منوعات

من أحياء أوغندا الفقيرة إلى العالمية.. قصة “غيتو كيدز”

وبخطوات راقصة تجمع بين الرشاقة والطاقة والإبداع، مستلهمة من التراث الإفريقي، استطاع أطفال الفرقة، التي تضم حاليا 65 طفلا، تحويل مواهبهم إلى ظاهرة عالمية تجاوزت حدود أوغندا.

ومن بيئات فقيرة ومهمشة في قرى ومناطق مختلفة من البلاد، انطلق هؤلاء الأطفال ليصنعوا لأنفسهم مكانا على المنصات الفنية الدولية، بعد أن كانت أولويتهم تأمين احتياجاتهم الأساسية من الطعام والتعليم. 

ولم تعد “غيتو كيدز” مجرد فرقة تقدم عروضا راقصة تحصد ملايين المشاهدات، بل أصبحت نموذجا لقدرة الفن على فتح آفاق جديدة أمام الأطفال المحرومين، وتقديم صورة مختلفة عن القارة الإفريقية، بعيدا عن الصور النمطية التي تحصرها في الفقر والحروب والمعاناة.

وتكتسب تجربة الفرقة أهمية خاصة في قارة عانى عدد من بلدانها لعقود من النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي، وما خلّفاه من تداعيات قاسية على الأطفال، شملت النزوح والاختطاف والانتهاكات وتفشي الأمراض.

وفي مواجهة هذه الصورة، تقدم “غيتو كيدز” رواية أخرى عن الطفولة الإفريقية، عنوانها الموهبة والإبداع والقدرة على تجاوز الظروف الصعبة.

مسيرة ملهمة

تعود بدايات “غيتو كيدز”، التي يعني اسمها “طفال الأحياء الفقيرة”، إلى عام 2007، حين قرر داودا، بعد تخرجه في كلية المعلمين، توظيف تجربته الشخصية في مساعدة الأطفال الذين يواجهون ظروفا معيشية قاسية، من خلال تأسيس فرقة فنية تجمع بين الرقص والغناء، وتوفر لأعضائها دعما يساعدهم على مواصلة التعليم وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويقول داودا، البالغ من العمر 40 عاما، لموقع “سكاي نيوز عربية”: “توفي والدي عندما كنت في العاشرة من عمري، وترك لي 6 أشقاء صغارا. كان لزاما علي أن أترك المدرسة وأبحث عن وسيلة لإعالتهم، فبدأت أتجول في الشوارع وأمارس الغناء والرقص مقابل القليل من المال، أعود به إلى المنزل ومعي ما يسد رمق إخوتي”.

ويضيف: “أُعجب أحد المارة بما أقدمه، فقرر التكفل بي وبأسرتي ومساعدتي على استكمال دراستي، إلى أن درست الموسيقى في كلية المعلمين، وكانت تلك بداية مسيرتي الاحترافية”.

وبعد تخرجه، قرر داودا أن يمنح أطفالا آخرين فرصة مماثلة لتلك التي حصل عليها، فأسس الفرقة التي تطورت لاحقا إلى منظمة توفر المأوى والغذاء والتعليم للأطفال الذين يعانون التشرد والفقر في أوغندا.

ويقول: “بعد تخرجي، بدأت تنفيذ عهد قطعته على نفسي، وهو أن أفعل الشيء نفسه مع الأطفال الفقراء الآخرين. استفدت من تجربتي الشخصية في تطوير مهاراتهم في الرقص والغناء، لأنني أعرف جيدا الظروف التي يعيشونها والتحديات التي يواجهونها”.

ومع مرور السنوات، توسعت تجربة الفرقة تدريجيا، وجذبت اهتمام مصممي رقصات وفنانين، أسهم التعاون معهم في تطوير عروضها ونقلها من نطاقها المحلي إلى منصات أوسع.

ويشير داودا إلى أن أحد الأهداف الرئيسية للفرقة يتمثل في توظيف الموسيقى والرقص والدراما لفتح أبواب جديدة أمام الأطفال، ومساعدتهم على بناء مستقبل أفضل، بدلا من أن تحدد ظروفهم الاجتماعية فرصهم في الحياة.

من الأحياء الفقيرة إلى المنصات العالمية

خلال سنوات قليلة، تحولت “غيتو كيدز” إلى ظاهرة لافتة على منصات التواصل الاجتماعي، بفضل مقاطع فيديو تظهر أطفالا تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثامنة عشرة، وهم يؤدون رقصات تتميز بالحيوية والتناسق، على أنغام أغان شهيرة، مستخدمين حركات مبتكرة وتصميمات راقصة جذبت جمهورا واسعا.

ولم يكن الانتشار الرقمي مجرد وسيلة للشهرة، بل ساعد في تعريف جمهور دولي بمواهب الأطفال وبالأنماط الموسيقية والراقصة الأفريقية التي يستلهمون منها عروضهم.

ومنذ عام 2015، بدأت الفرقة تحصد جوائز وتحقق حضورا متزايدا في الفعاليات الفنية، فيما أسهمت مشاركاتها التلفزيونية ومقاطع الفيديو المتداولة في توسيع قاعدة جمهورها خارج القارة.

وشكّل عام 2017 إحدى المحطات التي شهدت انتشارا لافتا للفرقة، بعد تداول مقطع راقص على أنغام أغنية “ماريمبا راجا” للموسيقار الأنغولي دوتورادو برو. وجمع العرض بين عناصر من الرقص التقليدي وحركات مبتكرة عكست أسلوب الفرقة الخاص، وحصد المقطع 25 مليون مشاهدة.

كما اتسعت شهرة المجموعة بعد مشاركتها في برنامج المواهب التلفزيوني البريطاني “بريتنز غوت تالنت”، حيث حصلت على “الزر الذهبي”، في محطة عززت حضورها أمام جمهور عالمي.

ومع اتساع شهرتها، تجاوزت عروض الفرقة حدود منصات التواصل الاجتماعي، لتشارك في فعاليات فنية دولية، وتدخل في تعاونات مع أسماء معروفة في صناعة الموسيقى والترفيه، في تجربة تعكس قدرة المواهب الناشئة على الوصول إلى جمهور عالمي عندما تتوافر لها فرص الظهور والتطوير.

بين أصالة التراث وروح الابتكار

تستمد “غيتو كيدز” جانبا مهما من تميزها من قدرتها على الجمع بين الموروث الفني الإفريقي والتعبير الحركي المعاصر. ففي عروضها، تتداخل الإيقاعات التقليدية مع حركات مبتكرة، لتقدم صيغة فنية تستلهم التنوع الثقافي في أوغندا ومناطق أخرى من إفريقيا جنوب الصحراء.

وتتضمن هذه العروض حركات مستوحاة من الرقصات التقليدية الأوغندية، ومنها رقصات شعب أشولي، إلى جانب أنماط حركية ترتبط بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية في مجتمعات أفريقية مختلفة.

ولا يقتصر استلهام التراث على الموسيقى والحركات الراقصة، بل يمتد إلى الأزياء والمظهر العام، من القبعات والسترات الأنيقة إلى الرموز المستوحاة من الحياة الريفية والبيئة المحلية، بما يمنح عروض الفرقة طابعاً بصريا مميزا.

ويرى الصحفي حسنو كوغندا، المتخصص في التراث الإفريقي، أن أصالة أسلوب الرقص وتصميم الحركات والأزياء تمثل أحد أبرز عناصر تميز الفرقة، موضحا أنها تستند إلى الإيقاعات والتقاليد الأفريقية، مع تقديمها بروح معاصرة قادرة على التواصل مع جمهور من ثقافات مختلفة.

ويقول كوغندا لموقع “سكاي نيوز عربية” إن الفرقة نجحت في تقديم صورة مغايرة للأطفال الأفارقة، الذين غالبا ما يظهرون في التغطيات الإعلامية بوصفهم ضحايا للفقر والحروب والأزمات الإنسانية.

ويضيف: “إنهم يقدمون صورة لإفريقيا مفعمة بالإبداع والبهجة والمهارة وروح المبادرة، بعيدا عن الصورة التي تختزل المجتمعات الإفريقية في المعاناة أو انتظار المساعدات”.

ولا تقف أهمية التجربة عند حدود تغيير الصورة الذهنية، بل تمتد إلى إبراز الإمكانات الاقتصادية للصناعات الإبداعية الإفريقية، وما يمكن أن تتيحه من فرص للعمل والاستثمار والتبادل الثقافي، عندما تجد المواهب البيئة المناسبة للنمو والوصول إلى الأسواق الدولية.

ويشير كوغندا إلى أن حضور الفرقة وتعاونها مع فنانين بارزين، مثل شاكيرا وفرنش مونتانا، أسهما في تسليط الضوء على المواهب الأفريقية، وتعزيز الاهتمام بالموسيقى والرقص في القارة.

وهكذا، تحولت “غيتو كيدز” من مبادرة انطلقت لمساعدة أطفال على تأمين الطعام ومواصلة الدراسة إلى تجربة فنية وإنسانية تتجاوز حدود أوغندا، وتؤكد أن أطفال إفريقيا ليسوا مجرد وجوه في قصص الأزمات، بل أصحاب مواهب وقدرات يمكنها أن تصل إلى العالم، إذا أتيحت لهم الفرصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى