أخبار العرب والعالم

النيجر.. جيش مُحبَط ومجلس عسكري يبحث عن الحماية

ماذا يعني اليوم أن تكون جنديا في النيجر؟ في مقابلة حصرية مع DW يتحدث خبير شؤون الساحل الدكتور عبدولاي سونايه، الأستاذ في مركز لايبنيز للشرق الحديث في برلين عن “استياء متزايد”.

“الغالبية العظمى لا تكسب حتى 150 يورو شهريا ويضطر الكثيرون إلى إعالة ستة أو سبعة أفراد من أسرهم أو أكثر بهذا الراتب الشهري. وهذا يسهم بطبيعة الحال في تزايد الاستياء داخل القوات المسلحة النيجرية”.

كما أن كون المرء جنديا في  النيجر يعني القتال ضد الجهاديين في ظروف صعبة ووسط مخاطر شخصية كبيرة. وفي الوقت نفسه يخضع الجنود لقيادة عسكرية وصلت هي نفسها إلى السلطة عن طريق انقلاب.

انتفاضة فاشلة في نيامي

انتفاضة يقودها الجنرال عبد الرحمن تياني الذي كان آنذاك قائد الحرس الرئاسي. في يوليو/ تموز 2023 أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد بازوم واستولى على السلطة. ويبرر المجلس العسكري حكمه بشكل أساسي بمكافحة العنف الجهادي.

النيجر، نيامي 2024 | قمة تحالف دول الساحل في 6 يوليو/تموز 2024.
أسيمي غويتا من مالي (يسار) والجنرال عبد الرحمن تياني من النيجر (وسط) والنقيب إبراهيم تراوري من بوركينا فاسو (يمين) يلتقطون صورة تذكارية خلال القمة العادية الأولى لتحالف دول الساحل التي عُقدت في 6 يوليو/ تموز 2024 في نيامي بالنيجر.صورة من: Mahamadou Hamidou/REUTERS

لكن  الانتفاضة الأخيرة الفاشلة التي اندلعت في نيامي ضد الحكومة نفسها في 29 أغسطس/ آب تضع هذا الوعد موضع تساؤل. فقد سيطرت أجزاء من الجيش مؤقتا على القاعدة الجوية 101 في المطار الدولي وحاولت التقدم نحو قصر الرئاسة ومحطة الإذاعة الحكومية. وتصف الحكومة ما حدث بـ”التمرد”.

وقال الخبير السنغالي في شؤون الحوكمة بابي إبراهيما كاني في مقابلة مع DW: “لم يكن ذلك مجرد تمرد، بل محاولة انقلاب. إذا لم تكن هذه محاولة انقلاب، فكيف تبدو محاولة الانقلاب إذا؟”

الإحباط في صفوف الجيش

يقاتل الجيش النيجيري منذ سنوات ضد الجماعات الجهادية دون أن يتمكن من كبح العنف بشكل حاسم. كما تعرضت العاصمة نيامي لهجمات متعددة هذا العام.

يصف الخبير كين مشاكل الجيش قائلا: إنه يواجه صعوبات في نقل القوات والمعدات في هذا البلد الشاسع. وهذا يعني مخاطر كبيرة للجنود إلى جانب مشاكل جسيمة في التجهيز والإمداد واللوجستيات.

ويضاف إلى ذلك على ما يبدو الإحباط بشأن الأجور ونقص التقدير. ويرى خبير  منطقة الساحل مامادو موث باني أن أحد الأسباب المحتملة للتمرد هو تفضيل الحرس الرئاسي على القوات المسلحة ووحداتها المتمركزة على الجبهة.

مالي | مرتزقة روس، في صورة غير مؤرخة وزّعها الجيش الفرنسي، تظهر مرتزقة روسًا في شمال مالي.
المرتزقة الروس في شمال مالي: تنشط روسيا عسكريا في عدة دول أفريقية بما في ذلك النيجر وغالبا ما يكون ذلك بعيدا عن أنظار الرأي العامصورة من: French Army/AP/picture alliance

وقال باني في مقابلة مع DW:” الرجال الموجودون على الجبهة يُهملون. إنهم يشعرون بأنهم منسيون ويُعاملون معاملة أسوأ”.

ويُظهر الاستياء المتزايد في صفوف القوات المسلحة المعضلة المركزية التي يواجهها المجلس العسكري في النيجر:  فهي بحاجة إلى قوات موالية بشكل خاص لحماية سلطتها لكن لا يجوز لها أن تفقد دعم الجيش النظامي.

“الفيلق الأفريقي” يدعم المجلس العسكري

ويُعتبر دور “الفيلق الإفريقي الروسي” مثيرا للجدل بشكل خاص. فقد تولى هذا التشكيل جزءا كبيرا من الأنشطة السابقة لـ”مجموعة فاغنر في إفريقيا”.

بعد فشل التمرد الذي قاده زعيم “فاغنر” يوجيني بريغوشين ضد الكرملين ووفاته في أغسطس/ آب 2023 أُعيد تنظيم الهياكل الروسية في أفريقيا وأصبحت خاضعة بشكل أكبر لسلطة وزارة الدفاع.

وفي  النيجر وفي النيجر، أصبح الفيلق الأفريقي الروسي شريكًا أمنيًا مهمًا للسلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم بعد الانقلاب. ووفقًا للسفير الروسي، ساعدت القوات الروسية الجيش النيجري في استعادة السيطرة على القاعدة الجوية 101، بعد أن تعرضت لهجوم خلال التمرد الأخير.

وبذلك يتجاوز دورها مجرد مكافحة الإرهاب: فقد ساعدت القوات الروسية في قمع انقلاب قام به عناصر من صفوف الجيش النيجري ضد الحكومة.

هل أنقذت روسيا الحاكم تياني؟

لذلك يتحدث كين عن “تبعية استراتيجية”. “لولا الجيش الروسي لكانت لدينا اليوم حكومة جديدة في النيجر ولتمت الإطاحة بالمجلس العسكري”، كما أوضح في حوار مع DW.

لكن هناك أيضا عوامل تتعارض مع تقييم الخبير. فحسب معلومات حصلت عليها DW من الميدان كان الحرس الرئاسي ووحدات أخرى موالية للنظام قادرة على العمل.

بالإضافة إلى ذلك دعمت الجزائر المجلس العسكري في نيامي وأرسلت أربع طائرات مقاتلة روسية متعددة الأغراض من طراز سوخوي Su-30  إلى النيجر.

التقييم الحذر: من المرجح أن “الفيلق الأفريقي” كان عاملا حاسما في القمع السريع للانتفاضة، لكنه لم يكن بالضرورة العامل الوحيد.

بالنسبة للجنرال تياني الذي تولى السلطة يُعد هذا نجاحا على المدى القصير. وفي الوقت نفسه يتضح اعتماده على شريك مسلح أجنبي.

خطر يهدد النيجر ومنطقة الساحل

يرى خبير الحوكمة بابي إبراهيما كين أن “الفيلق الأفريقي” يمكنه تأمين قاعدة استراتيجية، لكنه لا يستطيع حل المشاكل الهيكلية للجيش النيجري أو هزيمة الجهاديين.

النيجر، نيامي 2019 | جنود يؤمّنون مراسم تأبين لجنود نيجريين قُتلوا، 22 ديسمبر/كانون الأول 2019.
جنود يؤمّنون مراسم تأبين لجنود نيجريين قُتلوا، 22 ديسمبر/كانون الأول 2019 في النيجرصورة من: Ludovic Marin/AFP

بل على العكس. “إذا تركز الروس في العاصمة، فكيف ستسير الأمور على الجبهة؟”، يتساءل كاني في مقابلة حصرية مع DW.

وبذلك تصبح النيجر حالة اختبار لنموذج الأمن الخاص  بـتحالف دول الساحل الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو. تعتمد الحكومات العسكرية الثلاث بشكل متزايد على روسيا وقد ابتعدت عن شركائها الغربيين.

على المدى القصير يمكن للدعم الروسي أن يساهم في استقرار المجالس العسكرية. لكن على المدى الطويل هناك خطر يتزايد من إضعاف الجيوش الوطنية.

ويقول كين إن رئيس المجلس العسكري تياني لا يتعين عليه فقط تأمين سلطته، بل عليه أيضا كسب تأييد جيش يتحمل جنوده مخاطر كبيرة ولا يبدو أن ولاءهم له أمر مفروغ منه بعد الآن.

يُعد إحباط محاولة الانقلاب انتصارا  للانقلابيين ولكنه أيضا إشارة تحذيرية تشير إلى الحالة الحرجة التي يمر بها الجيش النيجيري.

أعده للعربية: م.أ.م

تحرير: ع.ش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى