثها. بانتقال القاص مهدي عيسى الصقر إلى بغداد في أوائل السبعينات رغم أنه بقي صامتا لم يلتق بأحد لفترة طويلة إلا أنه كان ينتج وفي أواسط الثمانينات بدأ ينشر قصصه القصيرة في مجلة الأقلام العراقية والآداب البيروتية. وفي هذه الفترة بدأ يكتب روايته القصيرة الشاهدة والزنجي وهي باكورة نشاط استمر لعشر سنوات وعندما ظهرت في أواسط الثمانينات تعامل النقد العراقي معها تعاملا جادا.
وهي رواية تتحدث عن المدينة المحتلة من قبل الأجنبي وكيف يولد هذا الاحتلال خللا في العلاقات بين الناس تصل إلى حد الزنى والقتل للأجنبي فمن خلال امرأة شعبية تدفهعا الظروف لممارسة الجنس في البساتين يكشف عن بقعة غنية بالدلالة عندما تكون المرأة رمزا لمدينة محتلة من قبل الأنكليز. ومن داخل هذه البنية السياسية يطل مهدي عيسى الصقر على واقع المجتمع العراقي في الأربعينات فيكشف فيه عن تركيبة اجتماعية تعتمد على ثيمة التجاور بين سكنة المدينة الاصليين والسكنة الطارئين. مما يعني أن المدن الميناء تكون في مراحل تاريخية مدنا ذات هوية شاملة تتداخل فيها الأجناس والمواقف. وباسلوب واقعي مشحون بالشعر قدم الشاهدة والزنجي رواية لم نجد لها في أدبنا القصصي مثيلا.
بعد هذه الرواية اصدر القاص عددا من الرواية منها كما أتذكر رواية رياح شرقية رياح غربية. ورواية أخرى تعتمد على خلفية الحرب مستبطنا حياة السياب دون أن يكون أدبه من أدب الحرب.
ما قاله التكرلي
كان موجودأ معنا على الدوام، نحن كتاب القصة من جيل الخمسين كما سمانا النقاد بعد ذلك. بدأ النشر في اواخر الاربعينات، كما اتذكر، وكنا عبد الملك نوري وانا نتابع انتاجه في مجلة (الاديب) باستمرار. شعرنا بأنه – بجهده الادبي المميز، يشكل لنا دعما في مسلكنا الادبي الذي اعتبرناه جديدأ آنذاك. كانت اقاصيصه ذات نفس يسير في طريق توجهنا ويسبقنا فيه أحياناً، وكنا نلاحظ بسرور تفوقه التقني وتنتظر مجموعته القصصية الاولي.
اصدر الصقر مجموعه القصصية المنتظرة (مجرمون طيبون) في سنة 1954، وهي السنة نفسها التي اصدر فيها عبد الملك نوري نشيد ارضه. كانت مجموعة الصقر مجموعة واعدة حقاً. يكفي أن نلاحظ فيها اقصوصة (بكاء الاطفال) التي كتبها وهو في الثالثة والعشرين من عمره. كانت اقصوصة مهمة ومتفوقة، تدل على امتلاك كاتبها لوعي كبير بالتقنية القصصية المتاحة تلك الايام. قلت ان مجموعة (مجرمون طيبون) كانت مجموعة واعدة، ويخيل الي ان ما انجزه الصقر بعد ذلك تجاوز الوعود التي كنا نأملها منه بمراحل.
لم ينشر الصقر مجموعته الثانية (غضب المدينة) الا في سنة 1960، كانت تحتوي بين ما تحتوي من اقاصيص على اقصوصة (المضخة) الشهيرة. كان الصقر يقيم في البصرة، موطنه الاصلي، ويعمل هناك، ولم تسنح لي فرصة التعرف اليه الا بعد ذلك بسنوات، الا اني بقيت الاحق انتاجه. قرأت له من الاقاصيص الرائعة خلال سنوات السبعين « جزئيات الهيكَل» و» القلعة والقارب» و « امرأة فلسطينية» واخريات غيرها. هذه الاقاصيص تشكل طرازا رفيعا حقاً في تنفيذ تقنية قصصية حديثة. لقد ضم الصقر هذه الاقاصيص الى مجموعة (حيرة سيدة عجوز) التي صدرت سنة 1986. وفي تلك الايام، بعد عودتي الى بغداد، صادف أن عرضت علي كخبير رواية من تأليفه قدمها للنشر الى دار الشؤون الثقافية العامة وكانت هي روايته المعروفة (الشاهدة والزنجي). اعجبت بالرواية اعجابا كبيراً وتحمست لنشرها بسرعة، فهي ذات تقنية جديدة، تضخ دماء حديثة في ادبنا الروائي.
تعرف على الاستاذ الصديق مهدي عيسى الصقر في السنة التي تلت نشر روايته هذه كما اتذكر، اي في سنة 1987. ولمن يعرف (ابا الحان) سيفهم المعني الصحيح لقولي عنه انه طراز خاص من البشر، بلطفه وطيبة قلبه وفهمه العميق لطبيعة الانسان وصبره امام مشاكل الحياة.وحين تخالطه، تدرك ان هذا الاخلاص والنبل في التعبير _ ان امكن القول _ عن الآم شخصياته، لابد منعكس من ذات صافية، مبرأة من كل اثم او فكرة سوداء. والبراءة هنا لا تعني بالتاكيد السطحية، بل هي التواصل الحميم والمباشر بين المؤلف وشخوصة المسحوقين.
وعلى جانب هذه الاعمال الابداعية الكبيرة، كتب اقاصيص عديدة لفتت نظري اثنتات منها هما (زوجة محارب) و(الصدى)، هاتان الاقصوصتان بالذات تمثلان عندي قمة عالية من انماط القص العربي. انهما انموذجان ساطعان للاقصوصة المعاصرة، الموزونة بدقة والتي تملك تأثيرآ عظيما ودائما على القاريء. لقد سحرني هذان العملان حقا. بعد ذلك قرأت للصقر، متأخرٱ، روايته (الشاطىء الثاني)، أنها من اجمل الروايات التي قرأتها على حافة المستوايات، بث فيها الصقر الكثير من الاشجان واحزان الحياة، لكنه جعلها اشجانا تطهر النفس وتعلو بالمشاعر فعلا.
وبهذا المناسبة، فقد جاءت للرواية هذه شهادة من الاستاذة (كاثرين كوبهام) أستاذ الأدب العربي المعاصر في جامعة(سانت اندروز) العتيدة بسكوتلندة، اذ اتصلت بي تلفونيا أثناء وجودي في لندن قبل اشهر لتخبرني بانها كانت تقرأ رواية (الشاطىء الثاني) وهي في الطائرة، وصادف انها لم تكملها وحين نزلت من الطائرة نسيتها فيها، ورجتني ان ارسل لها نسخة منها لانها شغوفة بأن اكملها وتعرف نهايتها، لقد قمت بارسال نسخة اليها بعد عودتي الى تونس.
الصقر مع التكرلي وفرمان رموز الواقعية الأدبية
يقول القاص والروائي محمد خضير: عرف عن الصقر ريادته للقصة الواقعية في العراق، التي سماها القاص محمد خضير بـ(قلعة الواقعية في العراق)، وملاحظة خضير هذه تستند إلى قصة مهمة في تاريخ السرد العراقي كتبها الصقر ونشرها في «غضب المدينة» عام 1960. موضوع القصة هو هروب فلاح مع عائلته المكونة من زوجته وطفله من سطوة النظام الإقطاعي في ذلك الوقت، أخذ عائلته في قارب، وخلال مروره قرب قلعة الإقطاعي الكبير بدأ طفله بالبكاء بصوت مرتفع، فلم يكن لديه من بد لإسكاته إلا أن هوى بالمجذاف على رأسه ورأس زوجته، بينما كانت أضواء القلعة تتلألأ وتكشف الهاربين.
استعار الصقر؛ بحسب كلام خضير، أيقونة القلعة ونقلها من موقعها القديم الإقطاعي، إلى موقع آخر في بداية الحرب العالمية الثانية، عندما شرع بناة الواقعية الأولى في إقامة قلعة الواقعية الكبيرة، وكانت هناك أربع مجموعات قصصية قامت عليها هذه القلعة، أولها مجموعة الصقر «مجرمون طيبون»، ومجموعة عبد الملك نوري «نشيد الأرض» وكلتاهما صدرت عام 1954، ثم تلت هاتين المجموعتين مجموعة غائب طعمة فرمان «مولود آخر» عام 1960، ومجموعة «الوجه الآخر» لفؤاد التكرلي… المجموعات الأربع هذه هي الأركان الأربعة التي قامت عليها قلعة الواقعية الكبيرة في العراق. قد لا يستطيع غيري أن يتصور مهدي عيسى الصقر، إلا من خلال هذه القلعة التي كانت تطل على الواقع الأدنى الذي كانت تعيش فيه مجموعة كبيرة من الشخصيات، وكان الراحل أشبه بأيقونة الصقر؛ نسبة إلى لقبه، يطلع على الجموع في الواقع الأدنى وينظرها بنظرة التفحص والعطف والنقد، لذلك فإنه يشبه شعلة بروميثيوس الذي هبط بشعلته إلى البشر… القلعة والصقر كانا دالتين على تلك المرحلة المهمة.
السياب في أشواق طائر الليل
كتب الناقد حمزة الحسن: ان رواية اشواق طائر الليل هي سيرة ذاتية روائية للشاعر العراقي بدر شاكر السياب وان لم يأت ذلك في الرواية صراحة أو إسما، كما ان غلاف الكتاب حمل اسم « رواية» وليس سيرة ذاتية، وهذا يعني ان الروائي الصقر اراد لنا ان نفهم هذا النص كما نريد سيرة أو رواية أو سيرة روائية. وهذا لا يعني ان عقد القراءة المكتوب على الغلاف ” رواية” ملزم للناقد
أو القارئ المهتم، لأن النص الادبي هو الذي يمنح الرواية نوعية التجنيس أو الصفة أو الهوية وليس التعريف الخارجي الذي يريده الروائي.. لكن الحدود ليست صارمة وجازمة وقاطعة بين السيرة الروائية وبين الرواية، لأن الرواية تستعير الكثير من تقنيات السرد السيروي، كما ان هذا يستعير ادوات وتقنية الرواية حتى تداخلا بصورة عضوية وصار من الصعب الفصل بينهما إلا لأغراض البحث والدراسة..
فيما يشير الكاتب علي حسين الى مجموعة الصقر القصصية الاولى (مجرمون طيبون) (غضب المدينة) التي صدرت في اواخر خمسينيات القرن الماضي والتي كانت بالفعل شيئا متميزا ومختلفا عن التيار الوصفي الذي كانت تتسم به القصة العراقية انذاك وكان هذا التطور متناغماَ مع الجو السياسي والثقافي الذي ساد الشارع العراقي.. كما ان النجاح الذي حققه غائب طعمة فرمان وعبد الملك نوري في قصصهما قد اغرتا العديد من الكتاب بالابحار على مراكب الواقعية الجديدة.. وهي الواقعية التي تغوص في حياة الناس من موظفين صغار وحرفيين ومضطهدين ومنبوذين الا ان مهدي الصقر ما برح ان توجه بزورقه الى اتجاه اخر اتجاه يقربه من الواقعية التعبيرية المتمثلة بطاقة شعرية حيث اضاف الى قدرته في التقاط الموضوع وزاوية الرؤية للاحداث ذخيرة ثقافية قوية واستفادة واضحة في تذوق الادب العالمي الذي تذوقه بمتعة من خلال اللغات الثلاث التي يجيدها الانكليزية والفرنسية والالمانية. ويضيف علي حسين: » تكشف قصصه التي نشرت فيما بعد في مجموعة (حيرة سيد عجوز) التي عاد بها بعد صمت قارب العشرين عاما بان الكاتب امتلك ناصية الكتابة الجديدة وتنبئ بان الصقر قد عرف جيداً كيف تكتب القصة الحديثة المستوفية لشروط بنائها المعماري.. وتنبئ ايضا بان الصقر ملم بالتيارات الادبية السائدة في العالم ولديه خبرة بمنجزات المع الكتاب في الادب العالمي.
بعض من «مذكرات ويوميات»
في كتابه « وجع الكتابة ــ مذكرات ويوميات ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد ــ 2001 « يروي المبدع الراحل « مهدي عيسى الصقر» الكيفية التي التقط فيها موضوع قصته» زوجة محارب « والآليات الواعية واللاواعية التي فعلت فعلها في تحويل هذا الموضوع الى نص ابداعي:
« 9 كانون الأول (ديسمبر): 1999
انتهيت من كتابة اقصوصة اسميتها (زوجة محارب) شغلتني تسعة ايام، اذ كتبت عدة مسودات لها، حتى اقتنعت بانها اكتملت بشكل لابأس به. حفزتني الى كتابة هذه الاقصوصة رؤيتي لإمرأة تخبز في تنور، على قارعة الطريق، في فسحة من الارض، امام هيكل لقصر كبير ما يزال العمال بشتغلون في اتمامه، اشتريت منها خبزا ً لأعرف حكايتها. قالت ان أباها يعمل حارسا ً للبناية وانهم يعيشون في احدى الحجرات « هناك « واشارت الى حجرة ما يزال بابها ونوافذها، محض فتحات يغطيها خليط غريب، من الخرق والاسمال واكياس الاسمنت (الفارغة)، وان امامهم بعض الوقت، حتى يكتمل البناء ويأتي اصحابه، ليقيموا فيه، وهي تعمل لتنفق على علاج زوجها الذي عاد من الأسر، لدى الاعداء، يحمل معه جرحا ً في ساقه. ولم تكن حاله سيئة كثيرا ً، الا ان قرحة نشأت بعد ذلك، في مكان الجرح، واخذت تنخر في الساق والاطباء ينصحون الان ببترها. شاهدت معها طفلا ً صغيرا ً جميلا ً بشعر اشقر يلمع في الشمس، يلعب بالحصى على مسافة قريبة، عرفت انه ابنها، طلبت مني المرأة ان اساعدها في حمل طست العجين، من داخل الحجرة، تبعتها، وعندئذ شاهدت زوجها المصاب، راقدا ً تحت الاغطية في احدى الزوايا، يعاني اوجاعه، في صمت، عيناه تلتمعان، في العتمة، وفي نظرته الينا ــ انا وزوجته ــ احساس بالحرج والهوان، اذ يرى امرأته تستعين برجل غريب « (ص 66 ــ 67).
لم ينخرط في موجات التجريب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى