تكنولوجيا

الأنثروبي: الذكاء الاصطناعي على وشك التطور الكامل

حذرت شركة أنثروبيك الأميركية من أن الذكاء الاصطناعي يمتلك تقريباً القدرة على تصميم نفسه وتطويره بشكل كامل، مشيرة إلى أن التطورات السريعة في قدرات النماذج المتقدمة يمكن أن تقودنا خلال سنوات قليلة إلى مرحلة تصبح فيها نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على تصميم وتطوير أجيالها القادمة بشكل مستقل، في تحول تصفه بأنه ربما يكون أحد أهم الأحداث التقنية في تاريخ البشرية.

وذكر مقال بحثي مطول نشره معهد الأنثروبيك، الذراع البحثي للشركة، أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة كونه مجرد أداة يستخدمها الباحثون والمهندسون إلى مشارك فعال في تطوير أنظمته الخاصة، وأشار إلى أن هذه العملية تتسارع بشكل ملحوظ مع كل جيل جديد من النماذج.

أطلقت الشركة على هذه القدرة اسم “التحسين الذاتي العودي”، وهو سيناريو تكون فيه الأنظمة الذكية قادرة على تصميم وتحسين وتدريب الأجيال اللاحقة بشكل مستقل، مما يؤدي إلى استمرار تسريع وتيرة التطوير دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في معظم مراحل العملية.

وتشير الورقة إلى أن هذا السيناريو ليس واقعا حاليا ولا حتميا، لكنه قد يأتي أقرب بكثير مما تتوقعه الحكومات والمؤسسات والمجتمعات.

اعتمدت الأنثروبيك على البيانات الداخلية ونتائج الاختبارات العامة لإثبات أن النماذج الجديدة تساهم بالفعل في تطوير النماذج اللاحقة.

وأوضحت أن مهندسي الشركة يكملون اليوم ثمانية أضعاف الأكواد البرمجية في المتوسط ​​عما كانوا يفعلونه قبل بضع سنوات فقط، وذلك بفضل الاعتماد الكبير على نموذج الذكاء الاصطناعي الأساسي للشركة، كلود.

وبحسب البيانات التي كشفت عنها الصحيفة، فإن أكثر من 80% من التعليمات البرمجية المدمجة حاليا في قاعدة البرمجيات الأنثروبيك كتبها كلود نفسه، بعد أن لم تكن هذه النسبة تتجاوز أعدادا محدودة للغاية قبل إطلاق أدوات برمجة النموذج في عام 2025.

وتقول الشركة إن دور المهندسين يتغير تدريجياً من كتابة الأكواد إلى الإشراف عليها ومراجعتها وتحديد الأهداف المراد تحقيقها.

“التعامل مع المشاكل المعقدة”

وأضافت أن النماذج الحديثة لم تعد تقتصر على تنفيذ تعليمات محددة، بل أصبحت قادرة على التعامل مع المشاكل المعقدة والمفتوحة، واكتشاف أسباب فشل البرمجيات، واقتراح حلول جديدة وحتى تصميم وتنفيذ تجارب بحثية كاملة.

وفقًا للمقال، فإن التقدم الأكثر أهمية ليس مجرد كتابة التعليمات البرمجية، ولكن أيضًا توسيع قدرة النماذج على أداء الأدوار التي كانت تعتبر حتى وقت قريب مجالًا للباحثين.

وأشارت إلى أن كلود يستطيع إجراء تجارب بحثية معقدة وتحسين الخوارزميات بطرق تتجاوز أداء الباحثين البشريين في بعض المهام المحددة.

كما عرضت الشركة نتائج تجربة أجرتها عام 2026، حيث تمكن مجموعة من الوكلاء المعتمدين على كلود من إدارة مشروع بحثي كامل في مجال أمن الذكاء الاصطناعي، بدءاً من تطوير واختبار الفرضيات، وصولاً إلى تحليل النتائج وتبادل المعرفة بين الوكلاء.

وعلى الرغم من أن الباحثين البشريين اختاروا المشكلة وحددوا معايير التقييم، إلا أن النظام صمم جميع التجارب تقريبًا بنفسه.

تعتقد أنثروبيك أن هذه الأنواع من النتائج هي مؤشر مبكر على أن المهارات التي كانت تعتبر ذات يوم “إنسانية بحتة” قد لا تبقى على هذا النحو لفترة طويلة.

على الرغم من هذه التطورات، تدعي الشركة أن هناك جانبًا واحدًا مهمًا لا يزال يمثل نقطة تفوق للأشخاص، وهو “الذوق البحثي” أو القدرة على إصدار أحكام استراتيجية.

ويتضمن ذلك تحديد المشكلات التي تستحق الدراسة، واختيار المسارات الواعدة، والتمييز بين النتائج المهمة وتلك غير المهمة.

لكن الدراسة تثير احتمالا مثيرا للقلق بأن هذه القدرة نفسها يمكن أن تتحسن تدريجيا في نماذج الذكاء الاصطناعي، تماما كما حدث مع المهارات الأخرى التي كان يعتقد سابقا أنها بعيدة عن متناول الذكاء الاصطناعي.

وقالت إن أنظمة الذكاء الاصطناعي سبق أن فاجأت الباحثين في عدة مجالات، مثل تفسير النكات وفهم نوايا الإنسان وحل الألغاز اللغوية المعقدة، بعد أن كان يعتقد أن هذه القدرات تتطلب فهما إنسانيا عميقا.

3 سيناريوهات للمستقبل

حددت الورقة البحثية التي أعدتها أنثروبيك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الذكاء الاصطناعي، يمثل الأول منها تباطؤ التقدم الحالي بسبب الوصول إلى حدود تقنية أو مادية، مثل نقص الطاقة أو القدرة الحاسوبية، أو الحاجة إلى أفكار جديدة تتجاوز بنية “المحولات” التي تعتمد عليها النماذج الحالية.

ويعتمد السيناريو الثاني، الذي تعتبره الشركة على الأرجح، على مكاسب كبيرة مستمرة في الكفاءة، مع بقاء البشر مسؤولين عن تحديد اتجاهات البحث الرئيسية، وتتولى الأنظمة الذكية الجزء الأكبر من التنفيذ.

في هذا السيناريو، قد تتمكن شركة تضم 100 موظف فقط من أداء العمل الذي كان يتطلب في السابق مؤسسات بها عشرات الآلاف من الموظفين.

أما السيناريو الثالث والأكثر دراماتيكية، فيتوقع أن تصل الأنظمة إلى كامل قدرتها على تطوير أجيالها القادمة وتحسين نفسها.

وفي هذه الحالة، تقول الشركة، فإن سرعة التقدم ستصبح معتمدة إلى حد كبير على توفر القوة الحاسوبية، بينما سيتضاءل دور البشر ليقتصر على مراقبة النتائج والتحقق منها.

دعوة إلى “زر التوقف” العالمي.

ورغم الحماس الواضح للإمكانات العلمية والاقتصادية لهذه التكنولوجيا، حذرت أنثروبيك من المخاطر التي قد تنشأ إذا وصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التطوير الذاتي الكامل.

وقالت إن العالم يجب أن يكون لديه خيار إبطاء أو تعليق تطوير النماذج المتقدمة إذا أصبحت المخاطر أكبر من أن تتمكن المؤسسات من إدارتها.

وأضافت أن وجود مثل هذا الخيار يتطلب بناء آليات مراقبة وتحقق دولية تضمن التزام كافة الأطراف الكبرى بنفس الاتفاقيات.

وحذرت من أن أي إغلاق أحادي من جانب شركة واحدة لن يكون كافيا حيث يمكن لأطراف أخرى استغلاله لمواصلة التقدم وأخذ زمام المبادرة.

ودعا جاك كلارك، المؤسس المشارك لشركة أنثروبيك، إلى القدرة على إبطاء تقدم الذكاء الاصطناعي، محذرا من أن التكنولوجيا تقترب من نقطة يمكن أن تتطور فيها دون تدخل بشري.

وقال كلارك لبي بي سي نيوزنايت: “أنت تريد القدرة على رفع قدمك عن دواسة الوقود والضغط على المكابح”.

وأضاف: “في الوقت الحالي، يبدو الأمر كما لو أن صناعة الذكاء الاصطناعي لديها مسرع ولكن لا يوجد مكابح”.

وشدد على ضرورة أن يحافظ الناس، من خلال السياسات العامة، على سيطرتهم على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستصبح أكثر قوة وتأثيرا في المجتمع مع مرور الوقت.

وقال: “يحتاج العالم إلى التفكير في هذه القضية، وفي النهاية نحن بحاجة إلى تطوير لوائح جديدة تسمح لنا بالثقة في هذه الأنظمة”.

وأوضح أن الشات بوت المعروف كلود التابع لشركة أنثروبيك، يعمل حاليًا بأكواد برمجية، حوالي 80% منها يكتبها النظام نفسه.

وأضاف أن الوصول إلى 100% خلال عامين أمر ممكن وستكون له “عواقب وخيمة”.

ولم يوضح كلارك كيفية إنشاء “دواسة الفرامل” لأبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي، لكنه أجرى مقارنة بين الذكاء الاصطناعي والطفرة النفطية وأباطرة النفط في مطلع القرن.

وقال: “كان رد فعل المجتمع في ذلك الوقت هو تطوير السياسات والإطار التنظيمي المعقول الذي أعطى الناس الثقة في النفط والفوائد التي يمكن أن يجلبها للعالم، ويضمن أنهم لا داعي للقلق بشأن شخصيات الأفراد الذين يديرون الشركات”.

وأضاف: “ومن الواضح أن هذا هو الاتجاه الذي سنسير فيه هنا”.

“سباق التسلح”

وقارنت أنثروبيك الحاجة إلى آليات التحقق الدولية في مجال الذكاء الاصطناعي بالتجارب السابقة في السيطرة على الأسلحة النووية والصاروخية.

ومع ذلك، أشارت إلى أن المهمة الحالية أكثر تعقيدا بكثير لأنه في حين يمكن مراقبة منصات الصواريخ أو المنشآت النووية بالأقمار الصناعية وأدوات المراقبة التقليدية، فإن التدريب على نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتم في مراكز البيانات التي يصعب اكتشافها، كما أن المعدات المستخدمة لها تطبيقات مدنية وتجارية مشروعة.

وقالت الشركة إن أي اتفاق دولي فعال يجب ألا يقتصر على الولايات المتحدة وحلفائها، بل يجب أن يشمل أيضا القوى المتنافسة، وخاصة الصين، لأن أي تأخير لا يشمل جميع الجهات الفاعلة الرئيسية قد يفشل في تحقيق أهدافه.

وخلصت أنثروبيك إلى أن العالم لا يزال أمامه فرصة لمناقشة هذه التحولات والاستعداد لها، لكن هذه الفرصة لن تدوم طويلا إذا استمرت النماذج الحالية في التطور بنفس الوتيرة.

وقالت إن السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيشارك في التطوير نفسه، كما يحدث بالفعل، بل إلى أي مدى يمكن توسيع هذا الدور، وما إذا كانت الأنظمة المستقبلية ستظل بحاجة إلى البشر لتطويرها، أو ما إذا كانوا سيكونون قادرين على تولي المهمة بأنفسهم.

وأضافت أن الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي تشكيل الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل بداية حقبة جديدة من التقدم العلمي والتكنولوجي، لكنه قد يفتح الباب أيضًا أمام مخاطر غير مسبوقة إذا لم يتم بناء آليات مراقبة وتنسيق دولية قادرة على مواكبة سرعة هذا التحول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى