الكتابة هي محاولة لاستعادة البراءة، وشكل من أشكال الأمل

ترجمة: عدوية الهلالي
في روايته الأخيرة الصادرة عن دار غاليمار “عزلة المعلمين لامتناهية”، يبتكر الكاتب لشخصيته الخيالية، جان دايشل، حياة معلم في مدرسة بضاحية في رحلة إلى قلب الواقع، حيث الشعر هو الملاذ.وتضم رواية يانيك هانيل الجديدة، “عزلة المعلمين لا متناهية”، شخصيته الخيالية، جان دايشل، التي سبق أن رأيناها في روايات “دائرة”، و”تمسك بتاجك”، و”الثعالب الشاحبة” حيث يعيش ليلاً في نادٍ للتنس، ويتدرب نهاراً كمعلم في مدرسة إعدادية بضاحية، ويواجه صعوبات مهنة التدريس، وجمالها أيضاً، وهي مهنة تتعرض لهجوم متزايد. فبعد حادثة مؤسفة ،ينطلق في رحلة استكشافية لا يعرف نهايتها… مجلة مدام فيغارو أجرت مقابلة مع الكاتب يانيك هانيل الذي لا شيء يُسعده أكثر من كشف خبايا الشعر والدهشة، والوصول إلى جوهر الواقع.
كنتَ مُعلماً. ما الذي دفعك إلى الكتابة عن هذه التجربة من خلال الأدب؟
-لقد درّستُ اللغة الفرنسية لما يقارب سبعة عشر عامًا، معظمها في مدارس إعدادية بضواحي باريس، ومثل جان ديشيل، كنتُ تحت تصرّف مدير المدرسة، ما يعني أنني كنتُ أنتقل بين المدارس سنويًا. ومثله، كنتُ مؤمنًا؛ فقد اعتقدتُ أنها طريقة لممارسة السياسة دون ممارستها فعليًا، لأكون أقرب ما يكون إلى الواقع. ولطالما فكّرتُ في تأليف كتابٍ عن ما يحدث داخل الصف الدراسي. عن هذا الفضاء المكاني والزماني الخاص، وعن هذا التبادل للكلمات، والصمت، والقلق، والانتظار، وأحيانًا العنف اللفظي، وأيضًا السكينة، التي لا وجود لها في أي مكان آخر في المجتمع.بصفتي صحفيًا، حققتُ أيضًا في انتحار مدير مدرسة في بانتان، وكتبتُ العديد من المقالات حول ما يحدث للمعلمين خلال السنوات العشر الماضية: رقابة متزايدة، وتعرضهم لأنواع شتى من الضغوط، وشعورهم بالتخلي من قِبل وزارة التربية والتعليم.
مع ذلك، فإن هذه الرواية ليست تقريرًا صحفيًا، بل ملحمة شعرية، استُلهمت من مزهرية مكسورة..وينبع هذا من هوسي بمشهد عشته: ففي أحد الأيام، كما فعلت شخصيتي في الرواية، كسرتُ شيئًا ثمينًا في نهاية العام الدراسي، شيئًا كان مُعدًا لشخص عزيز عليّ في المدرسة، وحوّلتُ هذا الفعل الطائش إلى رمز للذنب، ذنب لم يعد يقتصر عليّ وحدي، بل امتد ليشمل الذنب المنسوب إلى المعلمين عمومًا. المعلمون الجيدون، أولئك الذين يسعون للتميز، يشعرون دائمًا بشيء من الذنب حيال خطأ لم يرتكبوه. وتُعدّ هذه المزهرية المكسورة رمزًا أدبيًا بامتياز- أتذكر رواية “الوعاء الذهبي” لهنري جيمس أو “الأبله” لدوستويفسكي – وقد ساهمت أيضًا في إضفاء عمق على شخصيتي، فتحوّل الكتاب إلى رحلة استكشافية لأنه طرح هذا السؤال: ما علاقة هذه المزهرية بحياة هذا الرجل؟ أردتُ تجنّب الخوض في التحليل الاجتماعي، لذا بنيتُ حول هذا المشهد الكوميدي التراجيدي قصة هذا الشاب الذي يخوض غمار التدريس.
من هو جان دايشل بالنسبة لك؟ هل هو قرينك؟
-جان دايشل هو أنا، لكن بصورة أفضل، وأنا، لكن بصورة أسوأ. من الملائم جدًا وضع هذه الشخصية الخيالية في مواقف عشتها وتمنيت لو عشتها بشكل مختلف، أو على العكس، في أماكن لم أطأها قدمي قط..ويُمثل جان دايشل أيضًا فرضية البراءة. وقد أُعجبني المفهوم السياسي العميق القائل بأن في كلٍّ منا شيئًا لم يمسه شيء بعد. لسنا جميعًا مُنهكين من قِبَل المجتمع بالضرورة.وهناك شيءٌ لا يُمكن اختزاله في داخلنا، شيءٌ يصعب التعبير عنه، إلا لحسن الحظ، في الأدب – وفي الحب. بالنسبة لي، الكتابة هي محاولةٌ لاستعادة البراءة، وإعادة تلوين الأشياء من خلالها. في نهاية المطاف، هي شكلٌ من أشكال الأمل.
*يشير العنوان إلى عبارةٍ تتكرر كترنيمةٍ في الرواية. ماذا تُمثل لك؟
-التكرار هو، قبل كل شيء، ملعب المعلمين. ساعةً بعد ساعة، يومًا بعد يوم، أسبوعًا بعد أسبوع. إنه عالم وجودهم المهني. وهو ليس مجرد قيد، بل هو أيضًا مكانٌ بهيج، بالمعنى الفردوسي للكلمة. عندما يبدأ الراوي جولته حول البحيرة مساءً، بعد نزوله من قطار الضواحي، ويردد هذه العبارة في نفسه، يشعر بنوع من السرور، ويدرك أن ما يدور في الصف، هذا الحوار الذي ذكرته، قابل للتشكيل والصقل والحفظ عن ظهر قلب. ومن هنا تأتي تلك التلاوات التي يعتز بها كثيرًا، كما اعتززت بها أنا أيضًا. لكن هذه العبارة، “عزلة المعلمين لامتناهية”، ليست مجرد رثاء. إنها تعبير عن تميز، ونوع من النبل.
هل أردتَ أيضًا التنديد بالعنف المؤسسي الذي يتجلى في شخصيات مثل مدير المدرسة، ستريغر، أو نائبه، لاغوي؟
-ستريجر مزيج من شخصيات مختلفة قابلتها، من بينهم مدير مدرسة أخبرني أنه لا يجوز بتاتًا الابتسام للطلاب، وإلا سيهاجمونني بشراسة. أشخاصٌ معادون للفكر أحيانًا، وهو ما أثار استغرابي عندما كنتُ معلمًا شابًا، حديث التخرج من امتحان التدريس التنافسي، وقد اندفعتُ إلى المدارس الإعدادية بسرعة كبيرة، ورأسي مليء بالأدب. أردتُ أيضًا أن أُظهر الوضع الهش للمعلمين، وبشكل أعم، هذا الاحتقار الذي استمر لسنوات، حتى داخل الهيئات التعليمية، حيث يكون المفتشون أحيانًا منفصلين عن الواقع، ويصلون إلى هذه المدارس المضطربة في الضواحي بمفاهيم خاطئة تمامًا عن السلطة.
ما هو دور الشخصيات النسائية في هذا الكتاب، برأيك؟ هل يظهرن كمناراتٍ تُنير درب الراوي؟
-وفي كتاباتي، تُعدّ الشخصيات النسائية دائمًا حضورًا مرحبًا به، وفرصًا للخلاص. هذا الرجل القلق للغاية، الذي يُمثّل عُصابه دافعًا قويًا وتهديدًا بالانهيار في آنٍ واحد، يحتاج إلى النساء ليُكمل مسيرته. في كل مرة ألمح فيها ظهور شخصية أنثوية في كتاباتي، أقول لنفسي: ها هي ذي، الشعر قادم. جان ديشيل شاعرٌ غافلٌ عن موهبته، يُزيّن نفسه بالشعر، ويضع الكتب في جميع جيوبه، ويجمع أوراق الشجر من الشارع كما لو كانت من جنة عدن. يُهيّئ نفسه لتلقّي الشعر، لكنه يحتاج إلى صلة، وهذه الصلة تتم دائمًا من خلال امرأة..

